Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جولة جديدة من معركة النقاب ترافق "حياة نرجس" المصرية

وظف النقاب في العمل الفني باعتباره وسيلة ناجحة للتخفي أثناء سرقة الرضع وسجالات حول منافعه دينياً وأضراره اجتماعياً

أدت ريهام عبد الغفور درو نرجس سارقة الأأطفال الرضع في مصر (مواقع التواصل)

ملخص

"نرجس" خطفت الرضع بمساعدة النقاب، والمصريون منقسمون بين غالبية لا ترى فيما حدث دليلاً على سوء النقاب أو مبرراً لحظره، وأقلية تعده أداة من أدوات قهر المرأة ورجعية المجتمع وتديين الدولة. وحين يصل التراشق بالاتهامات بين الفريقين إلى محطة "الحرية الشخصية" ذائعة الصيت، يقول أنصاره إن ارتداء النقاب حرية شخصية مثله مثل البكيني، باعتباره الوجه الآخر والوحيد للنقاب، ويقول معارضوه إن البيكيني لا يسكن إلا أدمغة المتشددين، وأن الحرية الشخصية تبدأ باختيار ما ترتديه النساء، من دون حشر أنوف الجميع في اختياراتهن.

تفجرت معركة النقاب في مصر مجدداً بين قاعدة شعبية تراه نقاءً والتزاماً وطاعة، حتى لو لم تكن ترتديه، وبين أقليات متناثرة يميناً ويساراً تعتبره عادة دخيلة على المصريات، وتشدداً وتطرفاً ورجعية نجحت تيارات في غرسها ونشرها وجني ثمارها، وتزمتاً لا داع له أو طائل منه، لكن هذه المرة من باب "نرجس"، لا من باب حكم محكمة أو قرار إداري أو خناقة في الشارع بين فريق يسمي نفسه "متدينين"، وآخر ينظر إليه باعتبارهم أعداء الدين، لكن يسمون أنفسهم تنويريين.

الفريقان المتناحران بين إصرار على جر مصر إلى حال من الالتزام الديني والصحوة الإيمانية والعودة إلى جذور السلف، ويصفها البعض بـ"العصور الوسطى" من حيث الرجعية والانغلاق والتزمت، وبين جهد جهيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من أوجه البلاد المدنية وعقول وقلوب العباد الوسطية أمام هجمة سلفية بامتياز متشددة باقتدار، لم يجدا كالعادة خيراً من أجساد النساء لشن جولة جديدة من الملاكمة.

الجولة الجديدة تفجرت على وقع مسلسل "حكاية نرجس" الرمضاني الذي تقوم ببطولته الفنانة ريهام عبدالغفور، وتؤدي فيه دور امرأة بسيطة في منطقة شعبية حرمت من الإنجاب، فتلجأ إلى خطف الرضع وتدعي أنها أنجبتهم، ثم تنتظم في تجارة خطف رضع وبيعهم.

مظهر "نرجس" منذ بداية الحلقات يتطابق وما أضحت عليه نساء وفتيات مصر، لا سيما في المناطق الشعبية، حيث ترتدي الخمار الطويل بلا ملامح أو معالم، وبألوان كتلك التي باتت طاغية في العقود القليلة الأخيرة: أسود وبني وأزرق وأحمر قاني، بلا رسوم أو ورود أو مظاهر حياة.

خمار "نرجس" لم يدهش المشاهدين. بدا طبيعياً تماماً في ضوء "كود الأزياء الشعبي"، ونتيجة متوقعة لسنوات "الصحوة" التي بدأت في أواخر السبعينيات ونقلت الشارع المصري من حال إلى حال، ومعه الدراما التي تعد انعكاساً للواقع.

الظهور الخجول للحجاب في الدراما مر بمراحل عدة، بدأت بإنكار الواقع وإصرار على صورة مغايرة للتغيرات الحادثة في الشارع، التي جعلت غير المحجبات أقلية، حيث ظلت الإطلالات النسائية بلا حجاب لسنوات طويلة قبل أن يتنبه، أو ربما يسلم القائمون على أمر الدراما بأن فجوة عميقة باتت تفصل بين مظهر الأنثى المصرية على الشاشة من جهة، وفي الشارع من جهة أخرى.

ومن ظهور مقتضب لممثلات يرتدين حجاباً "لزوم الدور"، لكن في أضيق الحدود، إلى توسع في الظهور شيئاً فشيئاً، أصبحت الطرحة على رؤوس بعض الممثلات في الأعمال الدرامية ضرورة للحبكة الفنية.

زحف متدرج

هذا الزحف المتدرج بعد طول مقاومة وصفه الناقد الفني طارق الشناوي تعليقاً على ظهور عديد من الممثلات مرتديات الحجاب في نسبة كبيرة من مسلسلات رمضان عام 2021، بـ"نقل الواقع الذي يراه الناس في الشارع، وإلا شعر المشاهد بأنه مشوش بسبب عدم نقل شكل الشارع إلى الشاشة. واعتبر تسلل الحجاب إلى الدراما فرضاً للواقع على السياقات الدرامية، الذي أصبح ضرورة، لأن الفن يجب ألا ينعزل عن الواقع الذي يخبرنا أن الغالبية المطلقة من نساء وفتيات مصر أصبحن محجبات".

"نرجس" بخمارها، وقبلها "حنان" بحاجبيها (الفنانة منى زكي في مسلسل "تحت الوصاية" التي انتقدت لترسيخها الصورة النمطية لمظهر المحجبة باعتبارها مهمة المظهر مشعثة الحاجبين)، ومعها "أم جهاد" بعصابة الرأس الداعشية السوداء أعلى النقاب (الفنانة إلهام شاهين التي قامت بدور زعيمة الجناح النسائي لتنظيم "داعش" في مسلسل "بطلوع الروح"، وغيرهن من الفنانات، وغيرها من الأدوار، دشنت فصلاً ساخناً من فصول المواجهة بين أنصار "الصحوة" ومناهضي "الرجعية".

خمار ريهام، وما أججه في نفوس قاعدة شعبية بأنه مظهر المرأة المصرية كما ينبغي أن يكون، وما أثاره لدى آخرين اعتبروه تذكرة بالتزمت الذي يعتري الشارع وجهود التطرف التي تبذل للسيطرة على المجتمع المصري، ظل في معظمه حبيس الصدور على مدار الحلقات الأولى، لكن ضاقت الصدور بما يعتريها في الحلقة التاسعة التي تستمر شظاياها الفكرية وألسنة لهب تراشقاتها حتى اللحظة.

فحين أرادت "نرجس" أن تخطف رضيعاً من قسم الحضانات في مستشفى، طلبت من شقيقتها أن تمدها بالزي التي ترتديه الممرضات حتى لا يكتشف أحد أمرها. وفي المشهد الموعود، تظهر "نرجس" وهي ترتدي ملابس التمريض، بدلة زرقاء، ونقاباً أسود. في تلك اللحظة الفارقة، استشعر الجميع الرسالة. فريق مؤيدي "الصحوة" وألتراس النقاب والمدافعين عن الخمار والحجاب على اعتبار ما سبق زي المرأة المسلمة، وكل ما عداه معصية وفتنة، استعد بقوات الدفاع الهجومية. الرسالة واضحة: ممرضة منتقبة يعني شخصاً مجهلاً غير معروف، يمكنه القيام بأي عمل دون محاسبة، بما في ذلك المخالفات والجرائم والأعمال الخارقة للقوانين.

في المقابل، فإن الفريق المضاد انتهز اللحظة الفارقة ذاتها ليعاود هجمته المرتدة على النقاب، واستحضر تحذيراته السابقة، وهجماته الماضية، ومطالباته المجهضة لحظر ارتداء النقاب، لا سيما في الأماكن العامة، خصوصاً في مجالات العمل التي تتطلب تعاملاً وتفاعلاً مع الجمهور، وعلى رأسها التعليم والطب والتمريض.

 

صولات قرارات حظر ارتداء النقاب في المدارس وجولات منعه في المستشفيات طويلة وممتدة. تتأجج حيناً بسبب حادثة أو جريمة، ثم تذهل لحال سبيلها بخفوت أثر الحادثة، أو تتبدد في هواء الملل والاعتياد، ودائماً تستنفر ألتراس النقاب ومن يتصورون إنهم مدافعون عن الدين ضد هجمات أعدائه عبر سب وشتم ووصم مانعي النقاب ومعارضيه.

على سبيل المثال، القرارات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في شأن منع النقاب في المدارس كثيرة، أحدثها صدر عام 2023. صدر قرار وزاري يمنع الطالبات في كل المراحل الدراسية قبل الجامعة من ارتداء النقاب، وحدد ضوابط لارتداء الحجاب، أهمها علم ولي الأمر، وأن تختاره الطالبة "دون إجبار أو ضغط".

واقع الحال يشير إلى استمرار نسبة غير قليلة من الطالبات، وكذلك المعلمات، في ارتداء النقاب، إضافة إلى أن مدارس حكومية عدة تفرض شفاهية ارتداء طرحة على الطالبات طالما غير مسيحيات.

وفي عام 2015، قرر رئيس جامعة القاهرة حينئذ جابر نصار حظر ارتداء النقاب على الممرضات وعضوات هيئة التدريس في كلية طب قصر العيني، والقائماًت على علاج ورعاية المرضى في المستشفيات الجامعية التابعة للجامعة، والوحدات العلاجية التابعة لها. وقال نصار في تصريحات صحافية وقتها إن قرار منع التدريس بالنقاب أسفر عن انحسار انتشار النقاب بين الطالبات. ووصف رفض المحكمة الإدارية العليا دعوى حظر ارتداء النقاب بين أعضاء هيئة التدريس، التي تقدمت بها 82 من عضوات الهيئة، بـ"القرار الرائع" و"مصدر للفخر"، لا سيما أن "النقاب يؤثر سلباً في عملية التواصل التعليمي". وأضاف أن أحكام المحكمة الإدارية العليا، وهي أعلى هيئة قضائية وأحكامها نهائية، تُرسي مبادئ قانونية عامة تلتزمها المحاكم الأخرى، وهو ما يعني أنه يحق للتعليم العالي إصدار قرار بمنع ارتداء النقاب بجميع الجامعات.

يشار إلى أن جميع الجامعات تحفل بأعداد ليست قليلة من المنتقبات من طالبات وموظفات وعاملات وغيرهن. وفي المرات التي باتت قليلة، التي يعترض أو ينتقد أحدهم النقاب، يتعرض لحملات يصفها البعض بـ"الممنهجة والموجهة"، ويراها البعض الآخر "طبيعية ونابعة من حب الدين والدفاع عن المتدينين"، وذلك بغرض إسكاته، ووصم الانتقاد باعتباره كراهية للدين وأحكامه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة أخرى حفلت وزارة الصحة والسكان المصرية في سنوات ما قبل أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 بقرارات متعددة تحظر ارتداء الطواقم الطبية للنقاب أثناء العمل. وعلى رغم انتشار النقاب في عديد من المستشفيات والوحدات الصحية، لا سيما في القرى والمدن الصغيرة والمستشفيات الحكومية والخيرية، فإن حديث حظر النقاب لم يعد يثار، إلا على ألسنة كتاب ومثقفين وأطباء محسوبين على التيار المناهض لتدين "صحوة" السبعينيات بين وقت وآخر.

أستاذ الأمراض الباطنة صلاح الغزالي حرب كتب مقالاً عنوانه "عن سلامة الغذاء وظاهرة النقاب" (2025) جاء فيه أن النقاب ظهر في مصر في عهد الرئيس الراحل السادات، تزامناً مع انتشار فكر جماعات الإسلام السياسي وكذلك النشاط الكثيف لجماعة الإخوان المسلمين. وقال إن للنقاب "آثاراً صحية ونفسية واجتماعية وأمنية كثيرة في المجتمع، وأن ما وصفه بـ"إجبار الفتيات والنساء على ارتدائه يتسبب في الإصابة بمشكلات نفسية واضطرابات سلوكية، إضافة إلى بعض المشكلات في الرؤية وضعف النظر والتهابات العين وعدم القدرة على التنفس بصورة جيدة". وأضاف أنه من الجانبين الاجتماعي والأمني، يفسح النقاب المجال لذوي النيات الإجرامية لتنفيذ جرائمهم متخفين وراء ستار يحول دون التعرف على هويتهم نساءً كانوا أم رجالاً". وأضاف "من المؤسف والمؤلم أن نرى النقاب في المدارس والجامعات، وهو أمر مرفوض بشدة فلا يمكن التواصل والتعارف ونشر الأمن والأمان المجتمعي بالنقاب، إضافة إلى أنه من المرفوض وجوده في المستشفيات والمراكز الطبية، إذ يحول دون التواصل ونشر الأمان والطمأنينة".

مثل هذه الآراء والكتابات تقابل بكثير من الهجوم المتراوح بين مقالات مضادة إما يحاول أصحابها إثبات أن النقاب لا يعوق التواصل أو الاتصال، أو يعوق الأمن أو يهدد الأمان، بل العكس، إضافة إلى أنه يشيع جواً من التقوى والورع والإيمان، أو يشهر كتابها سلاح التكفير وازدراء الدين والوصم بالرغبة في نشر المعصية وإشاعة الزنى وإقامة العلاقات الجنسية المحرمة، على اعتبار أن عدم ارتداء النقاب يؤدي إلى ما سبق.

