ملخص
إذا كان هناك من يترقب اتفاقاً محتملاً بين السعودية وإسرائيل لفتح باب الجدل والتكهنات حول مصير القضية الفلسطينية في هذا الاتفاق، ليتخذ منه ذريعة دائمة لرفض أي حل يقود المنطقة للاستقرار، فبالتأكيد يتجاهل عمداً المواقف الرسمية للرياض التي تؤكد بشكل دائم أن أي تقدم في العلاقات مع إسرائيل لن يكون إلا بحصول الفلسطينيين على حقهم في دولة مستقلة، وهو شرط أساس كررته الدبلوماسية السعودية في أروقة الأمم المتحدة وعبر ولي العهد.
ما بين السلام والسياسة والاقتصاد والصفقات العسكرية، هناك ملفات كثيرة عالقة بين السعودية والولايات المتحدة من المنتظر مناقشتها خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى أميركا هذا الأسبوع، ومن أهمها على الساحة السياسية العالمية فرص عقد اتفاقات سلام بين السعودية وتل أبيب.
وبينما تضغط واشنطن على الرياض للتوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل تضع السعودية شروطاً للقبول بها أهمها وجود خطوات جادة وفعالة لإقامة دولة فلسطينية ورعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهذه الخطوة وصولاً إلى تثبيت الدولة الفلسطينية في الساحة السياسية والدبلوماسية العالمية.
وذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أن البيت الأبيض في مناقشات جارية ومستمرة في شأن تقديم ضمانات للجانب السعودي لتحقيق رؤية ترمب، فيما تسعى الرياض إلى ما هو أبعد من هذه الرؤية عبر إحلال السلام في المنطقة مع وجود توازن أمني تحفظ به الاستقرار.
وأطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى "الاتفاقات الإبراهيمية" لإقامة علاقات سلام بين دول عربية وإسلامية مع إسرائيل، وكانت أول دولة توقع عليها هي الإمارات في 2020، وانضمت لها البحرين والسودان والمغرب وأخيراً كازاخستان، فيما رفضتها السعودية وعبرت عن رغبتها أن تكون علاقات السلام مشروطة وفي إطار سياسة تبادل المصالح.
ويبدو أن آمال ترمب تتجدد مع الزيارة، إذ يعقد الرئيس الأميركي كثيراً من الآمال على إيجابية العلاقات وتطورها في عهده مع السعودية، خلاف ما كانت عليه في عهد رئاسة جو بايدن وباراك أوباما.
في الحقيقة العلاقات السعودية - الأميركية تسير بصورة دقيقة ومتوافقة، بخاصة من الجانب السعودي، لأن رؤية الرياض منذ عقود تتجاوز الحدود إلى المصلحة الإقليمية من خلال شرق أوسط اقتصادي جديد يعزز أمنها العسكري والاقتصادي عبر الاستقرار، ويرفض التبعية المذهبية والحزبية العمياء التي لم تنل منها المنطقة إلا الدمار والخراب.
استطاعت السعودية بشراكتها مع الولايات المتحدة أن توظف هذه الشراكة لحلحلة كثير من الملفات في الشرق الأوسط ومنها وقف التصعيد بين باكستان والهند، وأيضاً رفع العقوبات عن سوريا، وكذلك الملف السوداني.
إذا كان هناك من يترقب اتفاقاً محتملاً بين السعودية وإسرائيل لفتح باب الجدل والتكهنات حول مصير القضية الفلسطينية في هذا الاتفاق، ليتخذ منه ذريعة دائمة لرفض أي حل يقود المنطقة للاستقرار، فبالتأكيد يتجاهل عمداً المواقف الرسمية للرياض التي تؤكد بشكل دائم أن أي تقدم في العلاقات مع إسرائيل لن يكون إلا بحصول الفلسطينيين على حقهم في دولة مستقلة، وهو شرط أساس كررته الدبلوماسية السعودية في أروقة الأمم المتحدة وعبر ولي العهد.
الموقف السعودي ودعوات التضليل
من الملاحظ أيضاً أن هناك جدل ودعوات لتضليل كثيرين عن فهم الدبلوماسية السعودية الجديدة لمصلحة أهداف تخدم المذهبية وانتهاج تصدير الثورات والأعمال التخريبية عبر أذرع منتشرة في عدد من دول المنطقة، ومن خلال السعي دوماً إلى إثارة الفوضى وبناء الحركات الهدامة التي تغير الحقائق وتضلل الإنسان العربي البسيط، إذ تستغل حالات ضعفه وتضرب على وتر العاطفة الدينية لتثير فيه التأنيب وتحمله ذنب ما يحدث في الدول المجاورة.
مواقف السعودية تجاه القضايا العربية والإسلامية ثابتة وراسخة، فعلى سبيل المثال نشأت أجيال السعوديين على فكرة مناصرة القضية الفلسطينية بإخلاص ودعمها منذ زمن النكبة مروراً بمراحل الحروب والمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية وصولاً إلى حرب غزة الأخيرة، وهذا ما عهدناه وأدركناه من حكام السعودية.
السعودية تؤدي واجبها العروبي والإسلامي الذي يدفعها إلى أن تكون في موقف الداعم للأشقاء العرب عبر التاريخ، فنراها تؤكد ضرورة المحافظة على سيادة لبنان في أحداثه الأخيرة، وتصدر توجيهات لتقديم المساعدات اللازمة لهذا البلد في ظروفه الحرجة التي يمر بها، وليس هذا بجديد، فالاهتمام السعودي المستمر بالشأن اللبناني قائم منذ العام 1975 ولا يزال قائماً حتى اللحظة.
ونرى الرياض تقود جهود السلام في غزة بعدما دانت التصعيد العسكري الإسرائيلي في القطاع منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعبرت عن رفضها التهجير القسري للفلسطينيين، مطالبة المجتمع الدولي بسرعة التحرك لوقف كافة أشكال التصعيد العسكري ضد المدنيين.
اليوم نرى دعم السعودية لسوريا، وجهودها في السودان لمنع كارثة إنسانية قادمة، إذ أكد مجلس الوزراء السعودي مراراً على ضرورة الوقف الفوري للحرب في السودان.
ومع كل هذه الجهود نرى ضيق أفق البعض واختلال رؤيتهم للصورة الكاملة، إما عمداً أو استكباراً أو جهلاً لواقع حال الشرق الأوسط المتغير، والموقف السعودي منه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
دبلوماسية السعودية وتضاد مع المنبر العربي
تحدثت في مقالة سابقة عن أشكال جديدة للحركات السياسية الهدامة التي تشكك في جهود الدول المعتدلة، وتشوه الحقائق لتسيير القطيع البسيط لخدمة أذرعها المتطرفة التي تخدم أجندتها الهدامة، لكن اليوم هناك سياسة جديدة تتبعها هذه الحركات، لا تستخدم فيها الصيغ النمطية السائدة في القرن الماضي، بل تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية منظومة تتلاعب بالوعي الجماهيري وتنشر التضليل، وتعدنا بخلق أعداء بيننا يسعون إلى زعزعة الأمن والاستقرار عبر الأدوات الرقمية.
هذه الحركات تستغل كل حدث سياسي لنشر الإشاعات والصور الزائفة والتشكيك في صدقية الإعلام الرسمي، فنرى صرخات عناصرها وتعليقاتهم الهيستيرية في وسائل الإعلام المعارضة أو عبر وسائل التواصل الأخرى، إذ تقدم نفسها لأتباعها بأنها صوت المنبر العربي، وفي الجانب الآخر تساوم على مدى عروبتنا وإسلامنا في أية خطوة سياسية تخطوها السعودية أو أي دولة عربية تريد أن ترتقي بنهجها السياسي.
السياسة التي تتبعها هذه الحركات هي سياسية نشر فكرة الحرمان والكبت لترسم في أذهان المتلقي صورة عن سوء الحاضر وقتامة المُستقبل، والتي تعتبر من أساليب التشكيك في مدى فعالية الحكومات وقدرتها على خلق واقع شرق أوسطي جديد.
ويشير موقع "أكسيوس" الأميركي إلى أن أسلوب دعوات التضليل في الأحداث السياسية هدفه الرئيس ليس القضية الإنسانية، بل يعمد إلى استخدام القضايا الحساسة لتمرير أجندات معينة تصل بها إلى حد التشكيك في نزاهة وسائل الإعلام الرسمية الإخبارية لدولة ما.
زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة والحديث عن الاتفاقات الدفاعية المحتمل عقدها تعد موضوعاً دسماً بالنسبة إليهم في هذه الفترة، بخاصة وأن هذه الزيارة يترتب عليها واقع اقتصادي تكنولوجي أمني جديد ستفرضه السعودية في الشرق الأوسط، إذ يتوقعون أن تعزز الرياض أمنها واقتصادها وتبتعد بالمنطقة من تبعات التصعيد العسكري الأحادي، وتفرض الرياض قوتها المحورية في الشرق الأوسط، مما يعرقل أهدافهم المضادة للسعودية.
القضية الفلسطينية هي مبدأ أساس لدى السعودية، وشرطها الواضح لأي اتفاق سلام مع إسرائيل هو المسار العملي الذي يفضي إلى دولة فلسطينية، وحال جرت الاستجابة لطلبات الرياض، فإننا نتوقع مزيداً من اعتراض هذه الحركات والجحود عبر وسائل التواصل المختلفة في الأيام المقبلة.
وبالنظر إلى موقف السعودية الثابت ذكر موقع "سي أن أن" أن المبادرة التي أطلقها العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز آل سعود في القمة العربية ببيروت عام 2002 نالت تأييداً عربياً وعالمياً، واعتبرت منذ ذلك الحين "مبادرة السلام العربية" التي لا يزال يتوافق الجميع عليها.
وفي الختام يتجاهل بعضهم مدى حاجة العالم العربي إلى شرق أوسط جديد ينسجم مع تطلعات أجياله الناشئة التي تأمل ما لا يأمله السابقون، فلم تعد أجندة العالم العربي قبل 2019 تخدم واقع اليوم لأن الشرق الأوسط الجديد سيفرض رؤية تتسم بنوع جديد من التعايش والقبول، حتى وإن كانت لا تروق لبعضهم.