ملخص
يمثل تحديد الوظائف الجديدة التي ستظهر وكيفية إعادة تشكيل القديمة منها اتجاهاً بحثياً مهماً في عصر الذكاء الاصطناعي.
من المتوقع أن يحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في الاقتصاد العالمي، إذ تشير التقديرات إلى أنه قد يسهم بما يصل إلى 15.7 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو رقم يتجاوز إجمال الناتج المحلي لكل من الصين والهند مجتمعتين حالياً. ومن هذه القيمة، يتوقع أن يأتي 6.6 تريليون دولار من زيادة الإنتاجية، و9.1 تريليون دولار من الفوائد التي ستعود على المستهلكين، وفقاً لتقرير شركة "برايس ووتر هاوس كوبرز".
ذكر تقرير الشركة الذي يسلط الضوء على التأثير الاقتصادي المحتمل للذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط، أن الذكاء الاصطناعي يشكل مصدراً كبيراً لكل من الحماسة والقلق. وتوقع أن يسجل النمو السنوي المتوقع لمساهمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة سنوياً ما بين 20 - 34 في المئة.
وقال التقرير إنه في خضم الثورة الصناعية الرابعة، بدأت الحكومات والشركات في الشرق الأوسط تدرك التحول العالمي نحو الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وهي اليوم أمام خيارين، إما أن تكون جزءاً من هذا التحول التكنولوجي، أو أن تتخلف عن الركب، وعند النظر إلى التأثير الاقتصادي المحتمل على المنطقة، فإن التخلف عن هذا المسار ليس خياراً مطروحاً.
وتشير التقديرات إلى أن الشرق الأوسط سيجني نحو اثنين في المئة من إجمال فوائد الذكاء الاصطناعي العالمية بحلول عام 2030، أي ما يعادل 320 مليار دولار.
ووفقاً للتقرير من المتوقع أن تحقق السعودية أكبر المكاسب المطلقة من الذكاء الاصطناعي داخل المنطقة، إذ يتوقع أن يسهم هذا القطاع بنحو 135.2 مليار دولار خلال عام 2030، أي ما يعادل 12.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
قد يكون التأثير الاقتصادي أكبر من ذلك إذا واصلت الحكومات تعزيز الابتكار وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وتشير التقديرات إلى أن نمو إسهام الذكاء الاصطناعي سنوياً سيراوح ما بين 20 و34 في المئة في دول المنطقة.
ووفقاً للتقرير يعد حجم التأثير المتوقع في هذين الاقتصادين أمراً طبيعياً بالنظر إلى حجم الاستثمارات الموجهة نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي مقارنة ببقية دول الشرق الأوسط، إذ تحتل الدولتان مراتب متقدمة ضمن أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2017 من ناحية القدرة على الابتكار ومخرجاته.
وتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي داخل أربع دول خليجية، هي البحرين وعمان وقطر والكويت، بما قيمته 45.9 مليار دولار بحلول 2030، أي ما يعادل 8.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي مصر توقع التقرير أن يسهم الذكاء الاصطناعي بـ42.7 مليار دولار بحلول 2030، أي بنسبة 7.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
الشرق الأوسط يمتلك فرصة فريدة
وفقاً لـ"برايس ووتر هاوس كوبرز" تنتظر المنطقة فرصاً لا حصر لها مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ يمتلك هذا القطاع القدرة على إحداث تحول جذري في الأسواق من خلال ابتكار خدمات جديدة ونماذج أعمال غير مسبوقة. وإذا كانت الموجة الأولى من التحول الرقمي أحدثت نقلة نوعية في بيئة الأعمال، فإن انفجار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيعيد رسم المشهد الاقتصادي بالكامل، ورجح التقرير أن تكون بعض الشركات الرائدة خلال الأعوام الخمسة أو الـ10 المقبلة أسماء جديدة لم نسمع بها من قبل.
وقالت "برايس ووتر هاوس كوبرز"، إن قادة السوق في المستقبل هم من يضعون اليوم استراتيجياتهم ويستكشفون آفاق الذكاء الاصطناعي مبكراً. وتشير التقديرات إلى أن مساهمة هذا القطاع في اقتصادات الشرق الأوسط قد تصل إلى 320 مليار دولار، لكن هذا الرقم قد يكون أعلى بكثير إذا واصلت الحكومات والشركات تعزيز الابتكار وتطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي إلى أقصى إمكاناته، إذ ما زالت الفرص أمام المنطقة مفتوحة على مصراعيها.
وأشارت إلى أنه في ظل التسارع العالمي نحو تبني الذكاء الاصطناعي، تملك دول الشرق الأوسط فرصة فريدة لتصبح لاعباً محورياً في هذا التحول العالمي، خصوصاً إذا استثمرت في تعزيز القدرات التقنية والبشرية بما يضاعف أثر الذكاء الاصطناعي على اقتصاداتها.
هيكلة التعليم وبرامج قوى السوق
قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات وضاح الطه لـ"اندبندنت عربية"، إن "الحديث أصبح عن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل والتهديد الذي يشكله على الوظائف، وبالتأكيد هناك وظائف مهددة بالانتهاء، وهذا يشكل تهديداً لعدد كبير من العمال، لكن خلال الوقت نفسه هناك الجانب المشرق للذكاء الاصطناعي، إذ يولد عدداً كبيراً من الوظائف الجديدة التي تتطلبها تقنياته، مثل مراكز البيانات، التي اعتبرها أساس وقلب الذكاء الاصطناعي".
وأشار الطه إلى أن التقدم التكنولوجي يخلق وظائف جديدة باستمرار، وستختلف طبيعة واتجاهات التعليم لتلبية المتطلبات الجديدة والتطورات المستقبلية، وهذا ما يجب أن يعطى الأولوية في المنطقة.
وأضاف الطه "من المهم الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة في مجالات مراكز البيانات، وتطوير وصيانة النظم الذكية، واستخدام الروبوتات، وتحليل البيانات الضخمة، وهو ما يتطلب ليس فقط هيكلية تعليم جديدة، بل أيضاً برامج تدريبية متطورة للقوى العاملة الموجودة حالياً في السوق".
وتناول الطه نقطة مهمة حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على العالم بأسره، موضحاً أن التأثير الأكبر سيكون على الدول المتقدمة، وليس على الدول النامية. وقال "من الصعب تطبيق نفس وتيرة الاستغناء عن الوظائف في الدول النامية، بالتالي فإن درجة التأثير هناك أقل بكثير. وعلى العكس، تمتلك الدول النامية فرصة أكبر للاستعداد، وتعزيز إمكاناتها الاقتصادية، من خلال تطوير التعليم والتدريب وتأهيل القوى البشرية لمواجهة الهيكلية الجديدة لسوق العمل التي يفرضها الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام المقبلة".
"الآلة لا تمرض ولا تحتاج إجازات أو حوافز"
قال محلل الأسواق العالمية أحمد حسن كرم إن العالم لم يدرك في البداية أن الذكاء الاصطناعي سيكون مستقبل البشرية الجديد، مشيراً إلى أنه "عندما بدأ ظهوره، لم يكن أحد يتوقع أن يصبح بهذه القوة أو أن يُعتمد عليه بصورة شبه كاملة خلال فترة قصيرة".
وأضاف كرم أن الذكاء الاصطناعي بدأ بخطوات محدودة في مجالات تقنية وإنتاجية ضيقة، "لكن سرعان ما تطور ليصبح قادراً على التفكير والتحدث كإنسان، وبأي لغة يريدها المستخدم، سواء بصوت رجل أو امرأة أو حتى بصوت شخصية مشهورة".
وأشار إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة جعل الشركات الكبرى حول العالم تعتمد عليه بصورة متزايدة في تسيير معاملاتها وتنظيم شؤونها الإدارية الداخلية والخارجية. وأوضح أن "عدداً من هذه الشركات بدأ بالفعل تقليص أعداد موظفيه بسبب الاعتماد على هذه التقنيات، مما قد يشكل تهديداً حقيقياً للوظائف التقليدية، وربما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي".
وأكد كرم أن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم ينجز المهام بدقة وسرعة تفوق قدرات الإنسان، مما يعزز الاعتماد عليه داخل القطاعات الإنتاجية والخدمية. وأضاف "الآلة لا تمرض ولا تتعب، ولا تحتاج إلى إجازات أو حوافز، وهذا ما يجعلها خياراً مفضلاً لدى الشركات التي تبحث عن الكفاءة وتقليل الكلفة".
وأوضح أن الوظائف المستقبلية في عصر الذكاء الاصطناعي ستتركز في تطوير وصيانة أنظمته وبرامجه، فيما ستتراجع الحاجة إلى عدد من المهن الأخرى.
وختم كرم قائلاً "التغيير قادم وبسرعة، ومن لا يمتلك قيمة حقيقية أو مهارة متخصصة في مجال عمله سيكون أكثر عرضة لفقدان وظيفته في المستقبل القريب".
400 مليار دولار لتطوير الذكاء الاصطناعي
عالمياً، تخطط شركات التكنولوجيا الكبرى في "وادي السيليكون" لإنفاق نحو 400 مليار دولار هذا العام على جهود تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن جميعها ترى أن هذا المبلغ لا يكفي، إذ سعت شركات مثل "ميتا"، و"غوغل"، و"مايكروسوفت" و"أمازون" لطمأنة المستثمرين بعد الإعلان عن أرباحها الأخيرة، إذ نجحت "غوغل" و"أمازون"، بينما لم تنجح "ميتا" و"مايكروسوفت".
وأشار بعض الاقتصاديين إلى أن التوجه نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة مزيد من الوظائف يلعب دوراً أيضاً، إذ أفاد كتاب "البيج" الأخير لـ"الاحتياطي الفيدرالي" (يُنشر ثماني مرات سنوياً، ويجمع كل بنك احتياطي فيدرالي معلومات قصصية حول الوضع الاقتصادي الحالي) بأن عدداً من أصحاب العمل بدأوا في تقليل عدد الموظفين من خلال التسريحات والتقاعد المبكر، مستشهدين بتراجع الطلب، وزيادة حال عدم اليقين الاقتصادي، والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات.
أرباب العمل والتخلي عن سياسة "تكديس العمالة"
وبينما تشير الأدلة إلى أن الذكاء الاصطناعي يقلص الطلب على بعض الوظائف مثل تطوير البرمجيات، فإن مدى تأثيره الأوسع على أتمتة الوظائف الأخرى يبقى صعب التحديد.
ومع ذلك، حتى لو لم تتمكن الشركات بعد من تطبيق الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، فإن الاعتقاد بإمكانية استخدامه مستقبلاً قد يجعل بعض أرباب العمل أكثر ارتياحاً للتخلي عن سياسة "تكديس العمالة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعلنت شركات مثل "وولمارت" و"فورد" و"جيه بي مورغان تشيس" و"أمازون" أنها تتوقع أن يسمح لها الذكاء الاصطناعي بإلغاء وظائف معينة، ففي الولايات المتحدة لوحظ أن "تكديس العمالة" كان ملحوظاً خصوصاً في الوظائف ذات الأجور العالية، إذ يكون من الصعب العثور على موظفين جدد بالتالي يكون "فقدانهم مكلفاً"، لذا فإن هذه الوظائف كانت غالباً في الصناعات التقنية والمهنية، وهي المجالات التي قد تتأثر بصورة كبيرة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي قادم لا محالة
اليوم، يدرك الرؤساء التنفيذيون والعلماء المتخصصون في سوق العمل أن الذكاء الاصطناعي قادم لا محالة. ويبقى السؤال الأهم، هل يدرك العمال أنفسهم حجم التغيير القادم؟
إذ كانت أصدرت "مايكروسوفت" في الصيف الماضي تقريراً شاملاً حول المهام والوظائف الأكثر عرضة لخطر استبدال الذكاء الاصطناعي بها، مما يشكل دليلاً عملياً لاستشراف مستقبل العمل.
وضمت القائمة الوظائف الأكثر تهديداً مثل المترجمين الفوريين والمترجمين التحريريين، في حين عدت مشغلي الجرافات والكسارات من أقل المهن تأثراً بالتقنيات الجديدة.
ويبقى السؤال حول كيفية إعادة تشكيل الوظائف لمهامها في ضوء التقدم السريع للذكاء الاصطناعي، فقد تتغير طبيعة بعض الوظائف لتشمل أنشطة جديدة، كما حدث مع صرافي البنوك وأجهزة الصراف الآلي.
وقد تظهر وظائف جديدة تماماً نتيجة صعود الذكاء الاصطناعي، تقوم بأنواع عمل لم تكن موجودة من قبل، وهذه ليست ظاهرة جديدة، فمعظم الوظائف الحالية ظهرت خلال المئة عام الماضية نتيجة للتقدم التكنولوجي. في حين يمثل تحديد الوظائف الجديدة التي ستظهر وكيفية إعادة تشكيل الوظائف القديمة اتجاهاً بحثياً مهماً في عصر الذكاء الاصطناعي.
لذا من المهم مستقبلاً متابعة حدود قدرات الذكاء الاصطناعي المتغيرة، ومعرفة أي الوظائف تتداخل أكثر أو أقل مع هذه الحدود المتحركة، وهو ما يساعد في استخدام الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت لفهم كيفية استغلال القدرات الجديدة.
أيضاً من المهم تحديث فهمنا للأنشطة الوظيفية وهذا سيكون أمراً حاسماً مع استمرار الذكاء الاصطناعي التوليدي في تغيير طريقة أداء العمل، لضمان استغلال هذه التكنولوجيا بصورة فعالة ولتوجيه السياسات الاقتصادية وسوق العمل.