ملخص
هل تمثل موجة الاستقالات وطرح سحب الثقة من رئيس المجلس ظاهرة ديمقراطية صحية تعبر عن حيوية الحياة البرلمانية، أم أنها دليل على فشل المنظومة التشريعية في ظل برلمان يُنظر إليه اليوم كهيكل صوري محدود الصلاحيات؟
يعيش مجلس النواب في تونس حراكاً على غير العادة إثر مناقشة ميزانية عام 2026، تمثل في حدوث استقالات لنواب وتهديد آخرين بسحب الثقة من رئيس المجلس على خلفية اتهامه بتحجيم دوره لصالح السلطات التنفيذية الأخرى، وبخاصة رئاسة الحكومة.
هذا الوضع أدى إلى إعادة طرح إشكالية صلاحيات مجلس نواب ما بعد 25 يونيو (حزيران) 2021، إثر حل المجلس القديم من طرف رئيس الجمهورية قيس سعيد. فهل تمثل موجة الاستقالات وطرح سحب الثقة من رئيس المجلس ظاهرة ديمقراطية صحية تعبر عن حيوية الحياة البرلمانية، أم أنها دليل على فشل المنظومة التشريعية في ظل برلمان يُنظر إليه اليوم كهيكل صوري محدود الصلاحيات؟
تراكم الاحتجاج
قدم ممثلا كتلة صوت الجمهورية عبد العزيز الشعباني، ونزار الصديق، استقالتهما من مكتب مجلس النواب يوم الخميس الماضي. وقال النائب عبد العزيز الشعباني، إن "أسباب الاستقالة تعود إلى تكرر اختراق النظام الداخلي للمجلس، وآخرها عدم الأخذ بقرارات المكتب بخصوص تسيير الجلسة العامة الخاصة بمناقشة مشروعي ميزانية الدولة والميزان الاقتصادي لسنة 2026".
وأكد الشعباني تكرار اعتماد ما لم يتم إقراره في المكتب، والانفراد بالرأي غير مرة، مشيراً إلى أن 5 أعضاء آخرين من المكتب ينتمون إلى كتل أخرى قدموا أيضاً استقالاتهم.
وكانت الكتلة أصدرت بياناً أعربت فيه عن مساندتها لهذا القرار، موضحة أن ذلك يأتي نظراً إلى الخرق المتكرر لأحكام النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، وعدم اعتماد مداولات مكتب المجلس عند اتخاذ القرارات، والانفراد بالرأي.
ووفق النظام الداخلي للبرلمان، يتكـون مكتـب المجلـس مـن رئـيس مجلـس نـواب الشـعب رئيسـاً، بالإضافة إلى نائبيـه، وعشـرة نواب مساعدين للرئيس، وبحسب الفصل 42 يتخذ المكتب كل قراراته بأغلبية الحاضرين على ألا تقل عن الثلث، وعند التساوي يكون صوت الرئيس مرجحاً. ويتم نشرها بالموقع الإلكتروني للمجلس في أجل ثلاثة أيام.
وينص الفصل 44 على أن "يعقد مكتب المجلس اجتماعاته بصفة دورية كل يوم خميس، وكلما دعت الحاجة إلى ذلك بدعوة من رئيسه أو من ثلث أعضائه. ولا يصح اجتماعه إلا بحضور ثُلثي أعضائه، وينعقد صحيحاً بعد نصف ساعة على ألا يقل عدد الحضور عن نصف أعضائه، وبحضور رئيسه أو أحد نائبيه".
أما الفصل 32 فينص على أنه "عند حصول شغور في منصب أحد النواب المساعدين للرئيس، ما عدا نائبه، يتولى مكتب المجلس الذي يجتمع وجوباً لهذا الغرض معاينة الشغور وإعداد تقرير في شأنه يُعرض على الجلسة العامة التي تلي المُعاينة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في هذا الصدد يقول الصحافي المتخصص في الشأن البرلماني سرحان شيخاوي، في تصريح خاص إن "الاستقالات مسألة منتظرة نظراً إلى العدد الكبير من الخروقات الحاصلة في سير أشغال البرلمان، منها عدم الالتزام بالنظام الداخلي وما يسميه النواب بتفرد رئيس البرلمان بالرأي".
ويضيف شيخاوي، أن "تراكم الاحتجاج على تسيير البرلمان يجعل من مسألة الاستقالة من مكتب المجلس طبيعية، بخاصة أن الخلاف مع النواب وصل إلى حده الأقصى".
أما بخصوص سحب الثقة من رئيس المجلس إبراهيم بودربالة، فيقول الشيخاوي إنه "الحد الأقصى للخلاف الحاصل بين النواب ورئيس البرلمان"، موضحاً "إجرائياً المسألة ليست سهلة باعتبار ضرورة تجميع أكثر من نصف النواب لإطاحة رئيسه، وسياسيا لسحب الثقة دلالات رمزية أهمها حال التصدع الحاصلة في المشهد السياسي".
وفي شأن دلالات الحراك الحاصل في البرلمان يقول سرحان شيخاوي، إنه "أحد تمظهرات الصراع بين مكونات السلطة، فأغلب النواب يعتبرون رئيس البرلمان المسؤول الأول عن تراجع دور هذه المؤسسة والتنازل لصالح مكونات السلطة التنفيذية".
انتفاضة متأخرة
حول ما يدور من توقيع عريضة لسحب الثقة من رئيس البرلمان، قالت النائبة سيرين مرابط، إن عريضة سحب الثقة أسلوب ديمقراطي قائم على التقييم، معتبرة أن "شخصنتها فيه تقزيم من شخص رئيس المجلس الذي كان عميداً للمحامين، والاختلاف أو الاتفاق معه يقوم على قاعدة أدائه في المجلس، والعريضة لا تمسّ شخصه ولا تستنقص منه".
وأضافت خلال الجلسة العامة الخاصة بمناقشة ميزانية البرلمان عشية يوم الجمعة 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن "هذا الأسلوب الحضاري والديمقراطي لا يفهمه الجميع، بخاصة من لم يمارس السياسة على قاعدة مبادئ خدمة الدولة وتحسين معيشة الشعب، التي يجب أن تتجلى في تشريع القوانين تحت قبة البرلمان".
لمزيد من معرفة ما يحصل في المشهد البرلماني والسياسي في تونس، يقول الصحافي والمحلل السياسي مراد علالة "من دون مبالغة نحن إزاء انتفاضة لنواب الشعب تعكس محدودية التجربة التشريعية في منظومة حكم 25 يوليو (تموز) وفشلها في الاضطلاع بدورها، والقطع مع نسخ البرلمانات السابقة في الشكل والمضمون، وبلغ الأمر ذروته مع مشروع ميزانية عام 2026".
ويواصل علالة "هذه الانتفاضة المتأخرة تعكس وصول سكان قصر باردو، حيث يوجد مجلس نواب الشعب بالعاصمة تونس، بعد انقضاء أكثر من نصف ولايتهم إلى قناعة بأن الوظيفة التشريعية كما ينص عليها الدستور الجديد تكابد مأزق النجاعة والجدوى، وهي مكبلة ومعطلة من قبل الوظيفة التنفيذية، إلى جانب ضعف الأداء السياسي والتنظيمي لرئاسة البرلمان، التي لم توفق سواء في التعامل مع المبادرات التشريعية للنواب وتثمينها وإعطائها حظها في التمرير وتعزيز صورة النائب ودوره في الداخل والخارج، أو جر الحكومة للتناغم مع رئاسة الجمهورية والسير معها بالسرعة والنسق نفسهما لتحقيق الثورة التشريعية المعلن عنها".
ويعتقد علالة أن "ما غذى هذا الوضع هو طبيعة هذا المجلس وهوية النواب المنتخبين على قاعدة الأفراد والمتنصلين من الانتماء الحزبي والعاملين خارج معادلة الحكم والمعارضة التي هي العمود الفقري للديمقراطية، فجميع النواب في الحكم، وها هم اليوم جميعهم في المعارضة، وذلك أمام حكومة يفترض أن تنفذ السياسة العامة للدولة التي يضبطها رئيس الجمهورية".
ويواصل "يمكن القول إن ثمة وعياً تشكل لدى النواب مع بداية العد العكسي لنهاية ولايتهم بأن حصاد عملهم هو دون المأمول ولا يرتقي إلى طموحات الناخب التونسي، ولا يستجيب لتحديات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة لعموم التونسيين"، وعليه يرى علالة أن "البعض يريد تبرئة الذمة وحفظ ماء الوجه والتنصل من مسؤولية الفشل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ولو بالثورة الداخلية ومحاولة التغيير في القيادة، والبعض الآخر ممن تخامره ربما فكرة الترشح ثانية أو تجديد الولاء والانخراط في مشروع الرئيس يسعى للتمايز والعودة إلى خطاب الثورة".
من جانب آخر يرى المحلل السياسي خليفة شوشان، أن "البرلمان سيتحول مع الوقت وتصاعد الصراع إلى صلب الوظيفة التنفيذية". مضيفاً "قلنا سابقاً للنواب: خوضوا معركتكم وافرضوا استقلاليتكم وتمايزوا من المسار الذي اخترتم خوض المعركة من داخله، وافرضوا إرادتكم وكونوا شركاء بالفعل وفي الفعل، ولا تنتظروا منّة من أحد لإشراككم في أمر انتخبكم الشعب لأجله، ونصحناهم كثيراً: تكلموا حتى يراكم الشعب".