Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شوارع الخرطوم تتكدس بالنفايات وعجز حكومي لمواجهتها

تحتاج أحياء العاصمة السودانية 732 آلية لرفع المخلفات التي فاقمت مياه الأمطار من خطورتها

اختلاط مياه الأمطار بالمخلفات يساعد على انتشار مزيد من الأمراض (رويترز)

ملخص

مخلفات الحرب وتناثر الجثث في كل مكان يعدان من أبرز الكوارث البيئية التي تواجهها البلاد، خصوصاً من ناحية الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، فضلاً عن فقدان الأرواح نتيجة انفجار مخلفات الحرب.

تسببت الحرب الدائرة بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، منذ اندلاعها منتصف أبريل (نيسان) 2023، في تكدس وتراكم النفايات داخل شوارع العاصمة الخرطوم الرئيسة وميادينها العامة ووسط أحيائها، مما يهدد سكانها بتفاقم الأوضاع الصحية، وبخاصة الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل في ظل الانهيار المؤسسي الذي تشهده البلاد جراء تدمير البنية التحتية، وعدم قدرة الدولة على مجابهة تلك التحديات بسبب شح الموارد المالية.

ومع استمرار الحرب التي لا تلوح لها نهاية في الأفق أصبح منظر النفايات مشهداً مألوفاً داخل مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان، وظلت مهمة إزالتها هاجساً يؤرق السودانيين الذين لم يجدوا مفراً بمجهودات فردية ومبادرات طوعية من جمع بعضها ونقلها إلى مكبات القمامة، إلى جانب ردم البرك والمستنقعات ورشها بالمبيدات التي تفاقمت بسبب مياه الأمطار للحد من تكاثر نواقل الأمراض والأوبئة التي انتشرت بصورة واسعة.

لكن هذه المشكلة لم تكن وليدة الصراع المسلح الدائر الآن داخل البلاد، بل كانت ممتدة منذ أعوام مضت. فبحسب التقارير الرسمية، فإن العاصمة خلال عام 2022 كانت تنتج يومياً 6.569 طن من النفايات، بينما تعجز المحليات "البلديات" عن التعامل مع 3.340 طن منها، بسبب نقص الآليات التي تقوم بهذا العمل والتي لا يتجاوز عددها 317 آلية، في حين أن الحاجة الفعلية تقدر بنحو 732 آلية.

مكبات مفتوحة

قالت علوية فضل السيد وهي ربة منزل تسكن ضاحية أمبدة داخل مدينة أم درمان إن "الأحياء السكنية والطرقات العامة تتكدس حالياً بالنفايات، إلى جانب تراكمها في مصارف المياه، مما أدى إلى اختلاطها بمياه الأمطار حتى تحولت إلى مستنقعات وبيئة ملائمة لتوالد البعوض والذباب".

 

وأضافت "قبل اندلاع الحرب كانت محلية أمبدة تعاني مشكلة النفايات بسبب الرسوم الباهظة، إذ إن غالبية مجتمعاتها تعيش هشاشة اقتصادية، وتفاقمت الأزمة مع الحرب نتيجة انهيار الخدمات المقدمة من المحليات التابعة للدولة، وأصبح هناك غياب تام لمركبات نقل النفايات، إذ كانت سبباً قوياً في أن تتحول الأحياء السكنية إلى مكبات مفتوحة، مما شكل خطراً للصحة العامة وتهديداً مباشراً لحياة المواطنين خصوصاً الأطفال الذين يلعبون داخل الساحات العامة، وكذلك كبار السن والنساء الحوامل، كون سكان هذه المحلية لم يغادروا منازلهم طوال أشهر الحرب".

وأشارت ربة المنزل إلى أن "سكان هذه المحلية يعانون لدغات البعوض المنتشر بكثافة نتيجة تلوث البيئة، وبخاصة من جانب تكدس النفايات والمياه الراكدة مع فشل كل الوسائل في مكافحته، مما أدى إلى انتشار الأمراض الفتاكة وعلى رأسها الكوليرا وحمى الضنك والملاريا".

توالد البعوض

من جهته، قال المواطن عثمان الخليفة الذي يسكن منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم "للأسف، أعمال النظافة توقفت تماماً منذ أول يوم للحرب وباتت الشوارع عبارة عن مكبات للنفايات، بالتالي توالد البعوض بأنواعه فانتشرت الأمراض مثل الحميات والإسهالات المائية والتهابات العيون وحساسية الجلد وغيرها".

وقال الخليفة "المجهودات المبذولة حالياً للتخلص من النفايات تقتصر على الدور الشعبي في ظل الافتقار للمكبات الحديثة والشلل التام للإدارة الفاعلة في جمع القمامة، التي جعلت الطرقات العامة والأحياء بؤراً للنفايات، خلال وقت تعالت أصوات كثيرة من مخاوف وجود نفايات عضوية وهو أمر في غاية الخطورة من ناحية آثاره الصحية".

 

وأوضح أن "السكان هم من تصدوا لهذه المشكلة على رغم أن المكبات تقع في أماكن بعيدة، وهو دور من صميم مهام المحليات باعتبارها الجهة المنوطة، لكن من المؤسف لم تفعل ذلك في معظم مدن العاصمة الثلاثة على رغم أنها صارت تعيش الاستقرار النسبي".

ولفت المواطن إلى أن "مشهد تكدس النفايات أصبح سمة بارزة داخل معظم أحياء العاصمة، وأصبحت سبباً مزعجاً في انبعاث الروائح الكريهة خصوصاً خلال فصل الخريف واختلاطها بالمياه، لذلك درج السكان على حرقها منعاً لتمددها لكن من دون جدوى، إذ تظل موجودة في مكانها، وبات الأمر يتطلب تدخلات عاجلة لحل هذه الكارثة المتفاقمة، وضرورة إجراء عمليات تطهير واسعة".

عجز الدولة

في السياق، أفاد أسعد عبدالكريم المتطوع ضمن إحدى المبادرات الشبابية في ضاحية الحاج يوسف شرق النيل بأن "المتطوعين الشباب يقومون بأعمال فائقة بإزالة النفايات المتراكمة لشهور طويلة، فضلاً عن رش المياه الراكدة بالمبيدات التي تفاقمت بحلول فصل الخريف، وأصبح التلوث البيئي منتشراً في كل الاتجاهات والبعوض يحاصر المواطنين ليلاً ونهاراً".

وواصل عبدالكريم "في تقديري أن الواقع يزداد سوءاً يوماً تلو الآخر ويصعب تحمله، إذ لا توجد تحركات من الجهات المسؤولة، فضلاً عن فشلها في ضمان استدامة الخدمات الأساس خلال وقت تنهال الشكاوى من المواطنين والمتطوعين على مكاتب الصحة التي وعدت بحل مشكلة النفايات التي قوبلت بالإهمال من دون إجراء أية أعمال ملموسة، وحين كانت عربات النفايات تأتي مرة واحدة خلال الأسبوع أصبح لا وجود لها أثناء الوقت الحالي".

 

وزاد المتحدث "الأمراض تنتشر بصورة مخيفة، والحال لا تبدو أفضل في كل أحياء العاصمة، لذا نشطت مبادرات لانتشال الأهالي من ركام المخلفات، وأظهرت قدرتها على ملء الفراغ الذي خلفه غياب السلطات، وذلك بتنظيم حملات النظافة وتوزيع الفرق لجمع التبرعات المحلية لتوفير الوقود في ظل الأزمة الحادة، إلى جانب تحفيز العمال، لا سيما أن المحليات التزمت بتوفير آليات النقل والعاملين".

وأشار المتطوع إلى أن" الجهود المبذولة من شرائح المجتمع لم تكن مجرد استجابة طارئة وإنما جسدت روح التكافل المجتمعي، إذ كانوا شركاء أساسيين في مواجهة الأزمات أثناء الحرب".

تهديد صحي

من جانبه، قال محمد خضر أحد العاملين في الصحة العامة إن "انعدام جهود إصحاح البيئة بعد تحرير الخرطوم من قبضة ’الدعم السريع‘ خلال مارس (آذار) 2024 يعد تهديداً حقيقياً لصحة السكان في ظل تراكم النفايات والمياه الراكدة، مما تسبب في انتشار الأوبئة الفتاكة، لا سيما أن التقارير تشير إلى ارتفاع معدلات الإصابة بحمى الضنك والملاريا وعودة وباء الكوليرا".

واستطرد خضر "في نظري أن حل المشكلات البيئية التي زادت الأوضاع الصحية تدهوراً، تبدأ بإطلاق حملات طوارئ لإزالة مخلفات النفايات من الطرقات العامة والأسواق والأحياء وتنظيف وتجفيف مصارف المياه عبر عربات مجهزة بمضخات الشفط، إلى جانب ردم البرك والمستنقعات لمكافحة نواقل الأمراض التي باتت معضلة تؤرق المواطنين، فضلاً عن توفير الدعم للمرافق الصحية".

وشدد العامل في مجال الصحة على ضرورة تكوين فرق توعوية باعتبارها من أساسات التعافي، وبخاصة في جانب حث المواطنين على رمي النفايات في الأماكن المخصصة لها وتعزيز سلوكات الوقاية من الأمراض.

نهب وتخريب

الموظفة في إحدى محليات ولاية الخرطوم زينب يحيى قالت إن "انفجار الأوضاع بسبب الحرب كان بمثابة الضربة القاضية لكل قطاعات الدولة، بما فيها خدمات النظافة، إذ تعرضت مستودعاتها للنهب والتخريب مع توقف التمويل وأزمة الوقود، فضلاً عن انعدام قطع الغيار مما أدى إلى توقف المركبات والآليات المتخصصة في نقل النفايات إلى جانب انقطاع حقوق العاملين، فكل هذه العوامل أسهمت في جعل شوارع العاصمة وأحيائها مكباً للنفايات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابعت "في الحقيقة أن المواطنين أسهموا في جمع النفايات وتصريف المياه الراكدة، لكن من المؤسف أن العمل كبير ويحتاج إلى تضافر الجهود ويستدعي مساندة من الجهات الرقابية، أقلها توفير عربات يدوية ’الدرداقة‘ والقفازات من أجل الحفاظ على سلامة المواطن، خصوصاً الذين يعملون في العمل التطوعي لإنقاذ حياة السكان".

ونوهت الموظفة إلى أن "الدولة مُطالبة بوضع خطط من أجل بناء قطاع النظافة وتحديث المعدات وإنشاء مكبات للقمامة في كل حي، وضرورة إفراغه بصورة يومية لمنع التلوث وانتشار الأمراض والوبائيات".

انفجار صامت

في سياق متصل، أوضح المتخصص في البيئة محمد عبدالصمد أن "مخلفات الحرب وتناثر الجثث في كل مكان يعدان من أبرز الكوارث البيئية التي تواجهها البلاد، خصوصاً من ناحية الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، فضلاً عن فقدان الأرواح نتيجة انفجار مخلفات الحرب".

وقال عبدالصمد "ظلت البيئة تعاني منذ اندلاع الصراع الهشاشة بسبب الاستغلال غير الرشيد للموارد، إذ لم تعد قادرة على تحمل مزيد من الصدمات الناتجة من الحروب مثل حرق النفايات من طرق غير آمنة، فضلاً عن الحرائق والانفجارات وغازات البارود مع وجود كميات من المواد الكيماوية الثقيلة والمقذوفات غير المتفجرة في مناطق الحرب، وهو ما نتج منه تلوث الماء والهواء والتربة، مما يهدد الصحة العامة".

ومضى المتخصص في البيئة قائلاً "معلوم أن حرائق الوقود والعناصر الكيماوية تمثل انفجاراً صامتاً يطلق كميات كبيرة من الغازات السامة، بما في ذلك أول أكسيد الكربون وأكسيد الكبريت والمركبات الهيدروكربونية والجسيمات الدقيقة العالقة، لا سيما أن هذه المواد لا تلوث الهواء فحسب بل تخترق الرئتين والنسيج البيئي مسببة أضراراً بالغة على دورة حياة الإنسان والحيوان والنبات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير