Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصير الحرب وقرار السلام ليسا بيد "الدعم السريع"

نجحت في صناعة انطباع إعلامي بأنها الأقوى عسكرياً وتنظيمياً وتضاهي قوة الجيش والشرطة إلا أن الحقيقة تبقى قيد قرار الداعمين

لا أحد ينتصر في الحروب التي تشهدها دول بين الجيش والميليشيا (غيتي)

ملخص

السودان مليء بالقوى المسلحة والدعم السريع قوة مسلحة تقوم على انضمام مرتزقة إضافيين أو منشقين من الجيش أو من حركات أخرى مسلحة ومنهم من ينشق عكسياً لينضم إلى حركة أو جماعة أخرى "تدفع أكثر"، ومثل هذه التركيبة تعني أن قرار الحرب أو السلام ليس في يدها حتى وإن امتلكت القوة اليوم فهي زائلة غداً.

قوات "الدعم السريع" تقول عن نفسها إنها "قوات عسكرية قومية التكوين تعمل تحت إمرة القائد العام وتهدف لإعلاء قيم الولاء لله والوطن، وتتقيد بالمبادئ العامة للقوات المسلحة السودانية"، وإن أنشئت بموجب قانون قوات "الدعم السريع" الذي أجازه المجلس الوطني خلال عام 2017.

العالم – إلا قليل - يرى قوات "الدعم السريع" قوة مسلحة خرجت من إقليم دارفور لتغير موازين القوى في السودان. تشكلت في البداية كميليشيات محلية عرفت باسم "الجنجويد"، وذلك قبل أن تتحول إلى قوات "الدعم السريع" وتتبوأ مكانتها المتميزة بين ميليشيات الحرب الأهلية في السودان. وتظل ترسخ مكانتها بين باقي الميليشيات، باعتبارها الأكثر عنفاً ودموية وفتكاً بالمدنيين في السودان.

أدلة الجرائم

وليس أدل على ذلك مما وثقته جامعة ييل الأميركية قبل أيام من أدلة على ارتكاب قوات "الدعم السريع" عمليات قتل جماعي مروعة في مدينة الفاشر شمال دارفور. وبين حفر لمقابر جماعية لإخفاء آثار آلاف القتلى، وأمارات على إخفاء آثار الجرائم التي ارتكبت بعد سيطرتها على المدينة عقب معارك دامية مع الجيش السوداني، وشهادات من مدنيين قالوا إن قوات "الدعم السريع" تحتجز المئات من أقاربهم ويطالبون بفدية تبلغ قيمتها نحو 3 آلاف دولار أميركي لإطلاق سراحهم، يتابع العالم "أنشطة" قوات "الدعم السريع" التي تصفها الأمم المتحدة بـ"الفظائع" وينعتها سودانيون بـ"المجازر" وتطالب شعوب دول عدة بتصنيفها "إرهابية"، تؤجج قوات "الدعم السريع" موجة توقعات عالمية حول مصير "أنشطتها".

دعم الزراعة والحصاد

موقع "الدعم السريع" على الإنترنت يشير إلى أنها "تواصل جهودها في إنجاح الموسم الزراعي داخل ولايات دارفور، والتي عانت كثيراً من ويلات الحروب والنزاعات القبلية والصراعات، وهو ما يتضح جلياً في المواسم الزراعية"، وإنها (الدعم السريع) تشرع في تنفيذ خطط محكمة لتأمين سير عمليات الحصاد الزراعي، مما يعزز جهودها لتحقيق نجاح الموسم الزراعي". "الدعم السريع" تشير أيضاً إلى أنها تنسق مع "القوات النظامية الأخرى" و"الجهات ذات الصلة" هذه الخطط لضمان وتأمين نجاح الموسم الزراعي.

ويشير الموقع الرسمي أيضاً إلى أن "هذه الخطط تندرج ضمن أولويات واهتمامات الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد قوات "الدعم السريع" بقضايا المواطنين، والمحافظة على الأمن والحد من الاحتكاكات التي تقع بين الرعاة والمزارعين، والتعامل بحزم مع الرعاة الذين يرفضون الالتزام بالمسارات المحددة".

مسارات واحتكاكات أخرى

مسارات أخرى واحتكاكات من نوع مختلف وحصاد بصورة مغايرة تطرح أسئلة عاجلة حول فرص "الدعم السريع" في الانتصار واحتمالات هزيمتها، ومن يحدد ويوفر عوامل الانتصار، ومن وماذا يعجل بالهزيمة؟

بعثة تقصي الحقائق الأممية تكشف عن وقائع قد تكون مؤشراً إلى معاونة قوية تدفع بالقوات إلى الانتصار، لكنها أيضاً قد تكون "صحوة الموت" التي تسبق الهزيمة. رئيس البعثة محمد شاندي عثمان قال إنه بينما الفاشر تحترق، وملايين الناس يواجهون خطر المجاعة، فإن العالم يمكنه أن يختار بين الصمت أو التضامن. عثمان تحدث عن الآثار التي خلفها طول فترة حصار الفاشر والمخيمات المحيطة بها، وأن الأزمة الإنسانية الرهيبة تفاقمت بصورة متسارعة بعد سيطرة قوات "الدعم السريع".

البعثة قالت إن التحقيقات الأولية كشفت عن "نمط متعمد من عمليات الإعدام التي تستهدف المدنيين العزل على أساس عرقي، واعتداءات، وعنف جنسي، ونهب واسع النطاق، وتدمير بنية تحتية حيوية، ونزوح قسري جماعي".

 

يشار إلى أن تقريراً صدر عن الأمم المتحدة عنوانه "السبل نحو العدالة: المساءلة عن الفظائع المرتكبة في السودان"، خلص إلى أن الإفلات من العقاب في حرب السودان متجذر، ولا يزال أحد المحركات الرئيسة للعنف المستمر، وأن مطالب الضحايا لم تعد تحتمل التجاهل، وأن المساءلة عاجلة وقابلة للتحقيق.

ودعا التقرير إلى إنشاء هيئة قضائية مستقلة ومحايدة لوضع حد لما سماه "عقوداً من الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي"، مشيراً إلى أنه نظراً إلى حجم الانتهاكات المرتكبة، يجب توسيع نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل جميع أنحاء السودان، واتخاذ عدد من الإجراءات لمعاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وتحقيق العدالة.

"ماضون إلى نصر قريب"

تطبيق العدالة والتحقيق في الجرائم والبحث في الإجراءات الواجب اتخاذها أمور لم يحن وقتها بعد، ولن يحين على الأرجح إلا بعد إعلان المنتصر وإشهار المنهزم في الحرب التي أوشكت على دخول عامها الثالث.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، القائد العام للقوات المسلحة عبدالفتاح البرهان أكد أن "الحملة التي تقودها دول البغي والاستكبار" ضد بلده وجيشها "ستنكسر وسينتصر الشعب"، مؤكداً "ماضون إلى نصر قريب وعاجل".

النصر القريب والعاجل الذي يتحدث عنه البرهان يجيء في أعقاب سيطرة قوات "الدعم السريع" على الفاشر، والتي كانت آخر معاقل الجيش السوداني داخل إقليم دارفور.

البرهان تحدث كذلك عن عزم الجيش السوداني دحر "الميليشيات المتمردة" (الدعم السريع)، مؤكداً أن الشعب سينتصر و"الميليشيات المتمردة" ستنهزم. و"الميليشيات المتمردة" تجزم أن الشعب سينتصر، و"الكيزان" (الجناح السوداني لجماعة "الإخوان المسلمين") ستنهزم.

لا أحد ينتصر

واقع الحال وطبيعة الميليشيات وقواعد الحروب تشير إلى أن أحداً لا ينتصر في الحروب التي تشهدها دول بين ميليشيات وبعضها بعضاً، أو بين الجيش والميليشيات، إذ إن الأضرار التي تلحق بأفراد الشعب تمحو الانتصار، وتجعل الجميع يخرج منهزماً، وذلك بالمعايير الإنسانية ومقاييس المكسب والخسارة الحياتية والاجتماعية والاقتصادية.

أما حسابات الحروب والصراعات، فتعتمد بصورة رئيسة على عوامل القوة، والدعم الخارجي. في حالة السودان، الوضع بالغ التعقيد. الميليشيات تعد نفسها قوة وطنية، والجيش بتركيبته الحالية لا يحظى بما تحظى به الجيوش الوطنية عادة من دعم مطلق من الشعوب، ربما لأن الكيل فاض بكل الأطراف الضالعة في هدر الدماء، والتهجير، والخراب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى اللحظة، يقف كل من "الدعم السريع" والجيش السوداني على قدم مساواة مجازي. كلاهما يخسر مناطق، ويستعيد أخرى، والدعم الخارجي يلوح في أفق "الدعم السريع" موجهاً إياه مرة صوب الانتصار، وأخرى جهة الهزيمة، وثالثة في اتجاه قبول هدنة، ورابعة من أجل العودة إلى الحرب، وهلم جراً.

وحيث إن كلا الطرفين المتحاربين يمتلك قوة عسكرية، تنخفض قدراتها حيناً، وتُمكن وتُصعد أحياناً، فإن تحقيق النصر أو تكبد الهزيمة لم تتضح معالمهما بعد، ولن تفعل إلا بعد صدور القرار الأخير من "الدعم الخارجي" في شأن حرب السودان، وفي قول آخر "التدخل الخارجي".

تدخل وتشرذم

ضمن ورقة عنوانها "التدخل الأجنبي والتشرذم يؤججان الحرب في السودان" ومنشورة على موقع ACLED "مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة"، كتبت الباحثة في شؤون شرق أفريقيا جلال بيرو أنه مع استمرار الحرب في السودان إلى أجل غير مسمى، يزداد خطر نشوء بيئة صراع مجزأة بصورة كبيرة، ويسعى عدد من الجماعات المسلحة للحصول على دعم خارجي، من أجل ملء فراغات السلطة في جميع أنحاء البلاد وترسيخ مكانتها. وتطرقت بيرو إلى تدخلات أجنبية عديدة في السودان وذلك لتحقيق أهداف عدة لكن معظمها لا يخرج عن غايتين رئيستين، تحقيق مصالح سياسية للطرف الأجنبي، وحماية المنافع الاقتصادية والاستراتيجية لهذا الطرف على أرض السودان، مشيرة إلى أن استمرار هذا "الدعم" يمثل استدامة للصراع، وإطالة لأمده.

ويشير محللون إلى أن "الدعم السريع" في السودان تولدت لديها رغبة في أن تتحول إلى لاعب سياسي، لا عسكرياً فحسب.

مساندة ثم طموح

يشير تقرير لـ"بي بي سي" (أكتوبر/ تشرين الأول 2025) إلى أنه على رغم إعلان قوات "الدعم السريع" خلال السابق أنها تهدف إلى مساندة القوات المسلحة في حماية الأمن القومي ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، فإن أدوارها خلال الأعوام الأخيرة عكست توسعاً في طموحاتها ونطاق عملها، إذ أصبحت لاعباً سياسياً وعسكرياً رئيساً داخل البلاد، وواحدة من الأطراف المؤثرة في تحديد مسار الحكم.

 

وأشار التقرير على سبيل المثال إلى إعلان "الدعم السريع" خلال أبريل (نيسان) الماضي تشكيل ما سمته "حكومة السلام والوحدة" لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما يمكن تفسيره بأنه سعي من قبلها لبناء سلطة موازية لمؤسسات الدولة الرسمية، وترسيخ موقع لها ضمن معادلة الحكم بعد انتهاء الحرب، إضافة إلى توسيع رقعة وجودها العسكري والاقتصادي في ولايات دارفور وغرب السودان، إذ تسيطر على مناطق غنية بالموارد الطبيعية.

"الانتصار" العسكري المهم

وبعيداً من طموح "الدعم السريع" في أن يكون لها دور بعد الحرب، أو حتى رغبتها في تقسيم السودان وإعلان الانفصال، لا سيما بعد سيطرتها على الفاشر واعتبار تحريرها "انتصاراً عسكرياً مهماً"، بحسب قول دقلو (حميدتي)، وعلى رغم مؤشرات عدة ترجح الاتجاه صوب الانفصال، فإن أياً مما سبق لن يتحقق إلا بقرار أو رغبة أو موافقة أو دعم من الجهات المقدمة للدعم، والتي تتحكم في قرارها أولويات المصالح والموارد.

يُشار إلى أن السودان، وعلى رغم ظروف الحرب، يظل من أغنى دول أفريقيا في المواد الخام والمعادن والأراضي الصالحة للزراعة، إضافة إلى الثروات الحيوانية والداجنة والسمكية وغيرها.

هذه الثروات تظل مطمعاً ومطمحاً لقوى خارجية كثيرة، فتمتزج السياسة بالثروات بدعم الميليشيات.

الميليشيات والسياسة الخارجية

تقول مدرسة العلوم السياسية في "معهد البحوث والدراسات العربية" شرين محمد فهمي ضمن ورقة عنوانها "كيف تدير الميليشيات المسلحة سياساتها الخارجية في المنطقة العربية؟" (2025) إن الميليشيات المسلحة أصبحت لاعباً أساساً في صنع السياسة الخارجية، وذلك بحسب ما تمليه الجهات والدول الداعمة لها، لا سيما ميليشيات "الدعم السريع"، والتي استطاعت السيطرة على مناطق غنية بالذهب في إقليم دارفور مثلاً، واحتكاره بالقوة الجبرية وطرد قوات الشرطة السودانية، وبناء شراكات دولية في عملية التعدين والتهريب، بما في ذلك الاستعانة بكيانات مثل "فاغنر" للخدمات الأمنية، والتي استفادت من عمليات تهريب الذهب في مقابل تقديم خدمات تدريبية وتسليح لقوات "الدعم السريع" وتطوير أسلحتها، ونظم القيادة والاتصال، وغيرها.

وتشير إلى قيام "فاغنر" بـ"المساعدة" في ترحيل الماليين من سكان الساحل الأفريقي وتوطينهم داخل السودان ليحقق هذا الاستيطان أهدافاً أهمها توفير حاضنة اجتماعية لقوات "الدعم السريع"، وإمدادهم بالمقاتلين.

 

وترى فهمي أن دعم قوى إقليمية للميليشيات المسلحة في المنطقة العربية بصورة عامة، يقود هذه الميليشيات إلى تبني مواقف خارجية لا تتوافق مع السياسة التي تتبعها الدولة التي نشأت وتعمل فيها. بمعنى آخر، يؤدي هذا الدعم الخارجي إلى تقوية شوكة الميليشيات، فتصبح لها سياسات خاصة بمصالحها الفصائلية وروابطها الإقليمية، ويُدفع بها عبر التمويل الخارجي لتلعب أدواراً لم تكن لتقدر عليها (من دون التمويل والدعم) في السياق الدولي والتأثير الإقليمي، بما في ذلك فرض الأمر الواقع في بعض الأحيان، واقتناص اعتراف دولي بها حال صعودها إلى السلطة، أو امتداد سطوتها إلى مناطق أخرى، وذلك بحسب ما يمليه ويحدده لها الممول.

رحلة الميليشيات

 أثناء رحلة الميليشيات المحلية الممولة والمدعومة من الخارج، قد يدفعها الشعور بالقوة لتحلم بسطوة سياسية وعسكرية مستقبلية من منطلق أنها "قوة وطنية"! الكاتب الصحافي والباحث المتخصص في الشأن الأفريقي عمرو خان يقول لـ"اندبندنت عربية" إن "الدعم السريع" لم تنجح في الحصول على قبول في الشارع السوداني، أو تكتسب شرعية، أو حتى شعبية بين "ناس الولايات"، بين القوى القبلية في السودان.

بمعنى آخر، نجحت "الدعم السريع" جزئياً في تقديم نفسها، عبر التمويل والدعم الخارجيين، كقوة قبلية مسلحة، أما الترويج لنفسها كقوة سياسية وطنية فأخفقت فيها. صحيح أنها نجحت، عبر من استعانوا بها منذ البداية في تغيير موازين القوى داخل السودان، إلا أن الأحداث في السودان لم تقف عند حدود تغيير الموازين.

ويقول خان إن "الدعم السريع" أو "الجنجويد" كما عُرفت في البداية تشكلت كميليشيات مسلحة استعان بها نظام الرئيس السابق عمر البشير وقت حرب دارفور خلال مطلع الألفية، لتقضي على الحركات والاحتجاجات المسلحة هناك، ثم أُعيد تنظيم صفوفها "رسمياً" عام 2013، لتصبح قوة تابعة لجهاز الأمن والاستخبارات، كمكافأة لها على "حسن صنيعها". والهدف المعلن كان مكافحة التمرد وحماية حدود السودان. وهذه القوات المقدرة أعدادها بنحو 100 ألف مقاتل تمددت وانتشرت في أنحاء عدة داخل السودان، وتحولت عبر التمويل والدعم الكبيرين والتسليح الكثيف إلى الميليشيات المسلحة الأقوى في السودان.

"التكليف" الرسمي

وعلى رغم ذلك، يقول خان إن الدعم الذي حصلت عليه "الدعم السريع" في بداية "تكليفها" رسمياً كان محدوداً، إلا أن "مهام" حماية الحدود يسر لها إقامة علاقات خارجية ببعض دول الجوار والدول الإقليمية ذات المصالح داخل المنطقة، وهنا بدأت في الحصول على شتى أنواع الدعم من مالي وعسكري وتدريب وصحي من هذه الدول من أصحاب المصالح في السودان، وكذلك من قبل كبار الرأسماليين من رؤساء القبائل وأمناء الحركات المسلحة التي تدعمها، أما الدعم السياسي الداخلي فشبه منعدم.

غياب الدعم السياسي الداخلي قابله نجاح "الدعم السريع" في صناعة صورة لها، سواء داخل المجتمع السوداني أو خارج حدود السودان، وكأنها الأقوى ميدانياً. وبدا هذا واضحاً في الانفجار الأكبر للمواجهة بينها والجيش السوداني خلال أبريل (نيسان) عام 2023، حين نجحت قواتها في الهجوم والاستحواذ على عدد من المناطق والمؤسسات الحيوية داخل الخرطوم، ومقار للجيش والشرطة، وهو ما أسهم في صناعة صورتها باعتبارها قوة ذات بأس شديد.

صناعة الانطباع

يضيف خان أن "الدعم السريع" نجحت في صناعة انطباع إعلامي بأنها الأقوى عسكرياً وتنظيمياً، وأنها تضاهي قوة الجيش والشرطة السودانيتين، بل وتتفوق عليهما، إلا أن الحقيقة مختلفة، منوهاً بأن "المكون العسكري المؤثر فعلياً في "الدعم السريع" تمثل في انضمام عدد من المنشقين من جماعات وحركات مسلحة أخرى، والتي اختلفت في الرؤى السياسية والتوجهات مع القوات المسلحة السودانية. هؤلاء المنشقون قدموا معلومات لـ"الدعم السريع"، وهو ما ساعدها في تحقيق بعض الانتصارات على أرض الواقع خلال النصف الثاني من عام 2023 والنصف الأول من عام 2024، إلا أن "الدعم السريع" نفسها شهدت انشقاقات، وعاد المنضمون إليها مرة أخرى إلى جماعاتهم وحركاتهم المسلحة، ومنهم ما حارب في صف القوات المسلحة، ثم انشق، ثم عاد، وهلم جراً".

ويشير خان إلى "صعوبات أخرى في طبيعة تركيبة ’الدعم السريع‘، والتي تحول دون قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية مثل السلام أو الحرب، أو حتى تمكنها من تحقيق النصر، وهي عدم تناغم أو تجانس مكوناتها، وغياب مشاعر الولاء والانتماء الوطنية التي تعد عاملاً بالغ الأهمية في تحقيق النصر أو تكبد الهزيمة. ولاؤهم الوحيد للقائد فلان، لا لفكرة أو هدف وطني".

قوة المرتزقة

السودان مليء بالقوى المسلحة، و"الدعم السريع" قوة مسلحة تقوم قوتها على انضمام مرتزقة إضافيين أو منشقين من الجيش أو من حركات أخرى مسلحة، ومنهم من ينشق عكسياً، أي ينشق عن "الدعم السريع" ويعود من حيث أتى أو ينضم لحركة أو جماعة أخرى "تدفع أكثر"، ناهيك بانضمام مرتزقة من كولومبيا ودول أوروبية، ومثل هذه التركيبة تعني أن قرار الحرب أو السلام ليس في يدها، حتى وإن امتلكت القوة اليوم، فهي زائلة غداً.

يقول عمرو خان إن أدبيات الجماعات المسلحة تشير إلى أن استقلال معظمها، وقدرتها على رسم سياساتها وتحقيق مصيرها في أيدي من يدعمها، لا من يقودها أو يحارب بين صفوفها، إضافة إلى عوامل أخرى مثل حجم ونوع سيطرتها على الجغرافيا، وما تمتلكه من موارد طبيعية يمكنها تهريبها وجني الأموال، أو مقايضتها بأسلحة وتدريب وغيرهما.

هل في إمكان "الدعم السريع" إذاً أن تحدد مصيرها ومصير السودان أو جزء منه، أو تحسم الحرب مع القوات المسلحة؟ يقول خان "لولا الدعم الخارجي المقدم لـ’الدعم السريع‘ لما تمكنت من الصمود في هذه المعركة طوال هذه الأعوام. هناك فارق كبير بين ميليشيات أو قوة قبلية مسلحة وجيش دولة، حتى لو كان يعاني مشكلات أو إنهاكاً أو غيرهما. تبقى المقارنة في صالح الجيش. المكون العسكري لـ’الدعم السريع‘ ضعف بشدة، والانشقاقات زادت. هذا التشرذم لقوات وقدرات ’الدعم السريع‘ ينبئ بعدم قدرتها على ترجيح كفة الحرب أو إقرار السلام، أو حتى اتخاذ قرار الاستمرار في الحرب بنفس القوة التي بدت في أول عام 2023".

تحديد المصير في يد آخرين

ويضيف خان أن جزءاً معتبراً من تحديد مصير "الدعم السريع" والحرب الدائرة، محكوم بظروف الحرب والدعم الخارجي وكذلك الضغط الخارجي، ومبادرات واتفاقات وجهود "الآلية الرباعية" لوقف الانتهاكات ومعاقبة من اقترفوها، إضافة إلى الجيش السوداني.

السيناريوهات المتوقعة لـ"الدعم السريع" كثيرة ويصعب التنبؤ بها، وذلك لصعوبة التنبؤ بسياسات وقرارات أصحاب المال والدعم. ويشوب كل سيناريو مطروح قدر غير قليل من الضبابية. يقول خان إن احتمال صعود "الدعم السريع" لسدة الحكم قائم، لكن الفرص ليست كبيرة، وذلك في ضوء انعدام التنظيم الداخلي، وافتقاده الشعبية، وتوسع نطاق السيطرة على الأقاليم والمناطق، إضافة إلى استحالة التنبؤ بمن ومتى وإذا كان الداعمون الخارجيون سيفتحون منابع الدعم أم يغلقونها أم يبقونها معلقة بين بين، مع الأخذ في الاعتبار أن الصعود لسدة الحكم سيحتاج أضعاف التمويل الذي حصل عليه طوال أعوام الحرب.

 أما سيناريو تفكك "الدعم السريع" وتسريح مقاتليه، فيبقى في حاجة إلى كثير من المال والوقت والجهد – غير المتوافرة، إضافة إلى تجفيف منابع الدعم المالي والعسكري الخارجية، وهو أمر غير مضمون.

تبقى "الدعم السريع" فاعلاً مهماً في المشهد السوداني، وتحدياً خطراً للجيش، وورقة يُلوح بها من قبل قوى خارجية، وأداة ضغط داخلية على الجيش والشعب وعدد من الحركات المسلحة. أما قدرتها على تحديد مصير السودان، أو مصيرها، فلا تملكها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات