Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الدين البيئي" يرهق تونس ويهدد مخزون المستقبل

استهلاك البلاد من الطاقة والمياه تجاوز الحصة المقررة لعام كامل منذ الـ28 من أكتوبر ودعوات إلى التسريع في استخدامات الطاقات النظيفة

تحذيرات من الإفراط في استهلاك الطاقة وإجهاد الطبيعة في تونس (أ ف ب)

ملخص

تشعر تونس من خلال مؤسساتها بهذه التحديات التي تعيشها، وعلى رغم ضعف الإمكانات المادية وضمن هذا السياق افتتح كاتب الدولة المكلف الانتقال الطاقي السيد وائل شوشان قبل أيام بالعاصمة فعاليات الندوة الوطنية، حول "تقديم رؤية المنظمة التونسية للطاقات النظيفة ومقترحات للتسريع في الانتقال الطاقي".

أصبحت تونس خلال الأعوام الأخيرة تتجاوز مواردها الطبيعية غالباً بعد منتصف العام، أي إنها تستهلك مواردها أسرع مما يمكن للكوكب أن يجددها خلال عام. ويأتي هذا الاستهلاك المتسارع في ظل تلوث متزايد تعيشه البلاد، وضعف إدارة أزمة المياه ونقص الطاقة، ليطرح تساؤلات جدية حول ضرورة تغيير أسلوب الحياة للمحافظة على نصيب الأجيال القادمة.

دخلت تونس منذ الثلاثاء الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في ما يسمى "Overshoot Day" أي "يوم تجاوز الأرض" أو كما يعرفه المتخصص في المناخ حمدي حشاد بـ"الدين البيئي"، ويفسر المتخصص ضمن تصريح خاص أن "هذا التاريخ هو الذي استهلك فيه بلدنا كل حصته من موارد الأرض المتجددة لعام كامل"، مضيفاً "بعد ذلك اليوم نعيش بالدين البيئي ونستهلك من مخزون المستقبل، أي ماء أقل وطاقة أغلى ومناخ أسخن، بالتالي نحن اليوم نقترض من مستقبل أولادنا".

كوكب مستنزف

يقول حشاد إن "هذا الوضع لا يخص تونس فقط بل يشترك فيه غالب البلدان، وبخاصة تلك التي تستهلك كثيراً من الطاقة"، موضحاً "الدول الغنية تصل إلى هذا اليوم باكراً جداً، أحياناً خلال مارس (آذار) أو أبريل (نيسان)، وهناك دول أخرى تصل متأخرة أو لا تصل إليه، إما لأن استهلاكها أقل أو لأن فقرها يقلل من الأثر".

ويضيف "هذا إن دل على تقدم البلدان في الاستهلاك فهو مؤشر يدق ناقوس الخطر ويضعنا أمام تساؤل كبير، هل نعيش فوق قدرة بيئتنا؟ وهل نترك الطبيعة تتعافى؟ أم نترك لأبنائنا كوكباً مستنزفاً؟".

ويواصل حشاد "صحيح أن استهلاك الفرد في تونس أقل بكثير من بلدان غنية، لكن هذا لا يمنع أن نقف لحظة تأمل ونفكر في إمكانية ترشيد لاستهلاكنا الفوضوي، وأن نراجع عاداتنا الاستهلاكية ونغير المنظومة التي تدفعنا للاستهلاك المفرط أحياناً على حساب الماء والطاقة والموارد الطبيعية الأخرى"، معتبراً أن "كل ما نعيشه منذ بداية بزوغ الشمس يجرنا إلى استهلاك الطاقة وإجهاد الطبيعة، انطلاقاً من هواتفنا الذكية مروراً بتبذير كل الطاقات واستهلاك المياه من خلال عادات خاطئة يجب تغييرها، إن كانت في الاستهلاك اليومي أو من خلال سياسات فلاحية خاطئة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكمثال، ذكر حشاد معدل استخدام البصمة الكربونية في وسائل التواصل الاجتماعي لكل شخص والتي "قدرت بنحو 1.15 غرام CO₂e في الدقيقة يعني نحو 60 كغ CO₂e خلال العام إذا استهلكنا 145 دقيقة في اليوم، وتقديرات انبعاثات لكل دقيقة تمر على هذه الوسائل نحو 2.6 - 2.9 غرام CO₂e والدقة تختلف حسب الجهاز والشبكة ودقة الفيديو".

والبصمة الكربونية هي إجمال الغازات الدفيئة الناتجة من الانبعاثات الصناعية أو الخدمية أو الشخصية، وقياسها يكون سعياً للحد من الآثار السلبية لتلك الانبعاثات.

وتعد النشاطات البشرية من الأسباب الرئيسة لهذه الانبعاثات والغازات الدفيئة. وتزيد هذه الانبعاثات في ارتفاع درجة حرارة الأرض وهي تصدر نتيجة استخدام الوقود الأحفوري في الكهرباء ومن منتجات ثانوية أخرى للتصنيع.

ولهذا دعا حمدي حشاد إلى التسريع في استخدامات الطاقات النظيفة وأيضاً التقليص من استخدامات البلاستيك وتثمين النفايات التي يمكن تدويرها، معتبراً أن "الاستهلاك الذكي للطاقة والموارد الطبيعية ليس حرماناً بل هو حسن تصرف في الموارد المالية والطبيعية".

تحديات وضعف إمكانات

تشعر تونس من خلال مؤسساتها بهذه التحديات التي تعيشها، وعلى رغم ضعف الإمكانات المادية وضمن هذا السياق افتتح كاتب الدولة المكلف الانتقال الطاقي السيد وائل شوشان قبل أيام بالعاصمة فعاليات الندوة الوطنية، حول "تقديم رؤية المنظمة التونسية للطاقات النظيفة ومقترحات للتسريع في الانتقال الطاقي".

وأكد وائل شوشان ضمن مداخلته أن الاستراتيجية الوطنية الطاقية تهدف إلى التقليص من العجز الطاقي وتطوير الاستثمار في الطاقات المتجددة لبلوغ 35 في المئة من إنتاج الكهرباء من الطاقات النظيفة في أفق عام 2030 وبناء منظومة طاقية متوازنة قادرة على تلبية حاجات البلاد المستقبلية.

وأوضح أنه اعتمد هذه الاستراتيجية بهدف تنويع مصادر الطاقة واستغلال الطاقات المتجددة المحلية.

 

واعتمدت وزارة الفلاحة والموارد المائية التونسية سابقاً، عدداً من الإجراءات لترشيد استهلاك المياه.

وتمثلت تلك الإجراءات في ترشيد استعمال مياه الشرب عبر شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في الأغراض الفلاحية وري المساحات الخضراء وتنظيف الشوارع والأماكن العامة وغسل السيارات.

إلا أن كل هذه الإجراءات يبدو أنها لم تعط أكلها ولم تنجح في تكريس ثقافة ترشيد الاستهلاك لدى الفرد، وفي هذا السياق يرى رئيس المنظمة التونسية لإرشاد الاستهلاك لطفي الرياحي أنه ليس لدى تونس سياسة واضحة لتكريس ثقافة ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، مضيفاً في تصريح خاص أن "التوعية بهذا الأمر المهم والحياتي تبقى مرتبطة بالمناسبات عند ذروة الاستهلاك خلال فصل الصيف أو على غرار تواصل أعوام الجفاف عندما اتخذت الدولة إجراءات عدة، لكن لم نر تطبيقاً أو مراقبة للمخالفين على أرض الواقع"، مواصلاً "طالما لم نخطط لبرنامج تعليمي حول الثقافة الاستهلاكية فلن نصل إلى هدفنا".

من جهته، يقول الباحث البيئي والمستشار السابق في وزارة البيئة مهدي العبدلي إنه "لا توجد سياسات وبرامج واضحة من طرف الدولة التونسية بخصوص التوعية البيئية المتعلقة بترشيد الاستهلاك". ويضيف "حتى إن وجدت هذه البرامج فهي مقدمة من مانحين أجانب وهي برامج مرتبطة بمناسبات معينة"، مواصلاً "يبقى تقييم هذه البرامج واستمراريتها ضعيفاً أو مغيباً على أرض الواقع، بالتالي فهو من دون جدوى".

ويتابع "التربية البيئية في المناهج الدراسية لا تزال محدودة، ومقتصرة على دروس جانبية ضمن مواد أخرى. وهذا الوضع يظهر أن أولويات وسياسات الدولة لا تزال بعيدة من الاهتمام البيئي، على رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها تونس خلال الأعوام الأخيرة، لا سيما آثار التغيرات المناخية التي باتت تؤثر مباشرة على حياتنا اليومية، مثل نقص المياه".

وتواجه تونس تحديات مناخية كبيرة، أهمها تزايد العجز الطاقي نتيجة انخفاض الإنتاج وتزايد الاستهلاك، وتفاقم آثار تغير المناخ كالجفاف وندرة المياه والفيضانات. وتواجه تحديات مرتبطة بالتحول الطاقي مثل ارتفاع كلفة البنية التحتية، وتقلب إنتاج الطاقة المتجددة، وحوكمة الشراكات الدولية مع المستثمرين.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة