ملخص
تثير المقاومة التي تبديها تنظيمات الأزواد في مواجهتها العسكرية للجيش الحكومي المالي الذي يتحرك برفقة عناصر "الفيلق الأفريقي"، "فاغنر" سابقاً، كثيراً من الاستفهامات، لا سيما مع تمكنها من إلحاق خسائر كبيرة في صفوف جيوش دول المنطقة، بل أصبحت تحقق انتصارات في بعض المعارك، الأمر الذي شكك في وجود جهات وراءها سواء من حيث المعدات أو الحضور العسكري.
يبدو أن منطقة الساحل الأفريقي تتجه لأن تتحول إلى ساحة "كسر عظام" بين الدول الكبرى، بعد أن كانت إلى وقت قريب حلبة صراع بين قوى إقليمية، وفي أحيان كثيرة معركة بالوكالة تقودها أطراف محلية لمنع تدخلات أجنبية في سياق تنافس على النفوذ والثروات.
وأفرز نجاح الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وما تبعه من تحولات سياسية خارجية، وإلغاء العمل باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة بين الماليين وما ترتب عنه من تدهور أمني، وضعاً جديداً، لا سيما بعد "طرد" القوات الفرنسية والأميركية، وعقد تحالفات وعلاقات وتعاون مع دول منافسة ولا سيما مع روسيا والصين وتركيا، وبشكل أقل الإمارات والمغرب، وعودة التنظيمات الإرهابية والانفصالية المسلحة إلى النشاط بشكل بات يهدد بانفجار المنطقة.
وتثير المقاومة التي تبديها تنظيمات الأزواد في مواجهتها العسكرية للجيش الحكومي المالي الذي يتحرك برفقة عناصر "الفيلق الأفريقي"، "فاغنر" سابقاً، كثيراً من الاستفهامات، لا سيما مع تمكنها من إلحاق خسائر كبيرة في صفوف جيوش دول المنطقة، بل أصبحت تحقق انتصارات في بعض المعارك، الأمر الذي شكك في وجود جهات وراءها سواء من حيث المعدات أو الحضور العسكري.
تبادل اتهامات
ويتهم المجلس الانتقالي في باماكو، في تفسيره للخسائر التي تلحق بالجيش وحلفائه الروس في شمال البلاد، التنظيمات الأزوادية المسلحة بالتعاون مع أوكرانيا، إذ قال رئيس الوزراء المالي الجنرال عبد الله مايغا، أمام الأمم المتحدة، "إنه مهما بدا الأمر بعيداً، فإن الحرب في أوكرانيا والإرهاب في الساحل مرتبطان"، مبرزاً أن النظام الأوكراني "أصبح أحد أبرز مزوّدي الجماعات الإرهابية في العالم بمسيّرات انتحارية"
في المقابل، رد المتحدث باسم الأزواد محمد المولود رمضان أن "ما يجمعنا أكثر بأوكرانيا هو أنها مثلنا، تعاني من الهمجية والإمبريالية الروسية"، مضيفاً "لم نتلقَّ أي مساعدة مادية من أوكرانيا، لا طائرات ولا أسلحة ولا معدات أخرى، وقوتنا تكمن في تصميمنا ودهائنا وقدرتنا على التدريب والتنظيم الذاتي"، غير أنه عاد وأوضح أن بعض مسلحي "جبهة تحرير الأزواد" تلقوا تدريبات متخصصة في أوكرانيا على استخدام المسيّرات بنظام الرؤية من منظور الشخص الأول، مشيراً إلى أنه عند عودتهم إلى الميدان، عززوا قدراتهم العملياتية بشكل كبير، ودربوا، مسلحين آخرين في هذا المجال الاستراتيجي، و"اليوم أصبحت هذه التقنية جزءاً أساسياً من قدراتنا القتالية".
علاقة الأزواد وأوكرانيا؟
وقررت الحكومة الانتقالية في مالي، في الرباع من أغسطس (آب) عام 2024، قطع العلاقات الدبلوماسية مع أوكرانيا بمفعول فوري، على إثر إقرار المتحدث باسم وكالة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه يوسوف، بضلوع أوكرانيا في هجوم شنته جماعات مسلحة في أواخر يوليو (تموز)، أسفر عن مقتل عناصر من "فاغنر" الروسية بالإضافة لخسائر فادحة في أوساط الجيش المالي، على رغم أن كييف نفت تلك التهم، ووصفت قرار قطع العلاقات بأنه قصير النظر ومتسرع.
وتوسع التعاون بين الأزواد وأوكرانيا إلى الدعم الاستخباري والمعلوماتي، إذ ألمح في يوليو عام 2024، المسؤول في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندري يوسوف إلى أن كييف زوّدت "المتمردين" بمعلومات مكنتهم من تنفيذ هجوم استهدف الجيش الحكومي المالي وحليفه قوات "فاغنر" الروسية. ومن المسيرات والدعم الاستخباري، انتقل التعاون بين الأزواد وكييف إلى مجسمات مطاطية لعربات وشاحنات تستخدم كطعم للتضليل، في تطور يؤكد دخول تقنيات أوكرانية ساحة المعركة لصالح مجموعات الأزواد، وهو ما أشارت إليه السلطات المالية في يوليو الماضي، حين عرضت شاحنات وهمية قابلة للنفخ قالت إنها تابعة للمسلحين.
تعاون داخلي وتحرك خارجي
في السياق، اعتبر الباحث في الشؤون الأفريقية الموريتاني المقيم بلندن، سلطان البان، "أن هناك مؤشرات على تعاون جماعات الأزواد مع بعض الجهات الأوكرانية في منطقة الساحل، بخاصة في جانب الدعم العسكري مثل الطائرات المسيّرة والتدريبات التي يشرف عليها ضباط استخبارات أوكرانيين"، مضيفا أن كثيراً من التحقيقات كشفت عن أن نجاح بعض الهجمات ضد القوات المالية وحلفائها ارتبط بدعم أوكراني. ولفت إلى أن الاتهامات بين الطرفين تأخذ زخماً إعلامياً وسياسياً في ظل التنافس الدولي الحاد في المنطقة بين روسيا والغرب، ومشيراً إلى أنه على مدى سنوات ينشط ممثلو الحركات الأزوادية في أوروبا خصوصاً بلجيكا وفرنسا، للمطالبة بالإشراف المباشر على الأموال الدولية والخروج من الهيمنة المالية، وكشف عن أن المؤتمر الأخير الذي عقد بين فصائل الأزواد أقرّ مبدأ الاندماج السياسي والعسكري في كيان موحد بحثاً عن الاعتراف الدولي والدعم المالي وسط تحرك جزائري وأوروبي لدعم المصالحة وتسهيل الحل السياسي بدلا من العسكري.
المجالس العسكرية تقود المنطقة نحو تصحر سياسي؟
ورأى البان أن المجالس العسكرية في الساحل تقود المنطقة نحو تصحر سياسي، "بمعنى إغلاق المجال الحزبي وتجميد الديمقراطية مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية"، مبرزاً أن هذه المؤشرات تدل إلى أن هذه النخب العسكرية تحاول تثبيت نفوذها مستفيدة من حال الفوضى والانقسام الداخلي، "لكن جماعات الأزواد وكذلك التنظيمات المسلحة تستغل هذا الانشغال وعدم الاستقرار السياسي والأمني للتوسع وتحقيق مكاسب ميدانية"، وقال إن الدعم الدولي للمجالس العسكرية مرهون بمعايير محددة كالمساءلة ومستقبل الديمقراطية، على الرغم من أن سيناريو ديمومتها منطقي أمام التحديات الأمنية، وختم أن منطقة الساحل تتجه لمزيد من الصراع المحلي والتنافس الدولي، وتبقى المجالس العسكرية تحت ضغط التهديدات الداخلية والانقسامات، بينما يزداد حضور الحركات الأزوادية على الساحة طلباً الدعم السياسي والمالي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المستقبل لا يُبنى على أنقاض الانقلابات
من جانبه، رأى رئيس الحكومة والبرلمان الانتقاليين الماليين بالمنفى أحمد محمدو أن هناك علاقة بين الأزواد وأوكرانيا حول ما يتعلق بالاستخبارات والتزود بالمسيّرات، مشيراً إلى أن الملف معقد، و"لا أملك كثيراً من المعلومات حوله، لكن ما أعلمه أن هناك دعماً أوكرانياً لجماعات الأزواد".
إلى ذلك، اعتبر الناشط السياسي النيجري عمر الأنصاري أن المجالس العسكرية التي استولت على السلطة في مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، تفتقر إلى أسس الشرعية والاستدامة، وهي عاجزة عن تحقيق الأمن والاستقرار المنشودين لشعوب المنطقة، وقال إنها تعتمد على القمع وسياسات الاستبداد، وتستند إلى تحالفات خارجية مشبوهة، ما يفاقم الأزمات الأمنية والإنسانية ويعيق مسيرة التنمية، موضحاً أن مستقبل الساحل لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الانقلابات العسكرية أو التحالفات الخارجية المدمرة، مثل تحالف دول الساحل المدعوم من روسيا، وتابع "ندعو شعوب الساحل إلى التمسك بالحكم المدني المنتخب، الذي يصون حقوق الإنسان ويعزز التنمية المستدامة، لأن الديمقراطية هي السبيل الوحيد لضمان استقرار المنطقة وكرامة شعوبها".
الضغط ينتقل إلى الخارج
وتحاول جماعات الأزواد الضغط من أجل تحقيق مزيد من المكاسب عبر نقل المعركة مع المجلس العسكري في باماكو إلى الخارج، وذكرت تقارير إعلامية أن زيارة غير رسمية قام بها زعيم الأزواد بلال أغ أشريف إلى عدد من العواصم الأوروبية ما أثار غضب رئيس المجلس العسكري الجنرال عاصيمي غويتا.
كما أودع، في وقت سابق، مركز "كل - أكال" وهو مركز حقوق الإنسان في أزواد، بالتعاون مع منظمة "إموهاغ" (منظمة حقوقية) الدولية، شكوى رسمية لدى المحكمة الجنائية الدولية، دعا فيها إلى فتح تحقيقات عاجلة حول ما اعتبره "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم أزواد ومنطقة الساحل الأفريقي"، متهماً قوات الجيش المالي بتنفيذ إعدامات ميدانية ومجازر جماعية، وعمليات اختفاء قسري ضدّ المدنيين الأبرياء، في المناطق الشمالية من البلاد، وانتقد جهات خارجية تساعد المجلس العسكري على ارتكاب هذه الجرائم، من خلال تزويدها بأسلحة متطورة وطائرات مسيرة. وتنظّم، بشكل مستمر، جمعيات أزوادية وقفات احتجاجية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، للمطالبة بوقف العنف في شمال مالي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي يتعرض لها مجتمع الطوارق.
منطقة الساحل أمام مفترق الطرق
أمام التطورات الأمنية والعسكرية التي يشهدها شمال مالي، فإن منطقة الساحل مهددة بتعدد التدخل الخارجي من خلال تكثيف بعض الدول الغربية، لا سيما المناهضة للأنظمة العسكرية الحاكمة، الدعم والمساندة لجماعات الأزواد، في محاولة لإضعاف السلطات المركزية، كما سترفع أوكرانيا جهودها في دعم الأزواد، بهدف إضعاف وإفشال "الفيلق الأفريقي – الروسي" الذي خلف "فاغنر"، ما يعني إمكان تدخلها في ساحات أخرى، مثل بوركينا فاسو والنيجر. ومن المرجح أن يؤدي هذا الوضع المتداخل إلى إشعال الصراع في المنطقة، بشكل ينعش النشاط الارهابي بخاصة بعد تغيّر المعطيات في الشرق الأوسط مع النظام الجديد في سوريا، ما يرفع من الدور الغربي مقابل تحرك روسي في دعم القوات الحكومية بأسلحة حديثة ومستشارين أكفاء.