Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من دمشق إلى موسكو وبالعكس... هل انتهى "عداء السلاح"؟

 تحولت الوفود ذات الطبيعة الدبلوماسية إلى عسكرية ومراقبون: العتاد الروسي البديل الوحيد المتاح للجيش السوري

تثير أي صورة من صور الدعم قلق إسرائيل بعد تدمير 80 في المئة من قدرات الجيش السوري (أ ف ب)

ملخص

في الثاني من أكتوبر الجاري زار وفد عسكري سوري رفيع المستوى يترأسه هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان روسيا، وسبق ذلك زيارة وفد روسي إلى دمشق في محاولة لضبط العلاقة بين الجانبين، خصوصاً أن الروس لا يزالون يوجدون في اللاذقية وطرطوس ضمن قواعد عسكرية لها نفوذها الواسع. ويرى مراقبون أن المسألة تتجاوز ضبط العلاقة بين بلدين إلى حسابات المصالح أولاً.

بحرص شديد تخطو الوفود المتبادلة بين دمشق وموسكو نحو الأمام، تسودها لغة مشتركة هي "المصالح" التي جمعت السلطة الجديدة في سوريا مع ألد أعدائها في ساحات القتال على مر عقد من زمن الصراع المسلح شمال البلاد، وتحولت الوفود ذات الطبيعة الدبلوماسية إلى عسكرية في الآونة الأخيرة، في إشارة إلى تقارب يمكن قراءته بشكل أدق على أنه يتمحور حول تسليح الجيش الجديد.

في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري زار وفد عسكري سوري رفيع المستوى يترأسه رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان روسيا، وسبق ذلك زيارة وفد روسي إلى دمشق في محاولة لضبط العلاقة بين الجانبين، خصوصاً أن الروس لا يزالون يوجدون في اللاذقية وطرطوس ضمن قواعد عسكرية لها نفوذها الواسع. ويرى مراقبون أن المسألة تتجاوز ضبط العلاقة بين بلدين إلى حسابات المصالح أولاً.

المنظومة العسكرية

يصف المتخصص في مجال القانون الدولي بالجامعة الأميركية في الإمارات عامر فاخوري، توجه دمشق نحو جلب السلاح وترميم الجيش بخبرة روسية بـ"الواقعي والمبرر" من الناحية السياسية والعسكرية والقانونية، لكنه في الوقت نفسه محكوم بقيود موضوعية على مستوى القدرة الروسية والظروف الإقليمية.

ويضيف لـ"اندبندنت عربية" لأن العقيدة العسكرية السورية قائمة عبر عقود على التسليح الروسي والسوفياتي، مما يعني أن أية محاولة لتغيير مصادر التسليح ستؤدي إلى تعقيد لوجيستي وتدريبي كبير، وإلى كلفة إضافية لا تستطيع دمشق تحملها حالياً، لذلك فإن المحافظة على هذا الخط التاريخي من التعاون مع موسكو تضمن انسجام المنظومة العسكرية واستمراريتها من حيث التدريب والصيانة وقطع الغيار.

ويبرر فاخوري هذا التحرك على المستوى السياسي بعدم تجاهل أن العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على الحكومة السورية منذ عام 2011، وتحديداً قانون قيصر لعام 2019، تمنع أي تعاون عسكري مباشر مع دمشق، لذا فإن الغرب أغلق فعلياً كل أبواب الدعم العسكري أو إعادة الإعمار الدفاعي، مما جعل الخيار الروسي هو البديل الوحيد المتاح أمام دمشق.

ويضيف، "أما من جهة موسكو فالمسألة تتجاوز مجرد بيع سلاح، روسيا تنظر إلى سوريا باعتبارها حجر زاوية في نفوذها الإقليمي على البحر المتوسط، وهي معنية بالحفاظ على وجودها العسكري والسياسي هناك لضمان توازن نفوذها في مواجهة الغرب، لذلك فإن استمرار التعاون العسكري مع دمشق هو جزء من استراتيجيتها البعيدة المدى".

قطع الغيار أولاً

يتفق خبراء روس مع فاخوري في تحليله. المتخصص في الشؤون السياسة الخارجية رولاند بيجاموف يؤكد لـ"اندبندنت عربية" عدم رغبة واشنطن أو الدول الغربية بوصول سوريا إلى أن تصبح دولة قوية من الناحية العسكرية في حال حصول تطبيع، وستكون في المرتبة الثانية بعد إسرائيل لأنه لا يمكن إخراج تل أبيب من هذه المكانة المرموقة، مما يدفع سوريا إلى تنويع علاقاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحول طبيعة الأسلحة التي يمكن أن تزود بها موسكو دمشق، أفاد بيجاموف، بحسب المعلومات المتوافرة لديه، عن إمكانية التزويد الكامل بكل أصناف الأسلحة الفعالة والحديثة والثقيلة، لكنه أضاف "في ما يتعلق بسوريا حالياً، فالاهتمام متركز بالدرجة الأولى على التزود بقطع الغيار، ويحتاج الجيش السوري إلى مسافة طويلة لاستعادة قدراته، ومن المؤكد أن موسكو ستتعاون بصورة إيجابية لأنها تنطلق من مصالحها القومية".

إزاء ذلك تراقب تل أبيب أي تسليح نوعي لا سيما في مجال الدفاع الجوي، وتثير أي صورة من صور الدعم قلقها بعد تدمير ما نسبته 80 في المئة من قدرات الجيش السوري الاستراتيجية عبر غارات تزايدت بكثافة بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ويجزم العقيد في سلاح الجو محسن حمدان، لـ"اندبندنت عربية" بحتمية الحصول على السلاح الجديد عبر تعدد المصادر لأنه الخيار الأنسب، وهو ما يظهر من خلال الوفود المتجهة إلى تركيا والسعودية والأردن وقطر.

لكنه يستبعد في الوقت ذاته إمداد الجيش الجديد بالسلاح الفعال، فـ"السلاح الروسي في سوريا تقريباً دمر وبات قديماً، وروسيا لا يمكن أن تعطي سلاحاً فعالاً بوضعها الراهن، أما من يظن أنها ستزودنا بالدفاع الجوي وبخاصة نظام (أس 400) فهو مخطئ، لأنه في أوج علاقاتها مع النظام السابق وعلى مدى عشرات السنين لم تقبل تزويده بها، وحتى عندما أعطتها لتركيا بقيت من دون فاعلية كونها لم تزودها بشيفرة العمل، ناهيك بتفاهمات روسيا مع إسرائيل".

في المقابل ينظر فاخوري إلى الهاجس الأمني لدى الغرب وخوفهم من انتقال السلاح إلى جماعات غير حكومية، وهو ما يجعل أي تسليح مباشر لدمشق قضية شديدة الحساسية، علاوة عن رفض إسرائيل بطبيعة الحال أن يحصل الجيش السوري على منظومات دفاع جوي متطورة يمكن أن تحد من حرية حركتها الجوية، والغرب يراعي هذه الحساسية بصورة واضحة.

هل تفعلها واشنطن؟

يشير مراقبون إلى قرار استراتيجي بعدم تسليح دمشق، ولو بصورة غير معلنة، كوسيلة للضغط السياسي المستمر عليها، ويخشى الغرب من أن تستخدم الأسلحة ضد المدنيين أو في أعمال قمع داخلي في ظل عدم الاعتراف الكامل من قبل الغرب بشرعية الحكومة الانتقالية، فضلاً عن سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب.

يأتي هذا التفسير، بحسب فاخوري، من قناعة غربية بأن إعادة بناء الجيش السوري بدعم غربي تعني عملياً تقوية النظام السياسي، واتخاذ موقف يقوم على "الاحتواء لا الدعم" بهدف إبقاء النظام تحت الضغط السياسي والاقتصادي، علاوة على العقوبات الأميركية والأوروبية التي تمنع أي تعاون عسكري أو تقني مع مؤسسات الدولة السورية، ويشمل ذلك حتى الشركات الوسيطة أو الجهات التي تقدم خدمات صيانة أو توريد قطع غيار.

ويعود تاريخ العلاقات مع روسيا إلى حقبة الاتحاد السوفياتي، حيث كانت من أولى الدول التي اعترفت باستقلال سوريا، وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1944 تطورت في فترة حكم حافظ الأسد (1970 ـ 2000) وفي عهد بشار الأسد لا سيما عام 2015، حيث تدخلت روسيا بصورة مباشرة عسكرياً إلى جانب النظام لضرب القوات المعارضة.

"سوريا حجر الأساس في وجودها العسكري بالشرق الأوسط، وبوابة تضمن لها الوصول الدائم إلى البحر المتوسط"، هكذا يجيب فاخوري عما تريده موسكو مقابل تزويد دمشق بالسلاح، فقاعدة "طرطوس" البحرية هي المنفذ البحري الروسي الوحيد في المياه الدافئة، وهي ذات أهمية استراتيجية تعادل وجود حاملة طائرات دائمة، لأنها تمنح موسكو القدرة على مراقبة حركة الأساطيل الغربية في المتوسط، وربط عملياتها في البحرين الأسود والمتوسط، كما أن قاعدة "حميميم" الجوية تمثل منصة انطلاق حيوية لأي تحرك روسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأضاف فاخوري، "روسيا تستخدم ملفات التسليح كوسيلة لفتح أبواب الاستثمار في قطاعات الطاقة والفوسفات والمرافئ، فكثير من العقود التي وقعتها موسكو مع دمشق بعد عام 2017 تضمنت منح شركات روسية امتيازات في استخراج النفط والغاز والفوسفات، مقابل استمرار الدعم العسكري والسياسي، بمعنى آخر، السلاح الروسي يدفع ثمنه غالباً بموارد سوريا الطبيعية أو بامتيازات طويلة الأمد في البنى التحتية".

على أية حال ظلت سوريا تمثل نموذج النفوذ الروسي الناجح في الخارج بفرض معادلة توازن مع الغرب عبر حضورها العسكري في قلب الشرق الأوسط، أما دمشق فترى في هذا التعاون وسيلة للبقاء واستعادة توازنها العسكري والسياسي في ظل عزلة دولية، بهذه المعادلة المتبادلة يستمر التحالف من مبدأ النفوذ والمصالح المتبادلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير