ملخص
الحرب لم تُعد رسم الجغرافيا فحسب، فبين خريطة تتسع فيها مناطق الرعب، وأخرى تبحث عن سلام هش، يقف السودان على مفترق حاسم، إما أن يستعيد توازنه كدولة واحدة، أو يتشظى إلى أرخبيل من الكيانات شبه العسكرية.
في مايو (أيار) الماضي، نشر الجيش السوداني خريطة محدثة لمناطق سيطرته، أعلن فيها استعادة كامل ولاية الخرطوم بمدنها الثلاث، الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، بعد معارك عنيفة انتهت بإخراج قوات "الدعم السريع" من معقلها الأخير في منطقة الصالحة، وبدا الجيش حريصاً على إظهار الخريطة بوصفها دليلاً على استعادة زمام المبادرة، بعدما كانت العاصمة رمزاً لسقوط هيبة الدولة منذ اندلاع الحرب. غير أن الخرائط لا تقول الحقيقة كاملة، إذ تُظهر في طياتها جغرافيا متبدلة للرعب، ومساحات تتأرجح بين سلطة القانون وسلطة السلاح. فالسيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة عودة الأمان، كذلك فإن الانسحابات لا تعني نهاية الخطر، بل يمكن أن يعاد تشكيله في مناطق أخرى، وهو ما حدث لاحقاً في الفاشر.
أوضحت تلك الخريطة تقلص نفوذ "الدعم السريع" إلى أربع ولايات في دارفور وغرب كردفان، بعد أن كانت تمتد على العاصمة وأجزاء واسعة من وسط البلاد، لكنها أيضاً تكشف هشاشة الحدود الأمنية في جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث تتقاطع خطوط التماس بين الجيش وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أطياف الحروب الأهلية السابقة، ويثير تساؤلات حول وحدة القرار العسكري والسياسي في البلاد. كان الجيش قد استعاد ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وسنار، غير أن ما تبقى من الصراع انتقل إلى مستويات أكثر تعقيداً، حيث تتداخل فيها خريطة النفوذ مع خريطة الولاءات القبلية والمصالح الاقتصادية.
تتبدى ملامح الحرب السودانية اليوم في خريطتها الجغرافية كمرآة دامية تكشف ليس فقط خطوط التماس العسكرية، بل خرائط متشابكة من الرعب والنزوح وانهيار العمران البشري، في الغرب، تمثل دارفور المشهد الأكثر قسوة، حيث يتقاطع تاريخ طويل من النزاعات الأهلية مع حاضر لا يقل دموية. أما العاصمة الخرطوم، فقد غدت خطوط تماس حضرية، تفصل بين جيوب صغيرة من الأمن النسبي وبؤر للاشتباك المتكرر.
في المقابل، يبدو الشمال والشرق وكأنهما ينعمان باستقرار موقت، يخفي وراءه قلقاً متصاعداً وهشاشة كامنة. هذه التفاوتات لا تعبر فقط عن اختلاف في درجات الأمان، بل عن انقسام عميق، من يحتكر السلاح، ومن يحتكر الطمأنينة، فالحرب لم تُعد رسم الجغرافيا فحسب، فبين خريطة تتسع فيها مناطق الرعب، وأخرى تبحث عن سلام هش، يقف السودان على مفترق حاسم، إما أن يستعيد توازنه كدولة واحدة، أو يتشظى إلى أرخبيل من الكيانات شبه العسكرية.
حزام جغرافي
يأتي إعلان سيطرة قوات "الدعم السريع" على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في الـ26 من أكتوبر، نقطة انعطاف استراتيجية في مسار الحرب السودانية، ليس فقط لأنها كانت آخر معقل كبير للقوات المسلحة في الإقليم، بل لأنها أعادت رسم الخريطة الميدانية والسياسية لدارفور وما بعدها، فبعد حصار استمر لأكثر من 18 شهراً، نجحت "الدعم السريع" في تفكيك دفاعات المدينة، وقطع خطوط الإمداد التي كانت تربطها بولايات الوسط، ما مهد لسقوطها الكامل بعد معارك ضارية وانسحابات متسارعة من جانب الجيش.
تظهر خريطة السيطرة الجديدة ملامح تغير عميق في موازين القوة. فقد سيطرت "الدعم السريع" على مقر قيادة الفرقة السادسة مشاة، الذي كان القلب العسكري لوجود الجيش في شمال دارفور، ما شكل ضربة قاصمة لرمزية السلطة المركزية في الإقليم، كذلك أحكمت قبضتها على القصر (منزل الحاكم) ومقار الشرطة المحلية والإدارات الحكومية، في خطوة ترمز إلى نقل مركز القرار السياسي والإداري إلى يدها. وامتدت السيطرة إلى الأحياء الواقعة على تخوم المدينة والريف الشرقي والجنوبي، حيث أفادت تقارير ميدانية بعمليات "تطهير إثني" وإغلاق منافذ الخروج، مما فرض طوقاً أمنياً خانقاً حول المدنيين.