الجولة الحالية من الملاكمة تتخذ من نقاب "نرجس" نقطة انطلاق لمهاجمة النقاب، ومن ثم الدفاع عنه. ولأن المسلسل يحظى بنسب مشاهدة عالية، فقد بادر أشخاص عاديون إلى التقاط خيط الرسالة: النقاب ييسر القيام بعمليات يعاقب عليها القانون مستغلاً ثلاث حقائق من واقع معايشة المصريين مع ظاهرة انتشار النقاب في السنوات القليلة الماضية.

تساهل ومباركة وإعجاب

الأولى تساهل الإجراءات الأمنية في مسألة التدقيق في هوية المنتقبات، إذ يصعب التحقق من كل موظفة وممرضة ومعلمة وعاملة وطالبة وراكبة مترو أو باص. والثانية أن الخطاب الديني الرسمي يميل إما إلى مباركة انتشار النقاب عبر السكوت عنه، أو تجنب الحديث عنه، وإن اضطر فاللهجة حانية والنبرة متلطفة. ويقف هذا الخطاب اللين الهين على طرف نقيض من شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي مثلاً الذي أثار جدالاً عام 2009 حين غضب لدى رؤية طالبة في المرحة الإعدادية في معهد أزهري ترتدي النقاب، وأجبرها على خلعه. وقال إن النقاب عادة لا عبادة، وإنه لا علاقة بين النقاب والدين، وأصدر قراراً بمنع ارتدائه في الفصول الدراسية والمدن الجامعية الأزهرية، معتبراً إياه نوعاً من التشدد.

أما الحقيقة الثالثة فيه فهي أن الشارع المصري بصورة عامة بات ينظر إلى المنتقبة بإعزاز وتقدير واحترام. وأصبح كثر يضعونها لا إرادياً في مكانة تسبق من ترتدي الخمار، وتليها الحجاب نزولاً إلى أدنى مكانة وهي لغير المحجبات.

وفي مقابل الأصوات المحذرة والمنتقدة للنقاب في ضوء نقاب "نرجس" الممرضة وتيسير عملية خطف الرضع، فإن جيوش الدفاع استنفرت هي الأخرى، واستبقت الهجوم. ويجري حالياً توزيع الوصم بين الفن والفنانين ورسائل عداء الدين والملتزمين، وبين المثقفين و"العلمانيين" (والأخير مرادف للكفر وعدم الإيمان في أذهان المتشددين وبحسب العلم والمعارف التي يتلقونها من مناهل عدة).

 

الطبيب والكاتب خالد منتصر كتب على صفحته على "فيسبوك" عقب بث الحلقة إنه لهذا السبب (دور النقاب في تسهيل القيام بالعمليات والأنشطة غير القانونية) منع رئيس جامعة القاهرة السابق جابر نصار النقاب في مستشفى قصر العيني.

الأصوات الحذرة التي تدق حالياً على نبرة خطورة النقاب الأمنية، بعد ما فعلته "نرجس"، مع الإشارة بين الحين والآخر إلى أن النقاب كزي يقف على طرف نقيض لما كانت عليه نساء مصر من أناقة وحداثة حتى مطلع السبعينيات وما كان عليه المجتمع المصري من انفتاح وتمدن تعرف أن معركتها خاسرة.

المزاج العام حامٍ وضامن ومبارك للنقاب. والخطاب الديني "المستقل" على أثير السوشيال ميديا مروج ومسوق ومؤيد للنقاب. والخطاب الديني الرسمي ساكت سكوتاً يفسره البعض بعلامة الرضا.

"نرجس" خطفت الرضع بمساعدة النقاب، والمصريون منقسمون بين غالبية لا ترى فيما حدث دليلاً على سوء النقاب أو مبرراً لحظره، وأقلية تعده أداة من أدوات قهر المرأة ورجعية المجتمع وتديين الدولة. وحين يصل التراشق بالاتهامات بين الفريقين إلى محطة "الحرية الشخصية" ذائعة الصيت، يقول أنصاره إن ارتداء النقاب حرية شخصية مثله مثل البكيني، باعتباره الوجه الآخر والوحيد للنقاب، ويقول معارضوه إن البيكيني لا يسكن إلا أدمغة المتشددين، وأن الحرية الشخصية تبدأ باختيار ما ترتديه النساء، من دون حشر أنوف الجميع في اختياراتهن.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات