Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سياسة الإنهاك أسقطت الأسد وسلمت الشرع بلدا مدمرا

قد يكون الأمر مرتبطاً بالمنطقة العازلة نفسها ومدى اتساعها وتأثيرها في سيادية القرار السوري

تتخوف سوريا من تحويل الجنوب منطقة وصاية إسرائيلية (أ ف ب)

ملخص

يرى محللون أن "سلطات دمشق لا يمكنها التنازل عن الجولان، بل هي مطالبة باستمرار بالتصريح الرمزي حوله، لضمان إرضاء الشعب ضمن موقف سيادي لا مفاعيل له، لذا يمكن اللجوء لاحقاً لترتيبات وقنوات أمنية ودبلوماسية تضمن التفاوض على نقاط إسرائيل الجديدة داخل سوريا من دون صدام مسلح أو تصعيد سياسي، وذلك يكون تكتيكاً مرحلياً حتى تتغير الأحوال بظروف ومواقيت معينة".

خلال العقود الطويلة من حكم البعث لسوريا تغيرت النظرة الإسرائيلية مراراً من مواقف متعددة في الداخل السوري والإقليمي، وإبان ذلك تمكنت من إبرام اتفاقات سلام مع دول عربية عدة، فيما ظلت سوريا، بوصفها جزءاً مما كان يعرف بـ"محور المقاومة"، متمسكة بمبدأ الأرض في مقابل السلام على رغم حضورها مؤتمر مدريد للسلام في التسعينيات والزيارات واللقاءات الأميركية المحدودة مع الجانب السوري في هذا الإطار. لكن الحرب السورية التي بدأت في عام 2011، أعادت تموضع الحسابات بصورة جذرية بالنسبة إلى كل اللاعبين على الساحة من طهران إلى صحراء النقب، وكذلك ظل نظام الأسد يرفض "الاتفاقات البراهيمية".

إنهاك لا إسقاط

إسرائيل رأت في الحرب السورية فرصة سانحة وحدثاً مفصلياً لإضعاف عدوها التاريخي لوجستياً وعسكرياً وسياسياً، وتعمقت تلك الإرادة مع دخول "حزب الله" وإيران بصورة مباشرة في القتال العسكري بين المدن والجبهات السورية. وفي أتون كل ذلك، لم تسع إسرائيل إلى توقف قصفها الجوي الذي كان يشتد مع مرور الوقت عبر استهداف منشآت وقطاعات عسكرية صاروخية وبحثية وعلمية وتطويرية، جلها يتعلق بترسانات أسلحة لا تريدها إسرائيل في جوارها، فبدت كمن يلعب في الوقت بدل الضائع، وذلك تزامناً مع تقديمها خدمات لوجستية وبينها إسعافية لمصابي مقاتلي المعارضة في الجنوب السوري. وكانت كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل خلال تلك الأعوام لا تريد إسقاط الأسد، بل إسقاط قدراته وتحييد بلاده وضبطها، قبل أن تتغير الأمور والحسابات مجدداً مع اتخاذ قرار إسقاط النظام كاملاً أواخر عام 2024.

"الهدوء الوقائي"

مع الوقت، تبلورت سياسة إسرائيل لتمارس تتمة أهدافها التي تكفل ألا تتحول سوريا في لحظة حرجة إلى ساحة مواجهة مفتوحة يستغلها الإيرانيون و"حزب الله" وفصائل أخرى، وذلك ما كان يحتم قصف أي هدف يشتبه به، متحركاً كان أم ثابتاً، وضمن خطوات استباقية من دون الانجرار بأية صورة لمواجهة شاملة أو احتماليات تقوم على إحداث فوضى مطلقة تمهد بحد ذاتها لمواجهة أخرى. هذه كانت رؤية إسرائيل القاضية بعدم إسقاط الأسد تماماً، بل إضعافه واستغلاله ليكون ضامناً لهدوء الجبهات مع إسرائيل.

بحسب الخبير السياسي عمار ياسر سياسة إسرائيل لم تتخط المنطقة الرمادية الآمنة، "مئات الطلعات الجوية وعمليات الإنزال الجوي والقصف المتكرر، أي أقل من مواجهة وحرب وأكثر من تكتيك وعمليات أمنية، لا حرب ولا سلام، مجرد إنهاك دائم".

أيام السقوط الأولى

مع سقوط النظام السوري أواخر عام 2024 تغيرت قواعد اللعبة تماماً، نفذت إسرائيل خلال الساعات الـ48 التالية نحو 400 طلعة جوية دمرت خلالها نحو 80 في المئة أو أكثر من مقدرات ومعدات وآليات وأسلحة الجيش السابق، الذي بطبيعة الحال كان سيستخدمه الجيش اللاحق. ومع مرور الأشهر التالية، وصل عدد الغارات إلى نحو 1000، ليجري تدمير ما تبقى من الترسانة السورية بالكامل على رغم قلتها.

وفي خضم ذلك، أعادت إسرائيل إنتاج سياستها المرتبطة بتعزيز حضورها في الجولان ونصب نقاط جديدة متقدمة ضمن استراتيجية تتلخص بما يأتي: ضمان عدم وجود تهديد مستقبلي والسيطرة على نقاط عسكرية استراتيجية (جبل الشيخ ونقاط في القنيطرة وريف دمشق جنوب سوريا)، ومنع ظهور تشكيلات متطرفة ومعادية، والسعي الحثيث إلى إيجاد منطقة عازلة مترامية الأطراف على كامل الجنوب.

المنطقة العازلة

يشار أحياناً في الأعراف الدبلوماسية والأمنية إلى مصطلح المنطقة العازلة، ما لم تصدر بموجب قرار أممي، على أنها تنفيذ لأمر واقع قائم على قرارات عملية أحادية أو أكثر، تؤمن مناخاً هادئاً لدولة مستقرة تجاه دولة أخرى غير مستقرة، فتتيح لها التحكم بإيقاع الأرض من دون التدخل المباشر في حال شعورها بتهديد جدي. وذلك ما يكفله التأمين اللوجستي للمواقع الجديدة في حالتنا هذه (المنطقة الآمنة - العازلة) وشذراتها الأولية قبل تطبيقها عبر السيطرة بالقوة على نقاط ومراصد ومرتفعات داخل البلد المجاور، وهو ما تفعله إسرائيل عبر الضغط العسكري والتفاهمات مع قوى إقليمية وعالمية ومحلية كذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في التعاون المحلي تنتهج إسرائيل سياسة الاعتماد على الدروز كسلاح قوي انطلاقاً من الأحداث التي شهدتها منطقتهم، إضافة إلى محاولة التقرب من المكونات العشائرية في درعا عبر وسطاء مباشرين أو غير مباشرين، وقد يكون هذا التقارب عبر دعم مالي أو غذائي، لكنه لا يعني بالضرورة أنه يلقى قبولاً، فالأمر هنا يرجع لحسابات أكثر تعقيداً بكثير من الملف الدرزي.

هذه الأنماط المتشابكة تسهم في توليد منطقة عازلة، تختلف حتى عن المنطقة منزوعة السلاح فقط، لأنها ستضمن حضوراً إسرائيلياً وحركة شبه مفتوحة في مناطق معينة، إضافة إلى المطالبة بممر إنساني مباشر من إسرائيل إلى السويداء، وهذا الممر نفسه فكرة تقلق السلطات السورية كثيراً، لأنه قابل للتمدد أكثر وصولاً نحو مناطق أبعد من الجنوب السوري نفسه.

هذه المنطقة المنشودة، التي تشترط أن تضم أجزاء من جنوب دمشق وصولاً إلى السويداء ودرعا والقنيطرة والجولان بطبيعة الحال، ستمنح إسرائيل قدرة ما فوق عسكرية على الأرض من دون أي تكاليف سياسية داخلية وخارجية، وفي تفاصيلها أنها ستمنع الجيش السوري من الحضور بالسلاح الثقيل والمتوسط في تلك المنطقة، وقد تسمح بحضور أفراد من الشرطة بالأسلحة الخفيفة، وإن كان هذا الأمر مريحاً للسويداء، لكنه ربما يزيد قلق أهالي درعا بعد الأحداث الأخيرة مع جارتهم السويداء التي ستكون تحت مظلة لا يمكن خرقها عسكرياً.

السر في السويداء

تحوي السويداء تاريخياً على مزيج هائل من التنوع الفكري والاجتماعي ضمن مخزون متوارث في سياق الحريات الفردية، وكذلك هي معقل الدروز السوريين منذ مئات الأعوام، مما يجعلها نقطة تلاقي مصالح كبرى. فدروز السويداء تجمعهم روابط دينية وثقافية واجتماعية مع دروز إسرائيل والجولان بصورة وثيقة، مما وضع الطائفة كلها في عهد جديد غير مألوف يقوم على وحدة المصير الكلي للجماعة بعد أحداث الجنوب وتبعاته المأسوية، وهو ما خلق مناخ التفاهمات وتعزيز الانفتاح وقنوات التواصل المباشر بين الجانبين.

إسرائيل بعد سقوط النظام وما بعد الأحداث الأخيرة قدمت مساعدات إنسانية ودعماً سياسياً منقطع النظير للدروز، مع السماح لبعضهم بزيارات مقامات دينية في الجولان وتسهيلات عبور محدودة للعمل، كما أشارت تقارير صحافية متعددة إلى أن التنسيق كان في أتمه بين المرجعيات الدرزية الإسرائيلية والسورية بدعم من سلطات تل أبيب خلال الأشهر القليلة الماضية.

الأحداث الدموية التي شهدتها السويداء في شهر يوليو شكلت نقطة تحول وبداية التنسيق مع إسرائيل، فمن الناحية الاستخبارية نجحت إسرائيل في الاستثمار بالحدث واستمالة مكون سوري كامل نحو إعلان رغبته في الانفصال عن سوريا، وكذلك دعمه المطلق لوجود المنطقة العازلة.

ماذا تريد دمشق؟

حين النظر إلى الملف الإسرائيلي بالعين الدمشقية، يمكن استنباط رؤية تدل على عدم رغبة واسعة وقطعية بالمواجهة، وهذا ما عبر عنه الرئيس أحمد الشرع علانية في أحد الحوارات الصحافية في الفترة الأخيرة، ولكن يمكن التفكير أبعد من ذلك بأن دمشق تسعى إلى نيل الأمان الإقليمي ومن إسرائيل قبل غيرها، كمطلب عملي يندرج في إطار ضمان أولويات بقاء السلطة الحالية في الحكم، بالتزامن مع العمل على ضبط الأمور السيادية الداخلية، والعمل الحثيث على استقطاب الاستثمارات للشروع في مراحل إعادة الإعمار كخطوات إضافية لتثبيت جوهر الحكم، بعيداً من أي صراع عسكري مرتقب أو محتمل أو ممكن ولأسباب كثيرة أبسطها أن سوريا لا تملك سلاحاً في الأقل، ولعلم قادتها أن إطاحة الأسد جاء بقرار لا بسلاح وعملية عسكرية من الأساس.

"سوريا اليوم تريد تهدئة دائمة وطويلة للغاية وضمانات بعدم التعرض الداخلي لها، وقد جربت كيف قصفت وزارة دفاعها وقصرها الجمهوري من تل أبيب، لا تريد تكرار مجازر دموية ولا إثبات المثبت من جديد حول العجز الأمني"، بحسب أستاذ العلوم السياسية قاسم عبارة، وأضاف "السلطة الحاكمة اليوم في دمشق تسعى إلى الابتعاد من الحروب والالتفات للشأن الداخلي، وهذا واضح في الخطابات الرسمية وغير الرسمية، إن كان محور بأكمله من دول كثيرة انهار أمام إسرائيل سابقاً، فبماذا ستواجه دمشق اليوم، بالبنادق والقنابل اليدوية أم بالحماسة التركية؟ دول الإقليم والغرب زودت سوريا بخريطة طريق، وهي تعي جيداً مغبة الحياد عنها".

 

بدوره يرى العميد المتقاعد ريمون عبدالسلام أن "دمشق لن تسمح بأن تكون أراضيها ساحة لمقايضات إقليمية تهدد أمن إسرائيل إلا ضمن توافقات هي خارجها أساساً، وهنا أعني المقاصد التركية تحديداً، سوريا تريد تسهيلات اقتصادية وقروضاً ومنحات لا حروباً، وكذلك تبحث عن شرعية سياسية، وهذه الشرعية تقتضي أولاً إبقاء إيران بعيدة جداً. وكذلك تسعى دمشق من خلال تل أبيب نفسها إلى فك العزلة أكثر والاعتراف الدولي في مقابل تقديم المطلوب منها، على رغم أن إسرائيل ليست صاحبة القرار الأكبر في الملف، لكنها اللاعب الرئيس في التفصيلات الإقليمية، وعبر علاقاتها المتشعبة من أميركا إلى الخليج، وهذا يعني أن دمشق فعلياً ترغب وتريد دوراً وظيفياً لإسرائيل من خلف الستار في مقابل حلول ودعم في أماكن أخرى".

دمشق تصغي باهتمام

فيما يرى محللون آخرون أن "سلطات دمشق لا يمكنها التنازل عن الجولان، بل هي مطالبة باستمرار بالتصريح الرمزي حوله، لضمان إرضاء الشعب ضمن موقف سيادي لا مفاعيل له، لذا يمكن اللجوء لاحقاً لترتيبات وقنوات أمنية ودبلوماسية تضمن التفاوض على نقاط إسرائيل الجديدة داخل سوريا من دون صدام مسلح أو تصعيد سياسي، وذلك يكون تكتيكاً مرحلياً حتى تتغير الأحوال بظروف ومواقيت معينة".

لا تبدو سوريا بطبيعة الحال وحيدة في اتخاذ قرارها، إذ إنها تستمع لكثير من النصائح الخارجية، أحد الدبلوماسيين الفرنسيين أكد لـ"اندبندنت عربية" أن دمشق تستمع جيداً لفرنسا وبريطانيا وأميركا وروسيا وقبرص ودول أخرى، لكن بعض التعقيدات تأتي من جانب الطرف التركي الذي يملك نفوذاً وتأثيراً واسعين للغاية على سلطة دمشق، ويعود ذلك التأثير لجوهر الصراع التركي - الإسرائيلي على تقاسم النفوذ داخل سوريا، وليس خافياً أن إسرائيل في الفترات الماضية قصفت قواعد في وسط سوريا وغربها كانت تجهزها تركيا للاستخدام لاحقاً، بينما نجت موسكو بقواعدها الساحلية من صراع القوى ذلك.

لماذا لم يوقع الاتفاق الأمني؟

ذلك لا يعني أن دمشق ستحقق المكاسب التكتيكية والاستراتيجية التي تريدها من تل أبيب، فبعد اللقاءات التي جمعت الطرفين في أذربيجان ودول أخرى وتدخل وسطاء عدة على خط المفاوضات خلال أشهر الصيف الماضي، كان متوقعاً وبحسب ما رشح معظم الخبراء ووسائل الإعلام أن يجري توقيع اتفاق من النوع الأمني بين البلدين خلال زيارة الشرع إلى الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكن ذلك لم يحصل عملياً وذلك لأسباب عدة.

كان ينظر إلى التوقيع كتحصيل حاصل، لكنه فعلياً لم يحصل ربما لأن دمشق رفعت سقف مطالبها، وفق الخبير الأمني سالم محسن، إذ قال "قد يكون الأمر مرتبطاً بالمنطقة العازلة نفسها ومدى اتساعها وتأثيرها في سيادية القرار السوري، فيصير جنوب سوريا منطقة وصاية إسرائيلية تامة. وقد يكون الأمر مرهوناً بضغوطات تركية أو روسية أو تهديدات إيرانية حتى، كما أننا لم نحظ بتعهد أن إسرائيل ستوقف ضرباتها الجوية".

ويتابع "دمشق تريد السلام في مقابل الهدوء والإعمار وحسن الجوار وهذا لا شك فيه، ولكنها أمام معضلة شعبية، فكيف ستقدم إسرائيل لجمهورها كصديق بعد عقود القطيعة بكل ما مر فيها من عداء، الثمن هنا كبير، والتأجيل ربما يتعلق بالشرعية الداخلية، وعلينا ألا ننسى أن إسرائيل ربما هي التي لم توافق أساساً على التوقيع، انطلاقاً من مبدأ القوة المفرطة، إلى جانب السيطرة على الجولان وجبل الشيخ وبعض القنيطرة، ونظرتها للشرع كرئيس موقت بلا برلمان حينها، مما يعني عدم امتلاك السلطة القانونية - التشريعية لتمثيل سوريا في معاهدات دولية ملزمة. فاتفاق كهذا يمكن أن تسقطه أية سلطة قادمة، أو حتى من قوى الداخل نفسها، وهي لا تريد مجرد اتفاق رمزي فقط ما دام أنها تمتلك القوة لتفرض ما تريده وضمناً المنطقة العازلة الجنوبية نفسها. أما عن دمشق فهي تريد الأمان من إسرائيل وألا تتناصبا العداء، لتتمكن السلطة الحالية من تثبيت حضورها بين جمهورها بعيداً من المشكلات الوجودية الكبرى التي قد تطيح بها".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات