ملخص
على رغم تباين "إحداثيات" الوصول إلى الديمقراطية، إلا أنه بدخول القرن الـ21 ارتفعت الآمال بتزايد النزوع نحو الديمقراطية، بعد سنوات من تفكك الاتحاد السوفياتي وتهيئة المشهد الدولي لصالح المعسكر الغربي الذي دائماً ينادي بنشر قيم الديمقراطية.
ظل نظام الحكم سؤالاً ملحاً في العالم طوال القرن الـ20، لكن "الديمقراطية" فرضت نفسها على أدبيات معظم دول العالم بحلول نهاية ذلك القرن، إذ أصبحت تلك الدول تقول إنها تطبق قواعد الديمقراطية، لكن ظل مفهوم تلك الكلمة التي يرجعها بعضهم إلى عصر الإغريق مختلفاً عليه، كل يراه بعين ثقافته وتاريخه وأحياناً مصلحته، إذ يراها بعضهم مفهوماً شاملاً لتداول السلطة وتطبيق حقوق الإنسان والعدالة وسيادة القانون، بينما تركز بعض الدول على حقوق الإنسان في الجانب الاقتصادي وتغض الطرف عن تداول حقيقي للسلطة، فيما دول أخرى تتداول فيها السلطة لكن تتراجع فيها الحريات.
وعلى رغم تباين "إحداثيات" الوصول إلى الديمقراطية، إلا أنه بدخول القرن الـ21 ارتفعت الآمال بتزايد النزوع نحو الديمقراطية، بعد سنوات من تفكك الاتحاد السوفياتي وتهيئة المشهد الدولي لصالح المعسكر الغربي الذي دائماً ينادي بنشر قيم الديمقراطية.
العرب بين محاولة إصلاح داخلي وتدخل خارجي
المنطقة العربية استقبلت الألفية الثالثة بنظرة مختلطة تجاه الديمقراطية، فمن ناحية كان الزعماء الرئيسون يسيطرون على الحكم من دون أفق لتداول السلطة، مثل حسني مبارك في مصر وصدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا، ومن ناحية أخرى كان تولي الملك عبدالله في الأردن والملك محمد السادس في المغرب إيذاناً بجيل جديد من القادة العرب، وتبعهم بشار الأسد في سوريا، الذي بدأ عهده بمؤشرات إيجابية عن الديمقراطية التي كانت مفهوماً غائباً تحت حكم أبيه لثلاثة عقود، إلا أن الأسد الابن أطلق العنان لآمال التغيير بحديثه عن أن "الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقاً لنا"، وفق تعبيره في خطاب تولي الرئاسة في يوليو (تموز) عام 2000، مما كان إيذاناً بانفتاح سياسي وحراك حقوقي أطلق عليه "ربيع دمشق" لكنه لم يدم سوى بضعة أشهر، انتهى بإلقاء الأمن القبض على سياسيين.
محاولة التغيير من الداخل انقلبت إلى فرض للديمقراطية بالقوة، باحتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003، بهدف إسقاط نظام صدام حسين، في حرب بررها الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الابن بأنها "لتحرير الشعب العراقي"، واستخدمت حجة "نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط" كمسوغ للاحتلال، لكن بعد نحو 20 عاماً من إسقاط نظام صدام كتب الأكاديمي الأميركي فرانسيس فوكوياما في مقالة بمجلة "Journal of democracy" عام 2021 أن غزو العراق كان "خطأ سياسياً هائلاً" أضعف صدقية نشر الديمقراطية عالمياً، مؤكداً أن القوة العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان أدت إلى انتشار جماعات الإرهاب مثل داعش وتعزيز نفوذ إيران، كما أيد الرأي القائل إنه لا يمكن "تصدير" الديمقراطية، من دون بناء قدرات الدولة أولاً.
جدل أسبقية بناء الدولة أم نشر الديمقراطية، اعتبر فيه عراق ما بعد صدام نموذجاً واضحاً، على رغم تداول السلطة مرات عدة منذ 2003، ففي بحث أجراه الباحثان بالجامعة المستنصرية في العراق حميد نفل البداوي وصبا حميد التميمي، خلصا إلى أن سياسات الولايات المتحدة بعد الغزو أضعفت مؤسسات الدولة العراقية، وبالتالي لم تكن قادرة على إرساء ديمقراطية بعيداً من المحاصصة والطائفية.
ويشير تقرير صادر عن مؤسسة "راند" للأبحاث عام 2010 إلى أنه على رغم ترويج واشنطن لنشر الديمقراطية باعتباره أحد دوافع غزو العراق، إلا أن تداعيات الحرب غيرت أو أوقفت الضغوط الأميركية الهادفة لما يسمى بالإصلاح السياسي في الدول العربية، وجعلته يتأخر في قائمة أولويات السياسة الأميركية بالمنطقة لصالح قضايا أخرى مثل مواجهة النفوذ الإيراني.
وينبه التقرير إلى ما يراه استفادة للنظم السياسية العربية التقليدية من احتلال العراق بصورة غير مباشرة، بتخفيف وطأة الضغوط الأميركية لإحداث إصلاح ديمقراطي حقيقي، إذ اكتفت معظم النظم العربية بتغييرات شكلية، وأقصت أية معارضة بحجة حفظ السلم ومواجهة الإرهاب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الربيع العربي
أما التحول الأبرز نحو الديمقراطية في العالم العربي فكان باندلاع الثورات التي سميت بالربيع العربي، انطلاقاً من تونس في نهاية 2010، مما أسفر عن سقوط رؤساء تونس ومصر وليبيا في غضون بضعة أشهر، ولاحقاً اليمن، فيما استمرت تداعيات الثورة السورية إلى أن سقط بشار الأسد العام الماضي.
وعلى رغم تباين المطالب باختلاف الدول فإن الهتاف الأشهر في الثورة المصرية "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" يمثل ملخصاً لأهداف الثورات العربية، إذ عد معظم المشاركين في استطلاع أجراه "البارومتر العربي"، وهو هيئة بحثية مستقلة، عام 2011، الوضع الاقتصادي هو السبب الأول للثورات، كما اعتبر المشاركون في ثمان من أصل 10 دول عربية أن الديمقراطية أفضل نظام للحكم.
إلا أن الوضع تغير بعد الابتعاد من لحظة "الحالة الثورية"، ففي استطلاع مماثل عام 2018-2019، قال المشاركون من سبع دول من أصل 12 دولة أن الديمقراطية الطريقة المثلى للحكم، على رغم تشابه المصاعب الاقتصادية مع الفترة التي سبقت "الربيع العربي"، وهو ما يرجعه الباحثان في البارومتر العربي أماني جمال ومايكل روبنز، إلى استيعاب الشعوب العربية أن الديمقراطية لا تنتج بالضرورة تحسناً اقتصادياً، وأشارا إلى ثلاث دول عربية تتداول فيها السلطة بصورة منتظمة، وهي لبنان وتونس والعراق، وعلى رغم ذلك فشلت حكوماتها في تشكيل اقتصاد قوي.
وبحسب مؤشر الديمقراطية العالمي الذي تصدره وحدة الأبحاث التابعة لمجموعة "إيكونوميست" البريطانية للإعلام، تتذيل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التصنيف، بعدما سجلت 3.12 درجة العام الماضي مقارنة بـ2.23 عام 2023 على مقياس الديمقراطية المؤلف من 10 درجات، ويعتمد على قياس التزام الدول ببعض المعايير مثل العملية الانتخابية والتعددية والكفاءة الحكومية والمشاركة السياسية والحريات المدنية. وتفوقت على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حتى دول أفريقيا جنوب الصحراء التي سجلت معدل أربع درجات.
ويعدد الأكاديميان في جامعة بنغازي الليبية شكري عاشور السويدي وإيهاب عطية الفارسي عوائق الانتقال الديمقراطي في الدول العربية، في دراسة نشرت العام الماضي بعنوان "التحول الديمقراطي في الوطن العربي المحددات والمعوقات"، ومن أبرزها استمرار البنى التقليدية على مستوى المجتمع والسلطة السياسية معاً واعتماد المواطن العربي على الدولة في كل مناحي الحياة تقريباً، "مما يضعفه أمام السلطة ويقصيه عن المشاركة بها ويقلل من فعله السياسي العام"، كما أشارا إلى غياب الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مما يحول العملية الانتخابية أحياناً إلى عملية لشراء الأصوات، مؤكدين أنه من الصعب تطوير أي مجتمع سياسياً من دون النظر للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، وإلا ستصبح الأحزاب مجرد غطاء لشخصيات قبلية أو ذوي النفوذ.
ترمب وقيم الديمقراطية
الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها حاملة راية الديمقراطية في العالم يرى عدد من الخبراء أن قيم الديمقراطية لديها في تراجع، خلال السنوات الـ10 الأخيرة التي صبغت بصورة الرئيس دونالد ترمب، الذي جاء بعملية انتخابية ديمقراطية، لكنه على رغم ذلك منذ بداية ولايته الأولى (2017-2021) شكل تهديداً للديمقراطية، بحسب ورقة بحثية للأكاديمي بجامعة "باسيفيك" بولاية كاليفورنيا مايكل فيتييلو، إذ رأى أن ترمب عمل على تغيير "الأعراف السياسية الأميركية" من خلال مهاجمة الإعلام وترويج إدارته لما يسمى بـ"الحقائق البديلة"، والضغط على مسؤولي القضاء والاستخبارات، وأدى ذلك إلى تآكل الثقة العامة في الإعلام ومؤسسات الدولة.
كذلك، حذر الباحث ويليام جالستون من تكرار استخدام ترمب صلاحية الأمر التنفيذي لتجاوز السلطة التشريعية (الكونغرس)، إضافة إلى مهاجمته القضاء من خلال وصف القضاة الذين أصدروا أحكاماً ضده بالناشطين اليساريين، بما يقوض صورة القضاء، مشيراً في مقالة بموقع مركز بروكنجز للدراسات إلى أن تراكم السلطات في يد شخص واحد قد يعد "تعريفاً للاستبداد"، وهو ما يصفه بالكابوس على الديمقراطية الدستورية.
وخلال أول 100 يوم فقط من ولايته الثانية، وقع الرئيس الأميركي أكثر من 100 أمر تنفيذي، عدد كبير منها لإلغاء قرارات كان قد أصدرها سلفه جو بايدن.
الانتخابات الشفافة التي تعد أحد ركائز الديمقراطية التي تباهي بها الولايات المتحدة تعرضت إلى هزة ثقة في العقد الأخير، فبعد انتخابات عام 2016 بين ترمب ومنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون ظهرت شكوك حول تدخل روسي في توجيه الرأي العام الأميركي، أثبت لاحقاً بتقرير للاستخبارات الأميركية. أما انتخابات 2020 بين ترمب وبايدن فقد شهدت حملة تشكيك واسعة النطاق في النتائج قادها الخاسر حينها، الرئيس ترمب نفسه وأنصاره، بلغت حد اقتحام مبنى الكابيتول في محاولة لمنع التصديق على النتائج، مما شكل صدمة لصورة الديمقراطية الأميركية، ولا يزال ترمب يشكك في نتائج ذلك التصويت.
وحدد الباحثان اريك اوربي وجوناثان كاتز، في مقالة بمركز بروكنجز، أخطاراً تهدد ثلاث ركائز أساسية للديمقراطية الأميركية في ولاية ترمب الثانية، وهي نزاهة الانتخابات من خلال قرارات تنفيذية تعمق انعدام الثقة في النظام الانتخابي، وتقويض سيادة القانون بالعفو أو تخفيف العقوبة على 1500 من أنصاره المتهمين في أحداث الكابيتول، إضافة إلى غياب مكافحة الفساد، وهو ما ظهر في منح الملياردير إيلون ماسك، الذي لدى شركاته عقود تجارية مع الحكومة سلطة مطلقة لمراقبة دولاب العمل الحكومي. واستقال ماسك لاحقاً، بعد خلاف مع ترمب في شأن الموازنة الحكومية.
ويخلص الباحثان إلى أن الحفاظ على الديمقراطية ليست فقط مسؤولية الحكومة، بل يعتبر من واجب المواطنين والمجتمع المدني والحكومات المحلية ووسائل الإعلام العمل على مواجهة أي قرارات تهدد القيم الديمقراطية للولايات المتحدة من جانب إدارة ترمب.
أوروبا صعود وهبوط
الديمقراطية الأوروبية مرت بمراحل من الصعود والهبوط خلال الربع قرن الأخير، فقد بدأت الألفية بتقدم ملاحظ عبر توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً لضم دول كانت ضمن ما يسمى بالمعسكر الشرقي وبعضها كانت تشكل جزءاً من أراضي الاتحاد السوفياتي، ففي عام 2004 ضم الاتحاد 10 دول جديدة هي التشيك وإستونيا والمجر ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا وقبرص ومالطا، ثم بلغاريا ورومانيا في 2007، وفق معايير كوبنهاجن التي تشترط وجود نظام ديمقراطي يضمن الحق في المشاركة السياسية وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
وأسهم الاتحاد الأوروبي في تعزيز المعايير الديمقراطية بالدول المنضمة حديثاً من خلال دعم المجتمع المدني ومشاركة المواطنين، وفق دراسة أجريت عام 2021 من جانب مشروع بحثي أوروبي بعنوان "إعادة الاتصال" وهو اختصار لـ"التوفيق بين أوروبا ومواطنيها من خلال الديمقراطية وسيادة القانون"، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وأشارت الدراسة إلى أنه على رغم التوقعات المتفائلة في بداية توسع الاتحاد الأوروبي بدأت المشكلات تظهر في البنية الديمقراطية لعدد من الدول، إذ سجلت خروقات لسيادة القانون في المجر وبولندا للسيطرة على الإعلام والتدخل في شؤون القضاء ووضع قيود على المنظمات غير الحكومية.
وتظل الشعبوية هي التحدي الأكبر أمام الديمقراطية الأوروبية في الربع الأول من القرن الحالي، إذ تضاعفت الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الشعبوية ثلاث مرات بين 1998 و2018، مما منح الشعبويين مناصب حكومية في 11 دولة أوروبية. كما ارتفع عدد ممثلي اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي من 37 عام 2009 إلى 52 عام 2014، بحسب كتاب "صعود اليمين الشعبوي الأميركي والتأثير في منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية" للأكاديمي العراقي مهند حميد مهيدي.
وتصاعدت الشعبوية الأوروبية تحديداً منذ عام 2016، الذي شهد حدثين مهمين هما التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولتفسير ذلك التصاعد، يشير الأكاديمي الهولندي في علم الاجتماع السياسي ماتياس روديجن في مقالة بصحيفة "الغارديان" البريطانية إلى أنه لا يوجد تفسير محدد، لكنه يلفت إلى شعور كثير من المواطنين الأوروبيين بالخيانة أو الإهمال بسبب النخب السياسية التقليدية، إضافة إلى تزايد النزعة الفردية في المجتمع بما يبعد كثيرين من الأحزاب التقليدية ويجعلهم يتوجهون نحو السياسيين الشعبويين. ويضيف روديجين عنصراً آخر وهو تقارب أفكار الأحزاب الرئيسة بما يترك مساحة أيديولوجية كبيرة فارغة، وبالتالي تميل إلى عدم الاستجابة لمخاوف المواطنين الأكثر تطرفاً، فضلاً عن الأزمات المالية التي تمر بها كثير من دول أوروبا، مما يجعل بعضهم يلقي اللائمة على "النخبة الفاسدة" من السياسيين.
ويرى أستاذ العلوم السياسية السويسري هانزبيتر كريسي أنه بصورة عامة هناك ما يدعو إلى القلق في شأن تأثير الشعبوية في أوروبا، ولكن لا داعي للمبالغة، إذ تشير الاتجاهات طويلة المدى إلى توسع الديمقراطية، ولا يزال دعم المواطنين للديمقراطية هائلاً في أوروبا بحسب تعبيره في مجلة العلوم السياسية الفصلية الصادرة باللغة الألمانية في مارس (آذار) عام 2020. وأكد أنه حتى لو وصل الشعبويون إلى السلطة، فإنهم سيواجهون عدداً كبيراً من القيود التي ترسخ الديمقراطية.
الإصلاح الصيني المتوازي
الصين التي تقدم نفسها بديلاً للفكر الغربي، شهدت منذ تولي الرئيس شي جين بينج عام 2012 إشارات متضاربة على الإصلاح السياسي، فالزعيم الشيوعي الذي كان ينظر إليه في السابق كإصلاحي داخل الحزب الحاكم، بدأ عهده بحملة ضارية ضد الفساد وتضارب المصالح، داعياً إلى "إغضاب بضعة آلاف بدلاً من خذلان 1.4 مليار صيني" بحسب ما ذكرت وكالة "شينخوا" الصينية، لكن بعض الخبراء الغربيين عزوا تلك الحملة إلى رغبة شي في إقصاء منافسيه داخل الحزب الشيوعي.
على عكس التقدم في مكافحة الفساد، حد شي من تداول السلطة، بعدما أقدم البرلمان الصيني على إلغاء تحديد فترات بقاء الرئيس في السلطة عام 2018. وقال الباحث في الشأن الصيني المقيم بالولايات المتحدة تنج بياو إن الزعيم الصيني خيب آمال الدول الغربية التي كانت تتوقع أن تحقق بكين تقدماً ديمقراطياً بصورة تدريجية بعد الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي، بحسب تصريحات سابقة لشبكة "دويتشه فيلا" الألمانية.
بعين صينية، يوضح الباحث مينج شياوجي أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي قامت بها الصين على مدار العقود الماضية تحمل في طياتها إصلاحاً سياسياً واسعاً، إذ لا تفصل العقلية الصينية بين الملامح الاقتصادية والسياسية في عمل الحزب الشيوعي وهو القاطرة التي تحرك الدولة. واعتبر شياوجي في دراسته "التنمية السياسية في الصين" المنشورة عام 2008، أن عمق واتساع الإصلاح السياسي في الصين أكبر بكثير مما يعرفه العالم الخارجي.
أما في روسيا التي استقبلت الساعات الأولى من الألفية الجديدة بخطاب من رئيس الوزراء في ذلك الوقت فلاديمير بوتين يعلن استقالة الرئيس بوريس يلتسن، فقد شهدت خلال 25 عاماً حكماً يتركز على شخص بوتين سواء كرئيس أم رئيس للحكومة، مما أدى إلى انتقادات غربية كثيرة لسجل موسكو الحقوقي.
ويرى بعض المحللين أن بوتين نجح في الحفاظ على وحدة بلاده وتحقيق معدلات نمو اقتصادي واستعادة قدرة مؤسسات الدولة، فيما يرى آخرون أن تلك الإصلاحات لم تنجح في القضاء على التفاوت الكبير في المستويات الاقتصادية.
السفير الأميركي السابق لدى موسكو مايكل ماكفول ذكر في مقالة بموقع "جريدة الديمقراطية" أن جهود الزعيم السوفياتي الأخير ميخائيل جورباتشوف لترسيخ الديمقراطية في روسيا جرى تقويضها لاحقاً خاصة على يد بوتين، وأضاف "بينما قد يتأثر الروس بالإرث التاريخي، أو المعايير الثقافية الثابتة، أو المؤسسات الجامدة، فإنهم ليسوا أسرى لها إلى الأبد. إذا اتخذ بعض الروس في الماضي قرارات أدت إلى ظهور الاستبداد، فقد يتخذ آخرون في المستقبل خيارات تؤدي إلى ظهور الديمقراطية".