وأفادت تقارير الأمم المتحدة بسيطرة "الدعم السريع" كذلك على المستشفى المركزي والمستشفى السعودي، اللذين تحولا إلى نقاط تمركز عسكري، وسط تقارير عن عمليات قتل وإعدامات ميدانية داخل المرافق الصحية، أما مخيمات النازحين الكبرى مثل أبو شوك وزمزم وطويلة، فقد أصبحت تحت نفوذها أو ضمن نطاق عملياتها، ما أدى إلى موجات نزوح جماعية نحو مناطق أكثر خطراً، وإلى الجنوب الشرقي، تمدد النفوذ نحو بلدة بارا في شمال كردفان، في ما يعد مؤشراً إلى سعي "الدعم السريع" لبناء حزام جغرافي متصل يربط دارفور بوسط السودان.
هذه التطورات غيرت المشهد برمته. فالسيطرة على الفاشر لا تمثل مجرد نصر ميداني، بل إعلاناً عن مرحلة جديدة من الحرب، تُختبر فيها قدرة "الدعم السريع" على إدارة مناطق واسعة في ظل فراغ مؤسساتي وأمني متفاقم، وفي المقابل، تراجع الجيش إلى مواقع معزولة، فاقداً عمقه الاستراتيجي وقدرته على إعادة الانتشار غرب البلاد، ومع تزايد التحذيرات الأممية من وقوع "فظائع ذات دوافع إثنية"، باتت دارفور تواجه واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، حيث يتقاطع التطور العسكري مع انهيار إنساني شامل، وتلوح في الأفق ملامح إعادة تشكل الدولة السودانية على أسس قسرية ومضطربة.
حياد مرهق
تحولت المناطق الواقعة تحت القصف المباشر، من الخرطوم إلى الفاشر ونيالا ومدن دارفور الشمالية، إلى فضاءات للفقد المستمر، بسبب حضور السلاح، في هذه المناطق، لا تقاس الخسائر بعدد القتلى وحدهم، بل بتفتت البنية الاجتماعية، وتلاشي الإحساس بالثقة، وانهيار النسيج الاجتماعي الذي كان يربط الناس، في المقابل، فإن بعض المناطق النائية في شرق السودان أو أقصى الشمال، التي ظلت بعيدة نسبياً من خط النار، تعيش ما يشبه "الحياد المرهق"، إذ تستقبل موجات النازحين وتتحمل أعباء التضخم، لكنها لا تزال تمتلك قدراً هشاً من الاستقرار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الوسط السوداني، الممتد من الجزيرة إلى سنار، فقد صار منطقة توتر كامنة، يعيش فيها الناس بين قلق الحرب المقبلة وشعور زائف بالأمان الموقت. وهكذا، ترسم الحرب خريطة جديدة للبلاد، لا على الورق العسكري فحسب، بل في مخيلة الناس، وهي خريطة تقسم السودان إلى فضاءات منكوبة، وأخرى تعاني جراء واقع النزوح، وثالثة لا تزال تترقب دورها في الدمار المقبل.
وإذا كانت الخرائط العسكرية تبين مواقع السيطرة والاشتباك، فإن الخرائط النفسية ترسم تضاريس الخوف والإرهاق الجماعي. في المدن التي تقصفها الطائرات وتنهشها المعارك الأرضية، يتغلغل الرعب إلى عمق الوعي الجمعي، فترتفع احتمالات العنف المفضي إلى الموت، في الفاشر، وكل المناطق التي تقع على تخوم الحرب، فالأمان ليس سوى هدنة مع المجهول، الناس يعيشون على وقع الإشاعات، ويديرون حياتهم وفق خريطة نفسية متغيرة بين الفزع والرجاء. وفي مناطق أكثر استقراراً، بدأت تظهر ظاهرة الرفض الاجتماعي للعنف، ليس عبر تظاهرات أو بيانات، بل من خلال انكماش المجتمع على ذاته، خوفاً من انتقال النزاع إليه.
خزانات كامنة
تواجه الحرب السودانية في مرحلتها الراهنة لحظة حاسمة يتقاطع فيها التموضع العسكري بالانهيار النفسي، فالنكبات المتتالية التي أصابت الجيش في الفاشر ونيالا والخرطوم، لم تعد مجرد خسائر ميدانية، بل مؤشرات على تآكل بنيته التنظيمية، واهتزاز صورته كحارس للدولة، ومع كل تراجع، تتعمق الفجوة داخل المؤسسة العسكرية، ويزداد نفوذ الأصوات المتشددة التي ترى في التصعيد الميداني خلاصاً، بينما هو في الحقيقة مسار لتبديد ما تبقى من قدرة الجيش المادية والبشرية.
تاريخ تفريغ المؤسسة العسكرية منذ انقلاب عمر البشير على حكومة الصادق المهدي المنتخبة، عبر الإقصاء الممنهج للضباط الأكفاء وإحالة آلاف منهم إلى "الصالح العام"، بل وإعدام بعضهم من دون محاكمة، جعل الجيش يدخل حرب الجنوب ثم حرب دارفور وهو مثقل بالشكوك الداخلية أكثر من استعداده للمواجهة مع الحركات المسلحة. ومن رحم ذلك الضعف نشأت قوات "الدفاع الشعبي" من شباب "الإخوان المسلمين"، التي استخدمها الجيش في الحرب الأهلية في جنوب السودان، بينما نشأت قوات "الجنجويد" التي ولدت لتسد عجز الدولة في دارفور، ثم تحولت إلى كيان "الدعم السريع" ينازعها السيادة، فصار الجيش يقاتل خصماً صنعته يداه.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في توازن القوى الراهن بقدر ما يتجسد في خطوط التمدد المحتملة للنزاع، فمناطق جبال النوبة والنيل الأزرق، بحساسيتها التاريخية وهشاشة بنيتها الاجتماعية، تبدو الآن كخزانات كامنة للغضب والانتقام. كل منطقة فيها تختزن ذاكرة جراح لم تلتئم منذ حروب التسعينيات، وكل قبيلة أو فصيل يحتفظ بسلاحه الذي قد يكون أقرب مما يتصور الجميع. ومع انهيار الانضباط في سلاسل القيادة، يمكن لأي فراغ أمني أن يتحول إلى بركان محلي، تغذيه الحسابات القديمة وروح التنافس على الموارد والهوية.
وهكذا، فإن الانسحاب غير المنظم أو التموضع الخاطئ للقوات قد يطلق سلسلة تفاعلات تشبه دومينو الصراع الأهلي، إذ يتحول النزاع من مواجهة بين جيش وحركات مسلحة إلى حروب مجتمعية صغيرة لا مركز لها ولا نهاية واضحة.
في هذه الخرائط القاسية، يعيش المدنيون بين خطوط النار كمن يسير فوق جسر زجاجي متصدع، لا ملاذ لهم سوى انتظار معجزة توقف الانهيار، في قرى النيل الأزرق مثلاً، تعيش الأسر على صوت الطائرات الذي يوقظ فيهم ذاكرة قصف قديم، بينما في جبال النوبة يخفي الناس أبناءهم في كهوف الجبال عند كل إشاعة عن تحرك عسكري. الحرب هنا لم تعد تدار بالسلاح فقط، بل بذاكرة الخوف.
سيناريوهات محتملة
يمكن استشراف المشهد المقبل عبر عدستين متوازيتين، هما، أفق القدرة العسكرية الملموسة، وعمق التماسك الاجتماعي والسياسي الذي يحدد إمكانية إدارة أي مكاسب ميدانية أو خسارتها، فقد منحت السيطرة الجديدة قوات "الدعم السريع" امتداداً إقليمياً ومصدراً رمزياً لاستقلاليتها، لكنها قوبلت باختبارات جوهرية، هل تستطيع تحويل هذه السيطرة إلى إدارة محلية مستدامة في ظل فراغ مؤسساتي وندرة الخدمات الأساسية؟ أم ستواجه مقاومة محلية تتبلور في حركات مضادة أو انتفاضات قبلية ومجتمعية تقوض أي محاولات لاكتساب الشرعية؟
تفرز تقاطعات هذه الحقائق ثلاثة مسارات محتملة، الأول، تقاسم واقع السلطة الذي يمكن أن يقود إلى استقرار مناطقي مشروط، والثاني، استمرار نزاع مشتعل يمتد بصيغ مناطقية وقبلية، أما الثالث، انزلاق نحو تفكك إقليمي يعزل أجزاء من الدولة عن مركزها.
وبناء على هذا، يبرز السيناريو الأرجح خلال الأشهر المقبلة، متكئاً على منطق تجزئة الميدان حيث تحاول قوات "الدعم السريع" تثبيت مكاسبها في الفاشر وما حولها، بينما تحاول قوات الجيش استعادة مواقع ثانوية، مع تفجر بؤر احتكاك وجبهات جديدة في كردفان.
أما السيناريو الثاني، الذي يحتاج إلى مدى أطول، فهو إمكانية تثبيت نفوذ إقليمي بتكوين أشكال حكم محلي قسري، حيث تدير "الدعم السريع" مناطق السيطرة عبر شبكات محلية وموارد محدودة، بينما يضعف دور الدولة المركزية أكثر. يتحقق هذا السيناريو في حال عجز الجيش عن إمكانية استعادة مركزية جزئية، وإذا لم ينجح تحالفه مع "القوات المشتركة" في إعادة التوازن.
يُشار إلى أن الجيش، حتى الآن، على عكس "الدعم السريع" لم يبادر إلى إطلاق حزمة إنسانية، حقيقية أو دعائية، لترافق آليات التفاوض الإقليمية. الترفع عن مثل هذه المبادرات، يمكن أن يحول خرائط السيطرة إلى خرائط جروح عاطفية واجتماعية تصعب معالجتها لاحقاً.
أما السيناريو الثالث، فهو حدوث تفكك مستدام إذا توالت الانقسامات الداخلية لدى الجيش، و"الدعم السريع"، أو في حال ارتبط كل منهما بحركات مسلحة محلية، خصوصاً في ظل تدفق السلاح، ما يعني تغيراً مستمراً في خطوط السيطرة العسكرية، وتأثيرها المباشر في الخدمات الحيوية من مستشفيات ومياه ومخيمات النزوح.