ملخص
في كل منزل أردني تقريباً ثمة طالب ثانوية عامة "توجيهي" لم يعد يعتمد على الدروس الخصوصية التقليدية، بل على مزيج مرهق من رسوم المدارس الخاصة، مع اشتراكات شهرية وسنوية لمنصات تعليم رقمية تزداد عدداً وارتفاعاً في الأسعار.
شهد قطاع التعليم في الأردن تغيرات كبيرة وبخاصة بعد جائحة كورونا، إذ أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من المشهد، وفي تقاطع مثير للجدل بين التعليم والتكنولوجيا، ينقسم الأردنيون حيال هذه الظاهرة بين من يراها أداة تعليمية ومن يعتقد أنها تحولت إلى أعمال تجارية مربحة على حساب جودة التعليم وحاجة الناس لضمان تفوق أبنائهم.
ففي كل منزل أردني تقريباً ثمة طالب ثانوية عامة "توجيهي" لم يعد يعتمد على الدروس الخصوصية التقليدية، بل على مزيج مرهق من رسوم المدارس الخاصة، مع اشتراكات شهرية وسنوية لمنصات تعليم رقمية تزداد عدداً وارتفاعاً في الأسعار.
على مائدة الطعام
على مائدة الطعام لعائلة أبو أحمد لم يعد النقاش يدور حول مذاكرة الأبناء، بل كلفة فواتير "التوجيهي" الجديدة، إذ عليه أن يدفع 600 دينار (846.27 دولار) إضافية مقابل اشتراكات لابنته في ثلاث منصات تعليمية مختلفة، إضافة إلى كلفة إنترنت عالي السرعة.
أما أحمد، البالغ من العمر 17 سنة، فصار عالمه محصوراً بين شاشة حاسوبه وهاتفه الذكي، متنقلاً ما بين شرح الأستاذ واختبارات المنصة.
اليوم ثمة أكثر من 150 منصة تعليمية في الأردن، معظمها يركز على تقديم المحتوى بطريقة موجهة للنجاح في الاختبارات بنظام الاختيار من متعدد، بدلاً من تأسيس مهارات التفكير النقدي، وفق مراقبين، مؤكدين أن النمو الهائل لمنصات "التوجيهي" الرقمية لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج حاجة السوق الناجمة عن ضعف الثقة بالتعليم الحكومي، والتنافسية العالية لدخول الجامعات.
لا ينكر هؤلاء ما سموه بوجود صيادي الفرص الاستثمارية، الذين وجدوا في هذا المناخ سوقاً مربحاً جذب رؤوس الأموال لتحقيق عائد مادي سريع، وبخاصة أن الأسرة الأردنية تعد التعليم الاستثمار الأول والأهم.
من منظور تجاري يطرح المعلم محمد حمدان زاوية مثيرة للجدل، بقوله "بدلاً من أن يدرس المعلم 30 طالباً في غرفة ضيقة، يستطيع بيع الفيديو لـ30 ألف طالب في لحظة واحدة، مما يخفض الكلفة التعليمية على المنصة ويرفع هامش الربح بصورة هائلة".
وعلى رغم التباين في الأرقام، يمكن تقدير أن مئات الآلاف من الطلاب اشتركوا في واحدة أو أكثر من هذه الخدمات خلال الأعوام الماضية، وبعض هذه المنصات الأردنية استقطبت ملايين الدنانير مقابل التعليم الحكومي المجاني.
هندسة "القلق التعليمي"
يقول عاملون في إحدى المنصات التعليمية، إنه يُعتمد بالأساس على موازنات تسويق ضخمة تستغل الجانب النفسي للطلبة وذويهم عبر إعلانات مكثفة لمؤثرين اجتماعيين وطلبة من الأوائل، لتعزيز الشعور بالحاجة للاشتراك في "الباقة الحصرية" أو "المراجعة الذهبية" للمنصة كطريق وحيد للتفوق، في ما بات يُعرف بـ"خلق القلق التعليمي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يبلغ سعر المشاركة في بعض المنصات نحو 35 دولاراً للمادة الواحدة، لكن بعض أولياء الأمور يجدون أنفسهم مضطرين لشراء حزم إضافية ضرورية كالملخصات الحصرية ونماذج الاختبارات التي تحاكي الاختبار الوزاري.
يصف أحد أولياء الأمور الكلفة المالية المرتفعة لهذه المنصات بأنها تكاد توازي أو تتجاوز الرسوم الفصلية لبعض الجامعات الخاصة. بذلك تحولت بعض هذه المنصات من أداة مساندة للعملية التعليمية إلى قطاع تجاري موازٍ يستغل ضعف المنظومة الرسمية، ويجعل من التعليم حقاً متاحاً فقط لمن يملك المال الكافي.
هل من رقابة؟
على رغم إصدار نظام وتعليمات لترخيص المنصات التعليم عام 2024 فإن التحدي يكمن في تطبيقها. فبدلاً من أن تكون التكنولوجيا أداة مساندة مجانية وعادلة للتعليم، أصبحت بوابة للربح السريع الذي يضعف التعليم الرسمي ويثقل كاهل الأسر.
ويطالب أولياء أمور بتفعيل رقابة صارمة على جودة المحتوى التعليمي، وضمان مطابقته للأهداف التربوية، ووضع سقف تسعيري لحماية الأسر من الاستغلال التجاري، والعمل على تطوير منصة وطنية حكومية مجانية تكون منافساً قوياً للجميع لضمان مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.
يرى المستشار التربوي قاسم النعواشي، أن المنصات التعليمية تمثل تطوراً لأساليب التعليم الموازي التقليدية مثل "الدوسيات" والأسئلة المتوقعة، كونها توظف أدوات حديثة كالفيديو والصوت والتصميم التفاعلي. وأنها أسهمت في تخفيف الأعباء المالية عن الأسر، ووفرت فرص تعلم متكافئة للطلبة في المناطق البعيدة.
لكنه يرى ضرورة تنظيم معايير جودة واضحة، محذراً من غياب التأهيل الأكاديمي أو التربوي لدى بعض القائمين على هذه المنصات، خشية تحويل العملية التعليمية إلى مجرد تلقين يهدف إلى تحصيل العلامات.
تهديد التعليم الرسمي
وعلى رغم إيجابياتها التكنولوجية، تحولت المنصات إلى عبء اقتصادي واجتماعي يهدد جودة التعليم الأساس. ومع عدم وجود رقم محدد لحجم سوق التوجيهي الرقمي، يمكن الإشارة إلى أن النمو العالمي لسوق التعلم الإلكتروني كان هائلاً بنسبة 400 في المئة عام 2020.
خلال عام 2000 بدأت استراتيجية الحكومة للتحول الرقمي واستخدام تكنولوجيا المعلومات، وأنشئت منصات إدارة التعلم مثل EduWave من قبل وزارة التربية والتعليم، بهدف ربط المدارس بالإنترنت وتجهيز المعلمين وتمكين المحتوى الرقمي.
خلال أزمة كورونا عام 2020 سُرعت الرقمنة، إذ أطلقت الحكومة منصة Darsak لتغطية التعليم من بعد لجميع الصفوف حتى الثانوية العامة، ولاحقاً دخلت الشركات الخاصة السوق، وخلال وقت قصير أُنتجت آلاف الفيديوهات التعليمية مما أسهم في ظهور منصات تجارية تستهدف شريحة طلاب "التوجيهي" تحديداً.
وعلى رغم المبادرات في هذا المجال، فإن المنافسة التجارية للمنصات الخاصة لا تزال نشطة، استناداً إلى أن اختبار الثانوية العامة يمثل نقطة ضغط كبيرة على الطلبة والأهالي، والنجاح فيه يمثل بوابة للجامعة أو الوظيفة.
فرصة لم تستثمر
يشير وزير التربية والتعليم السابق تيسير النعيمي إلى أن جائحة كورونا التي شكلت لحظة فارقة في مسار التعليم لم تُستثمر لاحقاً، إذ اعتمد التعليم من بعد والمنصات الرقمية كبدائل موقتة، مضيفاً أن التحول نحو التعليم الرقمي كان يجب أن يدفع نحو تجديد التعليم وتطويره.
يؤكد النعيمي أن التعليم الإلكتروني أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة التعليم التقليدي، ومراجعة كثير من المفاهيم المرتبطة بالعملية التعليمية، لكن الأردن لم يستفد كما يجب من تجربة التعليم الرقمي خلال جائحة كورونا.
ويضيف" بعض المنصات ساعدت على تعويض النقص في التعليم المدرسي التقليدي، وهو ما أدى إلى إقبال متزايد من الطلبة عليها إذ يجدون فيها تعليماً أفضل من التعليم المدرسي، لكنها بدورها أسهمت في ظهور أزمة جديدة تمثلت في إضعاف المدرسة والتعليم المدرسي وتراجع دور المعلم داخل الصف".
بدوره يقول الكاتب مكرم الطراونة إن منصات التعليم الإلكترونية واجهت تحديات حقيقية في بداياتها، خصوصاً في مسائل الانتشار وإثبات الجدية والمنافسة، إلا أنها سرعان ما حجزت مكانها في أولويات الطلبة، وبخاصة طلبة المرحلة الثانوية، واستطاعت أن تسهم إلى حد كبير في ردم فجوة العدالة في التعليم من حيث الحصول على تعليم جيد لجميع الطلبة وبالتساوي، خلال وقت كان ينحصر هذا النوع من التعليم داخل العاصمة عمان.
ويضيف الطراونة "المنصات الرقمية استطاعت استقطاب معلمين جيدين، وأتاحت تعليماً جيداً للجميع، وبأسعار معقولة أقل بكثير من كلف الدروس الخصوصية، كما أن هذه المنصات أوجدت المرونة في الوقت والمكان، لكن ثمة ممارسات صدرت عن بعض تلك المنصات جعلت الأمر أقرب إلى الفوضى والعشوائية".
جودة المحتوى التعليمي
يقول معلمون لـ"اندبندنت عربية"، إن ثمة إشكالية تتعلق بمدى التزام المنصات التعليمية الخاصة بطلبة "التوجيهي" بالمناهج الرسمية المعتمدة من وزارة التربية والتعليم، ودقة المادة العلمية التي تقدمها. فبينما يعلن كثير من هذه المنصات التزامه الكامل بالمحتوى الوزاري، يظهر الواقع تفاوتاً في مستوى الدقة والصدقية، إذ تميل بعضها إلى تبسيط المحتوى المقرر بصورة مفرطة بهدف جذب أكبر عدد من الطلبة، وفي المقابل تلجأ منصات أخرى إلى إضافة مواد أو شروح خارج الإطار الرسمي مما يربك الطلبة.
وينتقد معلمون آخرون تركيز بعض المنصات على الأسئلة المتوقعة ونماذج الاختبارات السابقة أكثر من تركيزها على بناء الفهم الحقيقي، مما يحول العملية التعليمية إلى تدريب على اجتياز الاختبار بدلاً من إتقان المعرفة، مع غياب جهة رقابية متخصصة تراجع محتوى هذه المنصات وتُقيمه وفق معايير جودة تعليمية واضحة.
يؤكد متخصصون اجتماعيون أن ثمة ضغطاً نفسياً على الطلبة في تجربة التعليم عبر المنصات الرقمية، وبخاصة مع انتشار ما يعرف بـ"المشاهير التعليميين" الذين يقدمون أنفسهم كقدوة أو نموذج للطالب الناجح.
فبدلاً من أن تكون المنصات وسيلة دعم ومساعدة، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مقارنة دائمة بين الطلبة، فضلاً عن تعرض كثير منهم إلى عبء نفسي مضاعف نتيجة المقارنة المستمرة مع زملائهم أو مع الطلاب الذين تبرزهم المنصات كنماذج متفوقة. وهي مقارنات لا تراعي الفروق الفردية في القدرات أو الظروف، مما يولد شعوراً بالقصور أو الفشل، كما أن الطابع الاستعراضي الذي يرافق بعض المنصات التعليمية يجعل الطالب يعيش تحت ضغط التوقعات المرتفعة من الأهل والمجتمع، ويقوده إلى الإرهاق الذهني وفقدان التركيز والقلق المفرط.