ملخص
حي "سوريا الصغرى" في مانهاتن، الذي كان ذات يوم موطناً لأول جالية عربية في أميركا ومركزاً تجارياً وأدبياً نابضاً بالحياة، لم يبقَ منه اليوم سوى ثلاثة مبانٍ فقط بعد أن أزاحته مشاريع البنية التحتية وناطحات السحاب. محو الحي لم يطمس ذاكرة المهاجرين الأوائل فحسب بل حجب أيضاً حقيقة أساسية عن التاريخ الأميركي نفسه وهو أن الوجود العربي والإسلامي في الولايات المتحدة قديم، ويكاد أن يوازي عمر البلاد ذاتها.
تصاعد الدخان من شبكة مترو الأنفاق بينما كنتُ أهم بالخروج من محطة "وول ستريت" في نيويورك. كان رذاذ المطر الخفيف يتساقط على شوارع المدينة، فيما تكافح أمهات لدفع عربات أطفالهن، ويهرول رجال ببدلات أنيقة مسرعين، حاملين خبز البيغل بين أيديهم، بينما كان شريط مؤشر "بورصة نيويورك" عند ملتقى شارعي "وول ستريت" و"إكستشينج بليس"، يومض بأسعار الأسهم. كان يوماً عادياً من أيام الأسبوع في أهم حي مالي في العالم، ارتسمت أبراج "مانهاتن السفلى" الشاهقة فوقي، بينما كنتُ أنتظر بصبر أن يتحول ضوء إشارة المرور إلى الأخضر، فيما كانت حرارة أوائل الصيف تلازمني على رغم تساقط المطر.
عند انعطافي إلى زاوية "شارع إدغار"، بدا من الصعب علي تصديق أن هذه المنطقة التي تعد اليوم مركزاً مالياً عالمياً - كانت تعرف في الماضي باسم "سوريا الصغرى" Little Syria، وشكلت موطناً لأول جالية عربية في الولايات المتحدة والقارة الأميركية بأسرها. فقد قام بتأسيس هذه المنطقة في ثمانينيات القرن الـ19 مهاجرون وفدوا من "سوريا الكبرى" (بلاد الشام) التي كانت خاضعة آنذاك للحكم العثماني. وازدحمت شوارعها بواجهات المتاجر العربية والمكتبات والمخابز، وصدرت فيها صحف باللغة العربية، بفضل التكيف المبكر لآلة الطباعة "لينوتايب" مع الأبجدية العربية. وخلال فترة "الهجرة الكبرى" التي بدأت عام 1880 واستمرت حتى عام 1924 - وصل إلى الولايات المتحدة نحو 95 ألف عربي، استقر كثير منهم في منطقة مانهاتن السفلى، نظراً إلى قربها من أرصفة الموانئ البحرية، حيث كانت فرص العمل متاحة للوافدين.
كان استكشاف هذا الفصل المنسي من تاريخ نيويورك هذه السنة تحديداً - بالتزامن مع الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس المدينة - تجربة مؤثرة بصورة خاصة. فقد كانت فرصة للتأمل ليس فقط في المجتمعات التي أسستها، بل أيضاً في هشاشة الذاكرة، وكيف يمكن لتواريخ كاملة أن تتلاشى بمجرد محو الأحياء التي احتضنتها. وبدت هذه الحقيقة جلية وأنا أقف قبالة مرآب "باتري" للسيارات، وإلى الجهة المقابلة مطعم الوجبات السريعة "تي جي آي فرايديز". ولولا وجود ساحة "إليزابيث ه بيرغر" الصغيرة المتوارية بين المباني، لما كان هناك ما يذكّر بأن هذا المكان كان يوماً حصناً ثقافياً تفوح منه روائح الشيشة والبقلاوة، لا البيتزا والـ"تشيزكيك".
الساحة هي عبارة عن واحة خضراء هادئة، توجد فيها ممرات حجرية متعرجة ولوحات تذكارية تحيي تاريخ "الحي المالي" وحي "سوريا الصغرى". وتقع الساحة مباشرة جنوب "مركز التجارة العالمي"، ويتردد فيها اليوم صدى ضحكات أطفال يمرحون في برك مياه موحلة، في تناقض صارخ مع الأيام التي كانت فيها ملتقى لمثقفين عرب أميركيين بارزين أمثال الأديبين جبران خليل جبران وأمين الريحاني.
تنتشر في المساحة الدائرية مقاعد عدة، خصص كل منها لتكريم أحد أعضاء "الرابطة القلمية" Pen League، وهي جمعية ضمت كتاباً سوريين ولبنانيين، تأسست عام 1920 بهدف إحياء الأدب العربي وتجديده (بعد الركود الذي شهده خلال فترة الحكم العثماني). قمتُ بمسح مياه المطر عن أحد المقاعد، ليتبين أن "الاتحاد الجنوبي للأندية السورية اللبنانية الأميركية" Southern Federation of Syrian Lebanese American Clubs (وهو مؤسسة تعنى بإحياء تراث وثقافة الأميركيين من أصل سوري ولبناني في جنوب الولايات المتحدة) قد تبرع به تكريماً للأسلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى مدينة نيويورك للمرة الأولى قبل أكثر من قرن.
في الواقع بدأ حي "سوريا الصغرى" يتلاشى مع صدور "قانون الهجرة لعام 1924" (الذي فرض حدوداً صارمة على عدد المهاجرين المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة من كل بلد، ومنع بصورة قاطعة وصول الآسيويين والعرب). تلاه في الأربعينيات شق نفق "بروكلين - باتري"، ثم تواصل في وقت لاحق مع توسعة مجمع "مركز التجارة العالمي". وقد بدا ذلك الاختفاء أكثر واقعية وأنا أسير عند زاوية "شارع ريكتور" باتجاه "شارع واشنطن"، حيث لم يبقَ من حي "سوريا الصغرى" في الوقت الراهن سوى ثلاثة مبانٍ فقط، كل واحد منها يعكس جانباً مختلفاً من ثقافة الحي التي كانت مزدهرة في الماضي: الكنيسة والمجتمع والبيت.
كان "شارع واشنطن" ينبض بالحياة من خلال أسواق اللحوم فيه وتجار الحرير والأفراد الذين كانوا يخرجون من مقاهيه. فقد بدأ عدد كبير من المهاجرين السوريين حياتهم باعة متجولين، إلا أن روحهم الريادية وشغفهم بالأعمال حوّل الحي سريعاً إلى مركزٍتجاري مزدهر. ففي مطلع القرن الـ20، تأسست فيه أكثر من 300 شركة ومؤسسة تجارية متنوعة. ومن بين هذه الشركات، 70 متجراً متخصصاً في بيع الأقمشة، عملت فيها في الغالب نساء اكتسبن خبرتهن من صناعة الحرير في لبنان. حتى "شارع ريكتور" حظي بشهرة واسعة، بحيث أصبح يعرف لاحقاً بعاصمة الملابس الداخلية في مدينة نيويورك. ومن بين أشهر تلك الشركات متجر "سعادي" Sahadi، وهو متجر بقالة لبناني فاخر افتتح في "شارع واشنطن" خلال تسعينيات القرن الـ19، وانتقل لاحقاً - كما كثير من نظرائه الشرق أوسطيين - إلى "شارع أتلانتيك" في بروكلين عام 1948، مع تغير ملامح الحي.
أما اليوم، فيطل في الأفق برج "مركز التجارة العالمي الأول" One World Trade Center، ليذكّر بأن بقايا حي "سوريا الصغرى" كانت على مقربة مذهلة من الدمار الذي خلفته أحداث "هجمات الـ11من سبتمبر". وفي نهاية "شارع واشنطن"، يظهر مقهى منعزل، وقطعة نادرة من الأرض غير المستغلة، وشقق في أبنية سكنية حديثة البناء، فضلاً عن مجموعة متفرقة من بقايا تجهيزات طرق شبه مهجورة.
"كنيسة القديس جاورجيوس الكاثوليكية السورية" التي تعرف أيضاً باسم "معبد القديس جورج" St George’s Chapel - تقع في المبنى الرقم 103 في "شارع واشنطن" إلى جانب أطول فندق "هوليداي إن" في العالم، وتحيط بواجهتها في الوقت الراهن سقالات بناء. فبعد إغلاقها لعقود طويلة، احتضن المبنى حانة إيرلندية شهيرة استمرت لمدة 30 عاماً، ثم مطعماً صينياً لم يعُد موجوداً اليوم.
وهذه الكنيسة كانت شيدت عام 1812، واستخدمت مكان عبادة خلال الفترة الممتدة من عشرينيات القرن الـ20 حتى أربعينياته. والمبنى كان في الأساس مؤلفاً من ثلاثة طوابق بسقف مدبب، ثم تحول لاحقاً إلى مساكن للمهاجرين، مع إضافة طابقين آخرين إليه عام 1869، لتوفير مساحات إضافية لاستيعاب أعداد متزايدة من السكان المهاجرين. وعام 2009، نال المبنى تصنيف "معلم بارز" ضمن معالم مدينة نيويورك.
إلى جوار كنيسة "سانت جورج"، يقع المبنيان الآخران الباقيان من الحي القديم، وهما: "المركز المجتمعي في وسط المدينة" Downtown Community House وعنوانه 105 - 107 "شارع واشنطن"، والعمارة السكنية في الرقم 109. "المركز المجتمعي" المبني بالطوب الأحمر الذي شيد عام 1926، كان يستخدم مقر إقامة للمهاجرين الجدد الوافدين حديثاً إلى المدينة. أما هذا المبنى السكني الذي بني عام 1885، فهو آخر ما بقي من بين نحو 50 مبنى مماثلاً كانت تصطف سابقاً في المنطقة، وتؤوي سكان حي "سوريا الصغرى".
اليوم، لا يزال يقطنه مستأجرون في شقق تخضع لضوابط صارمة للإيجار. أما الطابق الأرضي الذي كانت توجد فيه في السابق متاجر ومساحات للتجمعات الاجتماعية، فيضم الآن مطعماً وحانة، وقد سارع نادل ودود إلى تقديم قائمة الطعام لي، وسألني بلطف عما إذا كنت أرغب في البقاء لتناول إحدى الوجبات.
على رغم أن حي "سوريا الصغرى" كان يعرف في الغالب بسكانه المسيحيين، فإن بحثاً أجري عام 2015 كشف عن رؤية جديدة في ما يتعلق بالمجتمعات المسلمة التي كانت تتخذ من الحي موطناً لها أيضاً. فعلى مقربة من كنيسة "سانت جورج"، كان هناك مسجد صغير في "شارع ريكتور"، شكل شاهداً على التاريخ الطويل للمسلمين الذين عاشوا في الولايات المتحدة ومارسوا عبادتهم فيها منذ عقود. وظل المسجد نشطاً خلال فترة ذروة ازدهار الحي، قبل أن يهدم في خمسينيات القرن الماضي. واليوم، بينما تحظى الكنيسة بحماية رسمية باعتبارها معلماً بارزاً ضمن قائمة معالم مدينة نيويورك، فإن المبنى السكني و"المركز المجتمعي" لا يحظيان بالحماية نفسها، على رغم الجهود المستمرة من جانب دعاة الحفاظ على التراث في "جمعية شارع واشنطن التاريخية" Washington Street Historical Society الذين يسعون جاهدين إلى حمايتهما وضمان بقائهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بينما كنت أشق طريقي في "شارع كارلايل"، ولدى وصولي إلى تقاطع مزدحم اصطفت على جانبيه عربات بيع الفلافل، لم يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كان الناس الذين يصطفون هنا لتذوق نكهة أطعمة الشرق الأوسط، يدركون فعلاً حجم التاريخ العميق المدفون الذي يقبع خلف هذه الزاوية.
فبعد أربعة قرون من الوجود، لم يعُد حي "سوريا الصغرى" الحي الوحيد المنسي في نيويورك. فالمدن - كما الكائنات الحية - تشكل انعكاساً لإنسانيتها الجماعية، ومن الطبيعي أن تتطور وتتغير مع مرور الزمن. لكن مأساة حي "سوريا الصغرى" تكمن في أن جزءاً كبيراً من هذا التطور العمراني للمدينة فرض قسراً عليه، من خلال بناء ناطحات سحاب فيه، رسخت مكانة نيويورك كأهم مدينة في العالم. فمن خلال تشييد نفق "بروكلين - باتري"، منح مخططو المدن المتعاقبون الأولوية لحركة السيارات على حساب الناس. مع ذلك، فإن محو حي "سوريا الصغرى" تحديداً، أدى على الأرجح إلى حجب حقيقة أساسية عن التاريخ الأميركي نفسه، وهي أن الوجود الشرق أوسطي في الولايات المتحدة يمتد إلى زمن يكاد أن يوازي عمر البلاد نفسها.
© The Independent