ملخص
من خلال هؤلاء خرجت القصص الإنسانية من دائرة النسيان إلى فضاء المشاركة، لتصبح المنصات الاجتماعية أكثر من مجرد فضاء رقمي، بل منبر للحقائق وذاكرة إنسانية حية لما يعيشه المدنيون في زمن الحرب.
بينما خفتت أصوات المراسلين وتراجع حضور الكاميرات الدولية في شمال دارفور وتحديداً مدينة الفاشر التي شهدت أحداثاً دموية عقب سقوطها في يد قوات "الدعم السريع"، برزت أصوات أخرى تمثلت في صناع المحتوى السودانيين، الذين جعلوا من هواتفهم المحمولة أدوات توثيق، ومن المنصات الرقمية منابر لتسليط الضوء على تلك الأحداث الصادمة.
ففي وقت غابت التغطية الإعلامية التقليدية عن الفاشر، تصدر ناشطون ومؤثرون مشهد نقل المأساة، مستخدمين مقاطع قصيرة، وصوراً مؤثرة أعادت أزمة السودان إلى واجهة الاهتمام العالمي.
من خلال هؤلاء (صناع المحتوى) خرجت القصص الإنسانية من دائرة النسيان إلى فضاء المشاركة، لتصبح المنصات الاجتماعية أكثر من مجرد فضاء رقمي، بل منبر للحقائق وذاكرة إنسانية حية لما يعيشه المدنيون في زمن الحرب.
صوت بديل
المتخصص في الإعلام الرقمي معاذ عبدالرحمن يرى أنه "في ظل غياب وسائل الإعلام التقليدية عن المشهد في الفاشر، برز صناع المحتوى كصوت بديل يحمل الحقيقة من الميدان إلى العالم".
وشدد على أهمية ما قام به هؤلاء الصناع في كسر التعتيم ونقل الصورة كما هي، فـ"ما نشهده اليوم في الفاشر يمثل تحولاً جوهرياً في مفهوم صناعة المحتوى خلال الأزمات، إذ لم يعودوا مجرد ناقلين للأحداث، بل أصبحوا صانعي ذاكرة جماعية رقمية تحفظ ما يجري وتوثق اللحظة قبل أن يبتلعها النسيان. ففي ظل انقطاع المؤسسات الإعلامية التقليدية لعب الأفراد دور المؤسسات، مستخدمين المنصات الاجتماعية كغرف أخبار متنقلة. كل بث مباشر أو مقطع قصير هو شهادة حية تخرق الصمت وتكسر التعتيم المقصود على ما يحدث في دارفور".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف، "اللافت في تجربة الفاشر أن الدور الأبرز في كسر التعتيم لم يقتصر على من هم داخل المدينة، بل امتد إلى صناع محتوى سودانيين منتشرين في دول مختلفة. فهؤلاء الشباب استخدموا المنصات الرقمية كجسور لنقل الحقيقة، فقاموا بإعادة نشر المقاطع الواردة من الميدان وتحليلها وصناعة محتوى توعوي يشرح للعالم ما يجري بلغة مبسطة ومؤثرة. هذا الشكل من التضامن الرقمي خلق شبكة إعلامية غير رسمية متكاملة بين من يوثق داخل الفاشر ومن يشرح وينشر خارجها، فكثير من الفيديوهات التي كانت ستضيع وسط تدفق الأخبار أو تحجب بسبب ضعف الإنترنت، وجدت طريقها إلى الجمهور العالمي بفضل جهود هؤلاء".
وواصل المتخصص في الإعلام الرقمي "من المهم أن ندرك أن هذا النوع من العمل ليس مجرد مشاركة على السوشيال ميديا، بل فعل إعلامي له أثر حقيقي في تشكيل الرأي العام وتحريك الوعي الجمعي داخل السودان وخارجها. لقد استطاع صناع المحتوى من الخارج تحويل المأساة المحلية إلى قضية إنسانية عالمية تناقش في الإعلام الدولي وتترجم إلى دعوات دعم وتضامن، وما حدث يؤكد أن الإعلام الرقمي لم يعد جغرافياً، والمسافة لم تعد حاجزاً أمام نقل الحقيقة، ما دام هناك إيمان ورسالة ومساحة رقمية حرة".
تأثير واضح
في سياق الدور المتنامي للمنصات الرقمية في رفع الوعي العالمي حول ما يجري في الفاشر، برزت مبادرات نسائية سودانية قادتها صانعات محتوى ومؤثرات رقميات، استطعن تحويل الألم إلى فعل إنساني مؤثر. ومن أبرز هذه المبادرات مجموعة "هن يؤثرن".
تقول الناشطة الحقوقية والشريكة المؤسسة في المبادرة نور أسامة عياض، إن "هذه المبادرة بمثابة تجمع لصانعات المحتوى السودانيات بدأ بفكرة الأختية ولدعم بعضنا بعضاً في تطوير المحتوى، وتقديم الدعم النفسي في مواجهة التنمر والهجوم والتهديدات والجرائم والمشكلات الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي التي نواجهها كنساء، نحن مجموعة مهتمة بالإنسان عموماً، وبقضايا المرأة والأطفال والمجتمع وحقوقهم ورفع الوعي والمشاركة المجتمعية الفعالة".
وعن دور المبادرة في أحداث الفاشر الإنسانية تقول عياض، "التفاعل كان كبيراً ومؤثراً ومقدراً سواء من صانعات المحتوى أو من الجمهور، وقد تخطى اثنان من الفيديوهات حاجز المليون مشاهدة، وكانا سبباً في إلهام ومشاركة أفراد ومجموعات أخرى بالمحتوى المرئي، الهدف من الفيديوهات هو رفع الوعي بالمأساة الإنسانية في بارا والفاشر والسودان وسط تعتيم وانغلاق من الإعلام العالمي".
وتابعت، "ما يمكن أن يقدمه صناع المحتوى هو أن يكونوا صوت من لا صوت له، وأن يحاولوا عكس الحقائق بموضوعية ونشر الوعي والتواصل مع العالم. التحديات كانت في صنع محتوى يركز على الجانب الإنساني دون الدخول في التعقيدات السياسية، إضافة إلى اختراق الخوارزميات التي تتعامل بحساسية مع الصور والفيديوهات والكلمات المرتبطة بالمجازر والحرب. والأهم هو مواجهة جمهور مختلف كفتيات من صور وخلفيات متنوعة، ودائماً النساء يتعرضن للعنف الإلكتروني والـ(مان سبلينغ) ومحاولات التحقير وإحباط الهمة".
وأضافت عياض "تأثير النساء السودانيات منذ بداية الحرب واضح جداً، سواء في إيجاد مصادر دخل مختلفة أو في صناعة المحتوى والإسهام في رفع الوعي. أنا فخورة بكل النساء، فكل صوت يحدث فرقاً، وكل شخص يحاول بطريقته الخاصة".
قوة عاطفية
في خضم الحرب وصوت السلاح، برزت مقاطع قصيرة باللغة الإنجليزية على منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، قدمت المأساة السودانية بعيون صانعيها لا بعدسات الغرباء. فقد كانت اللغة الإنجليزية جسراً عبر من خلاله الألم المحلي إلى العالم، فحولت القصص الشخصية من الفاشر ودارفور إلى رسائل إنسانية لامست وجدان الملايين.
تقول مي عبدالله، صانعة محتوى سودانية مقيمة في الخارج "لم يكن الهدف من هذه المقاطع ترجمة الواقع فحسب، بل ترجمته وجدانياً، وتقديم السودان للعالم بلغته، من دون أن يفقد صدقه أو هويته. ساعد ذلك في كسب تضامن منظمات إنسانية وجاليات سودانية في الخارج، كما جعل القضية حاضرة في النقاشات الدولية على الإنترنت".
واستطردت، "بدأت بتصوير فيديوهات بسيطة بالإنجليزية عما يجري في الفاشر، لم أتوقع أن تحدث فرقاً ملحوظاً، لكنني أدركت حينها أن الناس حول العالم يتفاعلون مع الإنسانية قبل السياسة. كانوا يريدون أن يسمعوا القصة من شخص عاشها، لا من تقرير بارد أو تصريح رسمي".
ومضت صانعة المحتوى في القول، "هذه المقاطع التي امتزج فيها الحزن بالأمل أعادت تشكيل صورة السودان في وعي المتابعين الأجانب. فكل قصة مترجمة، وكل نداء بالعربية أو الإنجليزية كان يضيف بعداً جديداً للقضية السودانية في الفضاء العالمي، ويؤكد أن المحتوى الإنساني حين يروى بصدق يتخطى اللغة والحدود".
رأي عام
ولأن تأثير المحتوى الإنساني لا يكتمل من دون أن يفهم في كل مكان، يوضح المتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الدولي طارق عبدالحليم "في زمن تتجاوز المعلومة حدود الجغرافيا خلال ثوان يصبح نقل المحتوى بلغات متعددة ضرورة لا ترفاً. فالقضية التي لا تروى بأكثر من لغة تظل حبيسة حدودها المحلية مهما كانت عدالتها. والمحتوى الإنساني القادم من السودان، بخاصة من الفاشر، يحمل في جوهره رسالة عالمية عن العدالة والمعاناة والصمود، لكنه يحتاج إلى لغة يفهمها العالم كي يتحول إلى رأي عام وضغط حقيقي".
وأضاف، "استخدام اللغة الإنجليزية أو أية لغة عالمية أخرى لا يعني التنازل عن الهوية، بل هو توسيع لدائرة الفهم والتضامن. حين يتحدث السودانيون عن مآسيهم وأحلامهم بلغات مختلفة فإنهم يخلقون مساحة مشتركة للتعاطف والمعرفة، ويفرضون حضورهم في النقاش العالمي بدلاً من أن يتحدث عنهم بلسان غيرهم. إن ترجمة القصص والمقاطع والصور إلى لغات العالم هو فعل مقاومة رقمية بحد ذاته، لأنه يمنع تهميش الحقيقة داخل حدود اللغة. فكل ترجمة هي نافذة جديدة تفتح نحو ضمير إنساني قد يتحرك بدافع كلمة، أو مشهد، أو نبرة صدق".
تهديد وملاحقة
تيسير صانعة محتوى من أم درمان، تقول "أن تكون صانع محتوى في زمن الحرب يعني أن تحمل الحقيقة على كف الخطر. فكل منشور، وكل بث مباشر، قد يتحول إلى تهمة، وكل محاولة لنقل الواقع قد تقابل بتهديد أو ملاحقة، وهكذا فصناع المحتوى في الفاشر وسائر السودان يعيشون حالاً دائمة من الخوف والترقب بين واجبهم في نقل الحقيقة وحاجتهم للبقاء آمنين".
وواصلت، "تراوح التحديات بين التهديدات المباشرة وعمليات المراقبة الرقمية، مروراً بسوء الإنترنت وصعوبة الوصول إلى الميدان، ووصولاً إلى الحملات المنظمة للتنمر والتشويه على وسائل التواصل. وعلى رغم كل ذلك يواصل كثر منهم العمل بإصرار، مدفوعين بإيمانهم بأن السكوت جريمة، وأن التوثيق مقاومة".
وأكدت تيسير "أحياناً نخشى نشر الفيديو أو الصورة، لكننا نخاف أكثر من أن يظل الناس بلا معرفة بالحقيقة. كثيراً ما نعمل من هواتف بسيطة أو من مناطق تعاني ضعف الاتصال بالشبكة، ومع ذلك نحاول، لأن الصوت الذي ينقل الوجع قد ينقذ حياة".