Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بصمة ديك تشيني

كيف أصبح النائب الرئيس الأميركي السابق المهندس العرضي لسلطة ترمب؟

نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني والرئيس جورج دبليو بوش في واشنطن العاصمة، نوفمبر 2007 (رويترز)

ملخص

هوس ديك تشيني بتعزيز السلطة التنفيذية خلال عقود خدمته، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر، رسّخ نموذج الرئاسة المطلقة ومهّد من غير قصد لظهور ترمب، الذي استغل هذا الإرث لتوسيع سلطاته وتحويل الرئاسة الأميركية إلى سلطة تميل نحو الطابع الاستبدادي. واليوم قد حان الوقت للمحافظين المخلصين لمبادئهم أن يعيدوا النظر في دعم تشيني للسلطة التنفيذية المطلقة، بعد أن رأوا إلى أين أدى هذا الشغف.

توفي ديك تشيني، نائب رئيس الولايات المتحدة الأسبق، في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) عن عمر يناهز 84 عاماً، وحظي في سنواته الأخيرة باحترام غير متوقع من الديمقراطيين الذين كانوا ينظرون إليه ذات يوم باعتباره مروجاً للحروب على الطريقة الميكيافيلية. ويعود ذلك إلى أن تشيني، في أعقاب هجوم السادس من يناير (كانون الثاني) 2021 على مبنى الكابيتول، أصبح ناقداً صريحاً لدونالد ترمب.

في عام 2022، عندما كانت ابنته ليز تشيني تخوض معركة إعادة انتخابها كعضو جمهوري في الكونغرس عن ولاية وايومنغ، ظهر نائب الرئيس الأسبق في إعلان تلفزيوني لدعمها وقال: "على مدار تاريخ أمتنا الذي امتد 246 عاماً، لم يأت أي فرد يمثل تهديداً أكبر لجمهوريتنا من دونالد ترمب". (وقد خسرت ليز تشيني أمام مرشح مدعوم من ترمب). ثم في عام 2024، أيد كل من ديك وليز تشيني كامالا هاريس للرئاسة. وصرح ديك تشيني في بيان آنذاك: "كمواطنين، تقع على عاتق كل منا واجبات تقتضي وضع مصلحة الوطن فوق الانتماءات الحزبية للدفاع عن دستورنا. لهذا السبب سأصوت لصالح نائبة الرئيس كامالا هاريس".

بعد حياة مهنية طويلة قضاها كمسؤول جمهوري في مناصب منتخبة وتعيينات رسمية، كان استعداد تشيني لمعارضة حزبه والانفصال عنه أمراً جديراً بالثناء وغير مألوف؛ إذ إن رئيسه السابق، جورج دبليو بوش، لم يؤيد هاريس أو ينتقد ترمب علناً. وكان تشيني يدرك أنه بذلك يفتح على نفسه باب الهجوم والإساءة من ترمب (الذي نعته بـ"ملك الحروب العبثية التي لا نهاية لها")، لكنه، خلافاً لكثير من الجمهوريين الآخرين، لم يبالِ. كان مصمماً على فعل ما يعتقد أنه صواب، بصرف النظر عن العواقب.

ومع ذلك، كان هناك شيء من المفارقة والسخرية في ظهور تشيني في أواخر حياته كمعارض لترمب، إذ إن السياسات التي انتهجها خلال مسيرته المهنية المميزة ساعدت، في جوانب عديدة، في تمهيد الطريق لصعود ترمب، لا بل حتى في ممارسته سلطة تنفيذية غير مسبوقة. لم يكن ذلك ما أراده تشيني، لكنه ما حدث فعلاً. وفي الواقع، في سبيل فهم اللحظة السياسية الراهنة، من الضروري تفكيك رموز إرث تشيني التاريخي المعقد وكيف طور هوسه بتوسيع سلطات الرئاسة.

صلاحيات مقيدة

في سبعينيات القرن العشرين، أعرب تشيني، شأنه شأن عديد من الجمهوريين الآخرين في ذلك الوقت، عن أسفه لجهود الكونغرس الرامية إلى الحد من "الرئاسة الإمبراطورية" أي السلطة الرئاسية المطلقة، بعد حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت. كانت الأمة حينذاك قد بدأت للتو تكتشف أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يتجسس على حركات الحقوق المدنية والحركات المناهضة للحرب، فضلاً عن محاولات وكالة الاستخبارات المركزية اغتيال رؤساء دول أجنبية مختلفين أو الإطاحة بهم، وقد أدت تلك التجاوزات إلى رد فعل قوي من الكونغرس.

كان تشيني في قلب هذه النقاشات حول السلطة التنفيذية. فابتداء من عام 1969، شغل سلسلة من المناصب المتزايدة النفوذ في السلطة التنفيذية، رتبها له مرشده دونالد رامسفيلد. عندما أصبح رامسفيلد كبير موظفي البيت الأبيض عام 1974، اصطحب معه تشيني نائباً له. وفي العام التالي، عندما تولى رامسفيلد منصب وزير الدفاع، أصبح تشيني، في الرابعة والثلاثين من عمره، أصغر رئيس لموظفي البيت الأبيض في التاريخ. وخسر جيرالد فورد الانتخابات الرئاسية عام 1976، لكن تشيني عاد إلى واشنطن بعد عامين، بصفته الممثل الوحيد في مجلس النواب عن ولايته وايومنغ.

خلال هذا العقد، في وقت كانت تتبلور فيه آراء تشيني السياسية، أقر الكونغرس سلسلة من القوانين التي قيدت السلطة التنفيذية: تعديل كيس-تشرش (Case-Church Amendment) عام 1973 حظر على السلطة التنفيذية تقديم الدعم العسكري لجنوب فيتنام؛ فيما حظر قانون صلاحيات الحرب (War Powers Act) لعام 1973 على الرئيس شن الحروب من دون تفويض من الكونغرس؛ أما قانون ضبط حجز الأموال (Impoundment Control Act) لعام 1974 فقد حظر على الرئيس رفض إنفاق الأموال التي خصصها الكونغرس؛ وجاء تعديل هيوز-راين (Hughes-Ryan Amendment) الصادر عام 1974 ليحظر على السلطة التنفيذية القيام بعمليات سرية من دون إبلاغ الكونغرس؛ ثم صدر قانون حالات الطوارئ الوطنية (National Emergencies Act) لعام 1976 وقانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية(International Emergency Economic Powers Act) لعام 1977 ليمنعا الرئيس من إعلان حالات الطوارئ الوطنية من دون موافقة الكونغرس؛ بينما حظر قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (Foreign Intelligence Surveillance Act) الصادر عام 1978 على السلطة التنفيذية القيام بعمليات مراقبة داخلية من دون إشراف قضائي.

وبصفته رئيساً، فرض جيمي كارتر قيوداً إضافية على السلطة الرئاسية، في الأسلوب والمضمون معاً. وقد أثار مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهده، ستانسفيلد تيرنر، غضب المحافظين في مجال الأمن القومي - ومنهم تشيني - عندما أقال عدداً من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية السريين في ما عُرف باسم "مجزرة الهالوين" [عملية تطهير وإعادة هيكلة سياسية] عام 1977.

بات تشيني ربما أقوى نائب رئيس في التاريخ الأميركي

رأى تشيني، ومعه جمهوريون كثر، أن هذه الإجراءات تمثل اعتداء متهوراً على قدرة الرئيس في الدفاع عن البلاد، ووجدوا في سلسلة الإخفاقات الأميركية في تلك الحقبة – من سقوط فيتنام وحادثة ماياغويز عام 1975 [حينما استولت قوات الخمير الحمر الكمبودية على السفينة التجارية الأميركية "إس إس ماياغويز"] إلى أزمة الرهائن في إيران والغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 – دليلاً على صحة مخاوفهم. ومنذ ذلك الحين، كرّس تشيني مسيرته السياسية لتعزيز صلاحيات الرئاسة.

وبحلول نهاية ثمانينيات القرن العشرين، ترقى تشيني ليصبح نائب زعيم الأقلية في مجلس النواب (ثاني أعلى منصب قيادي في المجلس)، وكان من الممكن أن يصبح هو، لا نيوت غينغريتش، أول رئيس جمهوري لمجلس النواب منذ عقود، لولا فشل ترشيح جون تاور لمنصب وزير الدفاع في الحصول على موافقة مجلس الشيوخ عام 1989. حينذاك، طلب الرئيس جورج بوش الأب من تشيني تولي المنصب بدلاً منه، وقد قبِل المهمة، فأشرف على عمليتين عسكريتين ناجحتين، هما الإطاحة بمانويل نورييغا في بنما عام 1989 وتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، أعقبهما تخفيض في حجم القوات العسكرية بعد انتهاء الحرب الباردة.

وعزز نجاح تشيني في وزارة الدفاع سمعته كمسؤول كفء وهادئ، وأدخله إلى دائرة نفوذ عائلة بوش. في عام 2000، كان يقدم المشورة لابن الرئيس السابق بشأن اختيار نائب الرئيس في حملته الانتخابية عندما طلب منه جورج دبليو بوش تولي المنصب بنفسه. وكان يُنظر إلى تشيني على أنه يمتلك الخبرة في دهاليز واشنطن والهيبة، وهما صفتان كان يفتقر إليهما بوش الابن، القادم من منصب حاكم ولاية تكساس. وبمجرد أن أوقفت المحكمة العليا ذات التوجه المحافظ إعادة فرز الأصوات في فلوريدا وحسمت الانتخابات لصالح الجمهوريين، أصبح تشيني، على الأرجح، أقوى نائب رئيس في التاريخ الأميركي.

رد الفعل العنيف

استخدم تشيني نفوذه لدفع أجندة صدمت زملاءه من إدارات فورد وجورج بوش الأب الذين كانوا يرونه سياسياً براغماتياً متحفظاً وحذراً. بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عندما تولى تنسيق استجابة البيت الأبيض لأن الرئيس كان مسافراً، دعا تشيني إلى غزو أفغانستان أولاً، ثم، وبشكل أكثر إثارة للجدل، إلى غزو العراق. بالنسبة إلى الحالة الثانية [غزو العراق]، ضخم تشيني بشكل كبير من حجم التهديد الذي مثله صدام حسين، قائلاً في خطاب أمام قدامى المحاربين في الحروب الخارجية في عام 2002: "ببساطة، لا شك في أن صدام حسين يمتلك الآن أسلحة دمار شامل. ولا شك في أنه يجمعها لاستخدامها ضد أصدقائنا وحلفائنا وضدنا".

في الواقع، لا يوجد سبب للاعتقاد بأن تشيني كان يكذب عمداً، لكن لا شك أيضاً في أنه كان يفسر تقارير استخباراتية متناقضة وغير حاسمة بأكثر الطرق تشاؤماً وإثارة للذعر. وهكذا، أسهم تشيني في جر الولايات المتحدة نحو ما أصبح يُعرف لاحقاً باسم "الحرب الأبدية". وبينما أيد الرأي العام الغزو في البداية، سرعان ما تراجع الدعم الشعبي بعد عدم العثور على أي أسلحة دمار شامل، ومع انخراط القوات الأميركية في حملة مكلفة لمكافحة مقاتلين متمردين يعملون في الظل، من السنة والشيعة على حد سواء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصُدم العالم من مدى عدم استعداد الولايات المتحدة لمرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً بالنظر إلى الخبرات الواسعة التي كان يتمتع بها عدد كبير من كبار مسؤولي الإدارة، وعلى رأسهم تشيني. وقد قوض ذلك الافتراض القائل إن الخبرة الحكومية الواسعة شرط ضروري لتولي أعلى منصب في الدولة. وبالتزامن مع إخفاقات أخرى لإدارة بوش، من الاستجابة لإعصار كاترينا عام 2005 إلى الانهيار المالي عام 2007، أدى ذلك إلى صعود النزعة الشعبوية المناهضة لواشنطن لدى كل من اليساريين واليمينيين.

وقد أسهم رد الفعل العنيف هذا ضد الحرب في العراق (التي كان تشيني من أبرز المدافعين عنها) وضد المؤسسة الحاكمة (التي كان يجسدها) في انتخاب، باراك أوباما، السيناتور الجديد آنذاك، ثم بعد ثماني سنوات في انتخاب دونالد ترمب، مطور العقارات الذي لم يشغل منصباً حكومياً في حياته. كان ترمب قد أيد الغزو في البداية، خلافاً لادعاءاته اللاحقة بأنه كان معارضاً له منذ البداية، لكن استعداده في نهاية المطاف لإدانة الحرب لاقى صدى واسعاً لدى الناخبين، خصوصاً عندما كان منافسه الرئيس في الانتخابات التمهيدية شقيق الرئيس الذي أمر بالغزو في المقام الأول [جيب بوش شقيق الرئيس جورج دبليو بوش الذي نافس ترمب في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري].

وإلى جانب كونه داعماً مؤثراً لغزو العراق، كان تشيني أيضاً المهندس الرئيس لـ"الحرب على الإرهاب". فبعد خمسة أيام من هجمات 11 سبتمبر، قال إن الحكومة الأميركية ستضطر إلى الرد من "من الجانب المظلم" [العمل بأساليب سرية وقاسية وغير قانونية أو غير أخلاقية]، باستخدام "أي وسيلة متاحة". وشملت البرامج التي دافع عنها منح وكالة الأمن القومي صلاحية التنصت، من دون إذن قضائي، على مكالمات الأميركيين الذين يتواصلون مع أجانب؛ وفتح "مواقع سرية" تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية وسجناً بحرياً في خليج غوانتانامو لاحتجاز المعتقلين إلى أجل غير مسمى من دون محاكمة ومن دون أي من الحمايات التي تضمنها اتفاقيات جنيف؛ بل وتعذيب المعتقلين باستخدام ما كان يُسمى بتعبير ملطف "أساليب الاستجواب المعززة". في نهاية المطاف، كبح المشرعون والقضاة جماح إدارة بوش: فقد حظر الكونغرس المعاملة "القاسية واللاإنسانية والمهينة" للمعتقلين، وأقرت المحكمة العليا بأن حتى المعتقلين المصنفين كـ"مقاتلين أعداء" لهم الحق في اللجوء إلى القضاء للطعن في احتجازهم وتقديم التماس إلى المحاكم للإفراج عنهم. ولكن بحلول ذلك الوقت، كان الضرر قد وقع: إذ بات يُنظر إلى أميركا بشكل متزايد على أنها قوة عظمى خارجة عن نطاق القانون ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان مثل تلك التي كُشف عنها في سجن أبو غريب في العراق.

وتحولت صورة تشيني العامة إلى صورة قاتمة. وفي الواقع، اعتقد عديد من زملائه السابقين أنه أصبح متطرفاً بسبب هجمات 11 سبتمبر؛ حتى إن بوش الأب قال إنه "صار متشدداً للغاية ومختلفاً تماماً عن ديك تشيني الذي عرفته وعملت معه". لكن تشيني ظل غير نادم، مشيراً إلى غياب هجمات إرهابية أخرى بحجم 11 سبتمبر باعتبار ذلك دليلاً على جدوى نهجه المتشدد. كما أصر على أن مواقفه كانت متناسقة. ففي عام 2005، وأثناء دفاعه عن عمليات التنصت على مكالمات الأميركيين من دون أمر قضائي، أوضح تشيني للصحافيين وجهات نظره الواسعة بشأن السلطات الرئاسية: "أعتقد أنه على مر السنين حدث تآكل في صلاحيات الرئيس وسلطته، وهو ما يتجلى في عدد من التطورات... وكثير من الأمور المتعلقة بفضيحة ووترغيت وفيتنام في السبعينيات من القرن العشرين أسهمت في تقويض تلك السلطة ... أنا أؤمن بسلطة تنفيذية قوية وحازمة. وأعتقد أن العالم الذي نعيش فيه يتطلب ذلك".

شارك تشيني في هذه الرؤية حول ضرورة تعزيز السلطة الرئاسية كل من جون روبرتس وصموئيل أليتو، اللذين عُينا في المحكمة العليا خلال إدارة بوش بدعمه القوي. وكانا من القضاة المحافظين الذين صوتوا، في قضية ترمب ضد الولايات المتحدة عام 2023، لصالح منح الرئيس حصانة شبه مطلقة من الملاحقة الجنائية أثناء ممارسته مهامه "الرسمية". ولا شك في أن هذا الحكم قد شجع ترمب على توسيع نطاق سلطته من رئاسة إمبراطورية إلى رئاسة سلطوية.

أجيال الحزب الجمهوري

لقد كان من الصواب أن ينتقد تشيني إساءات استخدام ترمب للسلطة، لكن كثيراً من أفعال ترمب نبعت من ازدراء للرقابة البرلمانية والإعلامية والقضائية التي رعاها تشيني وغيره من الجمهوريين "التقليديين" من جيله. على سبيل المثال، يسخر ترمب من "قانون ضبط حجز الأموال" من خلال رفضه إنفاق الأموال التي خصصها الكونغرس للمعاهد الوطنية للصحة، وللوكالة الفيدرالية للاستجابة الطارئة للكوارث، ولبرنامج "هيد ستارت" (Head Start)، وغيرها من الأولويات التي لا تحظى بتأييد حركة "ماغا". حتى إن ترمب أغلق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية(USAID) ، المفوضة من الكونغرس، بموجب مرسوم تنفيذي. ولم يكن تشيني يوماً من مؤيدي "قانون ضبط حجز الأموال".

واستطراداً، يتجاهل ترمب "قانون سلطات الحرب" من خلال إصدار أوامر للجيش الأميركي بإغراق القوارب المشتبه بتورطها في تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ من دون أي تفويض من الكونغرس. وقدمت الإدارة تفسيراً غير مقنع لعدم انطباق قانون سلطات الحرب على تلك الهجمات على القوارب، ويُعد هذا التفسير غير مقنع بطبيعة الحال لأي شخص يؤمن بأن التشريع يُشكل ضمانة مهمة للحد من سلطة الرئيس في شن الحروب. ولطالما جادل تشيني بأن هذا القانون يشكل "انتهاكاً غير لائق وغير دستوري لسلطات الرئاسة".

ويستغل ترمب أيضاً "نظرية السلطة التنفيذية الموحدة" التي دافع عنها تشيني، وهي الاعتقاد القائل إن الرئيس يجب أن يتمتع بسلطة غير محدودة على جميع جوانب السلطة التنفيذية، لمحاولة إقالة مسؤولين في وكالات فيدرالية مستقلة، مثل "المجلس الوطني لعلاقات العمل" و"الاحتياطي الفيدرالي"، ولإصدار أوامر لوزارة العدل بتوجيه الاتهام لخصومه السياسيين. وقد روج تشيني لمفهوم "امتياز السلطة التنفيذية" لمنح الرئيس هامشاً واسعاً في اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالأمن القومي، لكن تصرفات ترمب تتجاوز السقف الذي وقف عنده من سبقوه، إذ إنه ألغى أي ضوابط داخلية تحد من ممارسته للسلطة. والآن أصبحت المحاكم هي خط الدفاع الأخير عن النظام الدستوري.

كل جيل جديد من الجمهوريين يغدو أكثر تشدداً من سابقه

سيكون من المبالغة الادعاء بأن تشيني كان يمثل نسخة مبكرة من ترمب أو أن مسيرته المهنية أدت مباشرة إلى صعود ترمب. فكثير من الأفعال التي يقوم بها ترمب تتعارض مع ما كان يؤمن به تشيني وجمهوريون آخرون في زمنه. على سبيل المثال، رفض ترمب موقف الحزب القائم على التأييد الراسخ للتجارة الحرة والهجرة القانونية، وفي الوقت نفسه يمارس جهوداً ترمي إلى قمع المعارضين ومعاقبة خصومه السياسيين بشكل يتجاوز حتى ممارسات عهد نيكسون. ومهما كانت صفات تشيني الأخرى، فهو لم يكن عدواً للديمقراطية، حتى لو تجاوز بعض الضوابط الإجرائية باسم الأمن القومي. وكانت المرة الوحيدة التي نشر فيها القوات المسلحة على الأراضي الأميركية، هي أثناء أعمال الشغب التي اندلعت عام 1992 في لوس أنجلوس على خلفية قضية رودني كينغ، استجابة لحالة طوارئ حقيقية وبناء على طلب حاكم كاليفورنيا. وهو بالتأكيد لم يكن يخطط لإرسال الحرس الوطني إلى المدن التي يديرها الديمقراطيون، مثلما يفعل ترمب الآن. كان تشيني وطنياً وتكنوقراطياً، وليس ديماغوجياً. ولم يكن مهووساً بالاستيلاء على السلطة أو بالسعي إلى الشهرة؛ بل يعطي دائماً الانطباع بأنه يرى الخدمة الحكومية واجباً مهماً، وإن كان مرهِقاً، لا وسيلة لتعظيم الذات.

لكن هذا يؤكد ببساطة ما كشفت عنه تجربة حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية: يتبين أن كل جيل جديد من الجمهوريين يغدو أكثر تشدداً من سابقه. فقد كان رونالد ريغان أكثر يمينية من ريتشارد نيكسون، وترمب أكثر يمينية من ريغان. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، أصبح باري غولدووتر، الذي كان في يوم من الأيام رمزاً لليمين المتطرف الجمهوري، يُعتبر ناقداً ليبرالياً لنزعة الحزب الاجتماعية المحافظة. وكذلك تشيني، الذي كان في جيل سابق نصيراً لليمين المتشدد، انتهى به المطاف رمزاً للمقاومة ضد حركة "ماغا". ولكن حتى لو لم يقصد تشيني قط أن يمهد الطريق لظهور حركة ترمب، فإن عديداً من أفعالها متجذرة في إرثه.

لذلك، لقد حان الوقت للمحافظين المخلصين لمبادئهم أن يعيدوا النظر في دعم تشيني للسلطة التنفيذية المطلقة، بعد أن رأوا إلى أين أدى هذا الشغف. فبدلاً من التخطيط لتوسيع سلطات الرئيس، ينبغي على المحافظين الدستوريين مناقشة كيفية إحياء الضوابط والتوازنات التي تعمل إدارة ترمب على تقويضها أو تجاهلها.

 

ماكس بوت هو باحث بارز في كرسي جين جاي كيركباتريك لدراسات الأمن القومي في "مجلس العلاقات الخارجية" ومؤلف كتاب "ريغان: حياته وأسطورته" Reagan: His Life and Legend.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء