Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"فيديوهات القتل" ملاذ مؤلم للبحث عن مفقودي الفاشر

تعرف بعضهم بالفعل إلى أبناء وآباء وأزواج أثناء مطالعتهم مقاطع صادمة

لجوء أهالي مفقودي الفاشر إلى فيديوهات التصفيات الجماعية زاد من مأسوية المشهد (أ ف ب)

ملخص

يشير الناشط في المجال الإنساني زاهر أبو حاج إلى أن هناك فعلاً من تعرف إلى أقربائه عبر مقاطع فيديوهات الإعدام، ومنهم من شاهد والده يتم استجوابه على عجل قبل أن تتم تصفيته بصورة جزافية، وشخص آخر تعرف إلى عمه من بين مجموعة من المدنيين كانوا يجهزون لمراسم الإعدام الميداني خارج أسوار مدينة الفاشر وهو يهم بالمغادرة مع آخرين.

تركناهم خلفنا عندما فتحت علينا النيران فجأة في منتصف رحلة الفرار من الفاشر، تشتتنا في كل الاتجاهات ونحن نركض هرباً من مطاردة الرصاص، لكننا لم نقابلهم مرة أخرى حيث بر الأمان في طويلة، وخلال أيام معدودة بدأنا نتصفح فيديوهات وكليبات الموت والقتل وتصفيات الفارين بدم بارد، إذ بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، أدركنا وقتها أن القدر وحده هو الذي أفلتنا وحال بيننا وبين الموت، فقد قتل من تم اصطياده وتركت جثته تتحلل على قارعة الطريق من دون إشارة إلى مصيره أو دليل على هويته.

ما سبق جاء على لسان ناجين من أهل الفاشر وصلوا إلى معسكر طويلة، حيث كانت عناصر "الدعم السريع" تطاردهم على الطريق وكأنهم قطيع من الصيد البري، في مشاهد توحي وكأنهم يختبرون قدراتهم في القنص من مسافات بعيدة، ثم يضيفون في تباه كبير كل ضحية تسقط إلى رصيد كل منهم من عدد الأرواح التي حصدها.

هل توقف القتل؟

مع كثافة الضغوط والإدانات العالمية والأممية والإقليمية المستهجنة لتلك الفظاعات والأعمال البربرية الوحشية، توقف ظهور أي فيديوهات جديدة لعمليات القتل والتصفيات مثل التي كان يبثها عناصر "الدعم السريع" أنفسهم وهم يقومون بملاحقة الفارين ومطاردتهم واصطيادهم مثل الطرائد، لكن هل يعني ذلك أن القتل قد توقف؟

على رغم بشاعتها وصدمتها وقسوتها الشديدة على نفوس النازحين غير أن الناجين من مجازر الفاشر وأهالي المفقودين لم يجدوا بداً من متابعة فيديوهات الإعدامات والتصفيات الميدانية وتفحصها بحثاً عن وجوه أحبائهم وأقاربهم وذويهم، وقد تعرف بعضهم بالفعل إلى أبناء وآباء وأزواج وسط مشاهد الفيديوهات الصادمة التي تحدث عن عنف غير مألوف.

شاهدت مقتله

بذاكرة تختزن كل الدم والدموع وجرح الوجدان الغائر، تقول إحدى المسنات الناجيات إنها شاهدت في أحد الفيديوهات عقب وصولها إلى معسكر كساب بمنطقة طويلة، زوج ابنتها وهو موقوف ضمن صفوف الموت قبل أن يتم قتلهم وإطلاق النيران عليهم في أحد السواتر الترابية خارج الفاشر.

تضيف المسنة وهي يعتصرها الأسى وتحاصرها الدموع، "لقد عرفته إنه زوج بنتي، شاهدته وهو يتم قتله بصورة فظيعة ومعه آخرون"، يزيد من مأسوية المشهد وقوف أرملة ابنها الغارقة في نوبة من البكاء والعبرات إلى جانبها وهي تحتضن إحدى صغيراتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يقتصر الأمر على النازحين في معسكرات طويلة وحسب بل إن كثيراً من أهل دارفور أقبلوا على تصفح مقاطع التصفيات والإعدامات الميدانية التي قام بها عناصر من قوات "الدعم السريع" داخل الفاشر وخارجها، لا سيما تلك التي تظهر فيها وجوه وملامح الضحايا وهم أحياء قبل تصفيتهم، ليس بدافع الفرجة أو الفضول، بل في محاولة يائسة للتعرف إلى مصير ذويهم المفقودين.

ويشير ناشطون إلى أن الاستهداف كان مركزاً بصورة واضحة على القبائل ذات الأصول غير العربية، على رأسها قبيلتا الزغاوة والفور، تماماً مثلما حدث لقبيلة المساليت في غرب دارفور، حيث ظهر أحد عناصر "الدعم السريع" في مقطع فيديو وهو يوبخ واحداً من ضحاياه قبل أن يرديه قتيلاً، بأنه لولا أنتم يا قبيلة (الزغاوة) لكانت الفاشر قد سقطت منذ عام مضى.

قلق متزايد

تزايد قلق النازحين على أفراد عائلاتهم الذين بقوا في المدينة أو لم يتمكنوا من مغادرتها، ففي ظل انقطاع الاتصالات، بات من الصعب معرفة مصير عشرات الآلاف ممن يعتبرونهم ممنوعين من مغادرة المدينة، حيث يشير المجلس النرويجي للاجئين إلى أنه في حين تمكن عشرات الآلاف من الفرار إلى مناطق مجاورة، لكن قلة منهم وصلت إلى أماكن آمنة، بينما لا يزال أكثر من 100 ألف شخص محاصرين داخلها.

وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد وصفت الوضع الإنساني في الفاشر ومناطق أخرى من السودان بأنه كارثي، مناشدة قادة العالم التحرك لإنهاء القتل العشوائي في البلاد.

 

في السياق يشير الناشط في المجال الإنساني زاهر أبو حاج إلى أن هناك فعلاً من تعرف إلى أقربائه عبر مقاطع فيديوهات الإعدام، ومنهم من شاهد والده يتم استجوابه على عجل قبل أن تتم تصفيته بصورة جزافية، وشخص آخر تعرف إلى عمه من بين مجموعة من المدنيين كانوا يجهزون لمراسم الإعدام الميداني خارج أسوار مدينة الفاشر وهو يهم بالمغادرة مع آخرين.

المثير حقاً وفق أبو حاج، هو أن تصوير الضحايا يتم إما بواسطة القتلة أنفسهم أو بطلب ذلك من زملاء آخرين لهم، وعملية التصوير نفسها تتم بصورة منسقة منذ عملية رصهم وهم أحياء قبل أن يتم التهكم عليهم وإذلالهم بإجبارهم على تمجيد القاتل وقبيلته قبل إطلاق النار عليهم وحتى تجسيد ارتدادات آثار الرصاص وهو يخترق أجسادهم المنهكة.

تصوير من قرب

ولما كان التصوير يتم من مسافة قريبة لذلك بدت كثير من وجوه الضحايا واضحة بدرجة تكفي لأن يتعرف إليها أهلهم وذووهم بسهولة، لكن أبو حاج يعتقد أن هذا الأمر كان له وقع قاس جداً على أهالي الضحايا، إذ من الصعب تخيل شعور أحدهم وهو يشاهد صديقاً أو قريباً أو جاراً له في آخر مشاهد حياته وهو يجبر على الوقوف في طابور الموت.

يلاحظ ناشط آخر، تحفظ عن ذكر اسمه، توقف ظهور فيديوهات جديدة، لكنه يقول إنه ربما تم ذلك بتوجيهات صارمة من قادة "الدعم السريع"، إلا أن ذلك لا يعني أن عمليات القتل والتصفيات قد توقفت، منوهاً إلى تزامن ذلك مع محاولات واضحة من قبل القوات لقيادة حملة إعلامية لتحسين صورتها، وعكس واقع مغاير لما يدور في الفاشر بتصوير أن المدينة تتعافى بنشر مقاطع لوصول قوافل للإغاثة وتوزيع المساعدات الإنسانية، متجاوزة كل شلالات الدم والمقابر الجماعية لمن تم قتلهم بدم بارد من المدنيين لمجرد انتمائهم العرقي.

بحث مستمر

من جهتها تشير المنسقية العامة للنازحين بدارفور إلى أن هناك من لا يزال يبحث عن أقربائه وأسرهم حتى في مقاطع الفيديو التي تتضمن استجوابات وإطلاق رصاص وتصفيات، وهناك من نجح في التواصل مع أسرته داخل المدينة بعد اعتقاله والإفراج عنه لاحقاً.

وأوضح المتحدث باسم المنسقية آدم رجال أن المنسقية تعمل على التواصل مع بعض أسر الفارين ممن وصلوا إلى طويلة وتنسق مع مسؤولي المعسكر في شأن المفقودين عبر منصات غرف الطوارئ بمنطقة طويلة ضمن مساعي لم شمل الأسر التي افترقت وتقطعت السبل ببعض أفرادها.

يشير رجال إلى أن "هناك أطفالاً تائهين، بعضهم أحضرتهم المنظمات من منطقة (كاس) وهم الآن موجودون ضمن الضحايا ونحاول إلحاقهم بأهلهم، وهناك أطفال فروا من دون أسرهم إلى نيالا وأحضرتهم المنظمات ونعمل على إلحاقهم بأسرهم في منطقة طويلة".

احتجاز ومصادرة

بدروها قالت شبكة أطباء السودان، إن قوات "الدعم السريع" لا تزال تحتجز آلاف المدنيين داخل مدينة الفاشر وتمنعهم من المغادرة، وذلك بعدما صادرت وسائل النقل التي كانت تستخدم في إجلاء النازحين، وأعادت بعض الفارين إلى داخل المدينة "منهم مصابون بالرصاص وآخرون يعانون سوء التغذية".

وطالبت الشبكة بإطلاق سراح المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة والسماح للمنظمات الإنسانية بدفن الجثث المنتشرة في الشوارع.

 

بدوره كشف القيادي الأهلي، المقرر العام للجنة الشعبية العليا لقبيلة المساليت بالسودان، هشام نورين أن الأوضاع الإنسانية للفارين من الفاشر والمناطق والقرى المحيطة بها مأسوية بصورة صادمة لا يمكن تصورها.

أوضح نورين أن المواطنين الفارين يتعرضون للعذاب والإذلال والاغتصاب والقتل الممنهج على أساس عرقي لمكونات الزغاوة والفور والمساليت والمكونات غير العربية الأخرى بالتركيز على شريحة الشباب بصفة خاصة.

رهائن وانتهاكات

لفت القيادي الأهلي إلى أن المواطنين في دار الأرقم وأبو شوك وطرة وقرى خيربان، شمال الفاشر، إلى جانب قرى غرب المدينة وجبل (وانا) شمال غربي المدينة على طريق كتم، جميعهم في عداد الرهائن، ويتعرضون لشتى أنواع الانتهاكات، بينما تعيش النساء والفتيات في حالات صدمة مميتة، بينما انفصل الأطفال عن أسرهم.

دعا نورين اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بوصفها الجهة الوحيدة التي يمكن لها الوصول لتلك المناطق إلى جانب مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، إلى بذل كل الجهود للحيلولة دون استمرار المجازر والانتهاكات وقتل المدنيين وعدم ملاحقة الفارين من الحرب وتصفيتهم، وضمان سلامة الرهائن والأسرى والإفراج عنهم عاجلاً.

شواهد الحرق

كانت تقارير حديثة لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأميركية أكدت، اعتماداً على تحليل صور الأقمار الاصطناعية، أن قوات "الدعم السريع" أغلقت بالآليات الثقيلة الطريق الحيوي الوحيد الذي كان يستخدمه المدنيون للهرب من الفاشر باتجاه منطقة قارني، مما يعني إحكام الحصار على آلاف المحتجزين داخل المدينة.

أشار تقرير ييل إلى احتمال أن تكون غالبية المدنيين في الفاشر قتلى أو محتجزين أو مختبئين، بعد سقوط المدينة، لافتاً إلى رصد أنشطة وشواهد لحرق الجثث في أكثر من موقع وبخاصة في محيط المستشفى السعودي.

من جهتها كشفت رئيسة منظمة حواء، عبلة مهدي، عن تعرض أكثر من 25 امرأة للاغتصاب الجماعي على يد عناصر من "الدعم السريع" عندما اقتحموا مركزاً للنازحين قرب جامعة الفاشر، إلى جانب احتجازهم لعشرات النساء في موقعين في الأقل داخل المدينة، تعرضن للتعذيب والاستغلال الجنسي مع من شملتهن عمليات الإعدام الميدانية الجماعية وسط المدنيين.

وصف الناشط الحقوقي عبدالمنعم سعيد ما حدث في مدينتي الفاشر وبارا، بأنه "جرائم ممتدة لا تنتهي بمجرد ارتكاب الجرم"، إذ يعتبرها القانون الدولي الإنساني واتفاقات جنيف ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، وتشمل القتل الجماعي والتعذيب والحرمان من المساعدات والتدمير المتعمد للأعيان المدنية.

أشار سعيد إلى أن تقارير ميدانية كثيرة وثقت أيضاً محاولات "الدعم السريع" لطمس الأدلة بجمع جثث الضحايا من الأسرى والمدنيين الذين تمت تصفيتهم بدم بارد، وحرقها ودفن بعضها في مقابر جماعية.

لفت الناشط الحقوقي إلى أن عناصر القوات ارتكبت الجرائم ذاتها في مدينة بارا بشمال كردفان مضافاً إليها مساومة ذوي المختطفين والمحتجزين على حياة أقربائهم، بالمطالبة بدفع فدية مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم أحياء، بينما حرم من تبقوا في معسكرات النزوح من العودة إلى منازلهم، ويعيشون في ظروف إنسانية وصحية بالغة السوء، مع استمرار الانتهاكات اليومية في حقهم.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير