Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما خسرناه في غزة أعظم من أن تحتمله قلوبنا

أن تعيش في غزة معناه أن تحيا تحت وطأة هدنة هشة فيما تحاول مداواة جراح تشهد على صراع داخلي قد يستمر لسنوات طويلة مقبلة

"لاحقاً، مشيت في شوارع غزة والتقطت أجمل الصور على الإطلاق. فلا قذائف تنهمر من السماء، ولا شهداء جدداً، ولا جرحى يصلون إلى مستشفياتنا المكتظة" (سارة عوض)

ملخص

تصور سارة عوض في شهادتها وجع الحياة في غزة بعد حرب مدمرة، حيث تبدو الهدنة هشّة والسلام غريباً، فيما يواصل الناس صراعهم الداخلي للبقاء وسط الحصار والخوف، وقد غيّرتهم الحرب إلى الأبد وعلّمتهم أن الصمود وحده هو شكل الحياة الممكن الآن.

أخط هذه السطور في اليوم الـ13 من الهدنة المزعومة. ومنذ أن دخل الاتفاق حيز التنفيذ في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انتهكته إسرائيل مراراً وتكراراً، ولم تكن تعد للالتزام به إلا إن كان ذلك يناسبها. وبالتالي، ليس هذا الاتفاق، على ما يبدو، سوى حبر على ورق.

أما واقعنا على الأرض في غزة فمغاير تماماً، فالخوف يبقى سيد الموقف، والأمور لا تزال على حالها. وما دامت الحدود مغلقة، وكميات المواد الغذائية المسموحة مقيدة، وما دام كل ما يسمح بإغاثة غزة محظوراً من الجانب الإسرائيلي، لن يسعنا الشعور يوماً بسلام حقيقي.

وأرى في نفسي حنيناً لتلك اللحظات الوجيزة التي تلت إعلان الهدنة، حيث راح الناس يهتفون: "إنها النهاية! إنها نهاية الحرب". وأنا شخصياً لم أصدق ذلك، فقد تعلمنا التريث قبل الوثوق بالأمل. ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ سنتين، تصورنا أنه سيتسنى لنا أخيراً تنفس الصعداء والخلود للنوم والغرق في الأحلام بكل حرية.

بعد صدور الإعلان، جلسنا بصمت، غير متأكدين مما يجب أن نشعر به أو نفعله. فما خسرناه كان أكبر بكثير من قلوبنا. وفعلياً، كدنا ننسى تماماً ما يبدو عليه يوم طبيعي. ومن ثم، كانت سنتان كافيتين لحثنا على الاعتقاد أننا ما عدنا نستحق السعادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في وقت لاحق، مشيت في شوارع غزة والتقطت أجمل الصور على الإطلاق. فلا قذائف تنهمر من السماء، ولا شهداء جدداً، ولا جرحى يصلون إلى مستشفياتنا المكتظة. كنا نردد أنها بدت كأول أيام العيد.

لكن لنتحدث بواقعية. هذا الختام لا يعني أننا سننسى ما عانيناه. لا أحد خارج مدينتنا يمكنه أن يفهم ما مررنا به. لا توجد كلمات تصف ذلك. لقد كان الأمر يتعلق بحياتنا، بأماننا، وبمستقبلنا. حياتي خلال الحرب كانت مثقلة بحزن لا يُحتمل.

نجوت من مجاعتين – الأولى من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) 2024 في شمال قطاع غزة، والثانية من مارس إلى يوليو (تموز) 2025. وقد توسلنا العالم للحصول على الطعام. وما زلت حتى الآن أذكر الليالي التي قضيتها أبكي من الألم. كان ذلك فراغاً يائساً لم أعرفه من قبل. وللمرة الأولى في حياتي، شعرت بالجوع الحقيقي.

بيد أن الحصار الكامل الذي فرضته الدبابات الإسرائيلية كان أسوأ حتى. فبعد شهرين فقط من اندلاع الحرب، بقينا عالقين في منزلنا، ذلك المكان الذي لا أزال أحمله في قلبي على أمل العودة إليه عما قريب. وقد حُشر ضمن هذه المساحة الضيقة 30 شخصاً من أقاربي، بينما أمطرت الغارات متواصلة محيطنا. ولم يكن يسعنا الهرب، واعتقدنا فعلاً أنها النهاية.

وقد بكينا جميعاً خائفين، بدءاً بالأطفال الصغار ومروراً بالكبار المسنين. ونفد كل ما كان يلزمنا للبقاء على قيد الحياة، فلا طعام، ولا مياه ولا كهرباء ولا إنترنت للتواصل مع أحد. وبعد مرور ثلاثة أيام على بقائنا محتجزين في الداخل، صرنا نخلد للنوم ونستيقظ متسائلين كيف لا نزال على قيد الحياة.

لقد صقلتني الحرب منذ أشهرها الأولى. فقد دخلتها في سن الـ19، وخرجت منها في سن الـ21، وغيرتني إلى الأبد، من دون رجعة إلى سارة القديمة. وأذكر كيف كان أبي يطلب مني أن أهتم بأمي وبأشقائي في حال أصابه أي مكروه. وفي بعض الأحيان، كنا نبقى، حتى نحن، عاجزين عن فهم الألم الذي حملناه في داخلنا.

إن كل فرد منا في غزة يحمل في داخله حرباً، ولكن من دون قذائف. بل هي حرب نخوضها منفردين، إلى الأبد. والعبء النفسي لهذا الصراع أعاد صقل معالم كل شيء – حتى الطريقة التي نحلم فيها. وضيّق نطاق تركيزنا ليقتصر على الصمود والنجاة. فتعلمنا أن يقتصر تفكيرنا على الطعام وتأمين مأوى والبقاء على قيد الحياة. ومن ثم، قتلت الحرب كل حس بالسعادة لدينا.

وحتى الآن، وبعد اتفاق الهدنة، يبدو كل شيء غريباً وعجيباً. فكأن السلام ما عاد يناسبنا، وما عدنا نتقبل أصوات الطبيعة. ونحن ننحني أمام السكون بعد أن كنا قد اعتدنا سماع طنين المسيرات الإسرائيلية المستمر فوق رؤوسنا.

في ساعات الصباح الأولى من يوم أمس، وبعد أن تعذر عليّ الخلود للنوم، خرجت من الخيمة التي تؤوي عائلتي وجلست بصمت. لقد كان جسمي متأهباً للخطر لدى سماع أي ضجيج. وعندما أدركت أن أحد الأصوات التي ذعرتني هو صوت أمواج البحر المتوسط التي تصطدم بالشاطئ، غمرني شعور بالفرح العارم، للمرة الأولى منذ الأزل. وفرحت لسماع صوت الطبيعة مجدداً، وحزنت لأنني نسيت هذا الشعور. فكم كنت مشتاقة لهذا الشعور بأن الحياة تسير بشكل طبيعي.

ما عدت الإنسانة ذاتها التي دخلت هذه الحرب، ولا يزال المستقبل معلقاً وسط الصمت. لكنني بقيت صامدة. ولعل هذا وحده يكفي الآن.

سارة عوض طالبة لغة إنكليزية تقيم في مدينة غزة.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات