Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هجوم مستشفى ناصر: أدلة بصرية تقلب رواية إسرائيل

القوات تحركت من دون الحصول على موافقة قائد كبير وتسببت ضربتان في مقتل 22 شخصاً معظمهم صحافيون ومسعفون

موقع قتل صحافيين بغارة إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس (رويترز) 

ملخص

الأدلة البصرية وغيرها من التقارير الخاصة بـ"رويترز" تثبت أن الكاميرا الظاهرة في اللقطات، والتي تقول إسرائيل إنها تعود لـ"حماس"، هي في الواقع خاصة بوكالة أنباء وكان يستخدمها أحد صحافييها منذ فترة طويلة.

يتعارض تحليل أدلة بصرية أجرته "رويترز" ومعلومات أخرى تتعلق بهجوم شنته إسرائيل على مستشفى داخل غزة خلال أغسطس (آب) الماضي، مع التفسير الإسرائيلي لما حدث في الغارة التي سقط إثرها قتلى.

أسفر الهجوم على مستشفى ناصر خلال الـ25 من أغسطس الماضي عن مقتل 22 شخصاً، بينهم خمسة صحافيين. وقال مسؤول عسكري إن القوات الإسرائيلية خططت للهجوم باستخدام مقاطع التقطتها طائرة مسيرة، أظهرت وجود كاميرا تابعة لحركة "حماس" كانت هي الهدف من الغارة. لكن الأدلة البصرية وغيرها من التقارير الخاصة بـ"رويترز" تثبت أن الكاميرا الظاهرة ضمن اللقطات تعود في الواقع إلى وكالة الأنباء، وكان يستخدمها أحد صحافييها منذ فترة طويلة.

ويقول المسؤول العسكري الإسرائيلي الآن إن القوات تصرفت من دون الحصول على موافقة القائد الكبير المسؤول عن العمليات في غزة. وأبلغ المسؤول "رويترز" عن هذا التجاوز بعدما قدمت وكالة الأنباء نتائج تحقيقها إلى الجيش الإسرائيلي.

وبعد يوم واحد من قصف الدبابات الإسرائيلية لمستشفى ناصر، قال المسؤول إن المراجعة الأولية التي أجراها الجيش خلصت إلى أن القوات استهدفت كاميرا تابعة لـ"حماس" لأنها كانت تصورهم من المستشفى. وأضاف أن القوات انتابتها الريبة حيال الكاميرا لأنها كانت مغطاة بمنشفة، حينها اتخذ قرار بتدميرها.

وتظهر لقطة شاشة مأخوذة من لقطات جرى تصويرها بطائرة مسيرة تابعة للجيش الإسرائيلي الكاميرا المغطاة بقطعة قماش ذات لونين على درج المستشفى. وأكد المسؤول العسكري لـ"رويترز" الأسبوع الماضي أن الكاميرا المغطاة بقطعة قماش كانت هي الهدف.

 

وخلص تحقيق "رويترز" إلى أن قطعة القماش التي تظهر في اللقطة لم تضعها "حماس" هناك، بل كانت سجادة صلاة صحافي "رويترز" حسام المصري، الذي قتل جراء الهجوم. وكان المصري وضع كاميرته 35 مرة في الأقل منذ مايو (أيار) الماضي على نفس الدرج داخل مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لنقل البث الحي لعملاء "رويترز" الإعلاميين في جميع أنحاء العالم. وكثيراً ما غطى كاميرته بسجادة الصلاة ذات اللونين الأخضر والأبيض لحمايتها من الحرارة والغبار.

ويقدم تحقيق "رويترز" الرواية الأشمل حتى الآن لتطورات الهجوم، بما في ذلك تجاوز القوات الإسرائيلية لتسلسل القيادة. وأكدت الوكالة بصورة قاطعة أن الكاميرا المستهدفة كانت تابعة لها.

أدلة قوية

وخلال وقت سابق ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" التي فقدت أحد صحافييها جراء الهجوم على المستشفى، أنها وجدت أدلة قوية على أن الكاميرا التي وصفتها القوات الإسرائيلية بأنها هدف الهجوم كانت لـ"رويترز".

ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجوم المستشفى بأنه "حادثة مأسوية". وقال مسؤول عسكري لـ"رويترز" إن المصري والصحافيين الآخرين الموجودين لم يكونوا هدف الهجوم، ولم يُشتبه في صلتهم بـ"حماس".

وقال إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة والذي تديره "حماس"، إن ما قاله الجيش الإسرائيلي عن أن الحركة كانت تصور القوات الإسرائيلية من مستشفى ناصر "ادعاء باطل يفتقر إلى أي دليل، ويهدف للتملص من المسؤولية القانونية والأخلاقية عن مجزرة مكتملة الأركان".

 

وعلى رغم هذه الأمور التي جرى الكشف عنها، ومرور شهر على الهجوم، لم يقدم الجيش الإسرائيلي شرحاً وافياً لكيفية تطور الأمر ليصل إلى استهداف كاميرا "رويترز" ومقتل حسام المصري. ولم يوضح الجيش الإسرائيلي بعد، لماذا لم يحذر طاقم المستشفى أو "رويترز" من نيته قصف المستشفى؟ ولماذا بعد إصابة الكاميرا في هجومه الأول، قصف الجيش الدرج مرة أخرى بعد تسع دقائق، مما أسفر عن مقتل صحافيين آخرين ومسعفين هرعوا إلى الموقع؟ وما إذا كان أخذ في الاعتبار أن درج المستشفى الذي كان المصري يصور منه وقت مقتله، كان مكاناً يستخدمه عدد من الصحافيين بانتظام لتسجيل اللقطات وإعداد التقارير خلال الحرب؟ ومن وافق على الضربة؟ ولم يفصح المسؤول العسكري عن الجهة التي أصدرت الأمر بالهجوم، على رغم عدم موافقة قائد المنطقة.

إن غياب أي تفسير كامل لما حدث ضمن مستشفى ناصر يمثل نمطاً متبعاً في الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي أودت بحياة صحافيين، بعدما شنت إسرائيل هجومها المستمر منذ قرابة العامين بعد هجوم "حماس" خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

مراجعة قواعد الاشتباك

وتقول لجنة حماية الصحافيين إنها وثقت مقتل 201 صحافي وعامل في مجال الإعلام داخل غزة وإسرائيل ولبنان، إذ امتدت الحرب بعد وقت قصير من الهجوم الأولي. ويشمل هذا العدد 193 فلسطينياً قتلوا بنيران إسرائيلية داخل غزة، وستة قتلوا على يد إسرائيل في لبنان، وإسرائيليين اثنين قتلا في هجوم السابع من أكتوبر عام 2023.

وأفادت لجنة حماية الصحافيين بأن إسرائيل لم تنشر مطلقاً نتائج أي تحقيق رسمي ولم تحاسب أي أحد على مقتل الصحافيين بنيران جيشها. وقالت المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحافيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سارة القضاة إنه إضافة إلى ذلك لم تدفع أي من هذه الوقائع إلى مراجعة جادة لقواعد الاشتباك الإسرائيلية، ولم يؤد التنديد الدولي إلى أي تغيير في نمط الهجمات على الصحافيين خلال العامين الماضيين.

 

وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي "يعمل الجيش الإسرائيلي على الحد قدر الإمكان من تعرض المدنيين للأذى، بمن فيهم الصحافيون". وأضاف "نظراً إلى استمرار تبادل إطلاق النار، فإن البقاء في منطقة قتال نشط ينطوي على أخطار بطبيعة الحال. ويوجه الجيش الإسرائيلي ضرباته فقط نحو الأهداف العسكرية والعناصر العسكرية ولا يستهدف المدنيين أو الأهداف المدنية، بمن فيهم المؤسسات الإعلامية والصحافيون".

كاميرا في مرمى النيران

في فحصها لهجوم القوات الإسرائيلية خلال الـ25 من أغسطس (آب) الماضي، راجعت "رويترز" أكثر من 100 مقطع فيديو وصورة من مكان الحادثة، وأجرت مقابلات مع أكثر من 20 شخصاً على دراية بالهجوم والأحداث التي سبقت وقوعه.

ومن بين تلك المصادر مسؤولان عسكريان إسرائيليان واثنان من الأكاديميين العسكريين الإسرائيليين اطلعا على الواقعة من مصادر عسكرية إسرائيلية.

في المجمل، قتل 22 شخصاً جراء الضربتين من بينهم الصحافية مريم أبو دقة التي عملت لمصلحة "اندبندنت عربية" و"أسوشيتد برس" ووكالات أخرى ومعاذ أبو طه، وهو صحافي مستقل عمل مع عدة مؤسسات إخبارية من بينها "رويترز". وكانت مريم والمصري من بين عدد من الصحافيين يتجمعون بصورة روتينية للتسجيل من مكان مرتفع وإعداد تقارير من منطقة خان يونس داخل غزة. وصور المصري في بثه المباشر الغارات الإسرائيلية وسيارات الإسعاف وهي تنقل الجرحى والقتلى إلى المستشفى، والدمار الذي لحق بالمنطقة المحيطة.

 

ونقلاً عن التحقيق الأولي للجيش، قال المسؤول العسكري الإسرائيلي والأكاديميان العسكريان إنه قبل أيام قليلة من قصف الـ25 من أغسطس الماضي، التقطت طائرة استطلاع مسيرة للجيش الإسرائيلي كاميرا في الطابق العلوي من الدرج الشرقي لمستشفى ناصر.

وقالوا إن الجنود حددوا الكاميرا على أنها تهديد لأن "حماس" تستخدم الكاميرات للتخطيط لهجمات. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الحركة تستخدم الكاميرات، قال المسؤول في الحركة إنها تفعل ذلك لتوثيق هجماتها على الجنود الإسرائيليين.

وتظهر لقطة شاشة مأخوذة من طائرة مسيرة قطعة قماش سميكة ذات لونين ملفوفة فوق الكاميرا. ويجلس خلفها شخص يرتدي غطاء رأس أبيض وملابس داكنة. ونشرت القناة الـ12 الإخبارية الإسرائيلية لقطة الشاشة للمرة الأولى خلال الـ25 من أغسطس الماضي، وقالت في ذلك الوقت إنها رصدت الكاميرا "التي عرضت قواتنا للخطر".

وحصلت "رويترز" على لقطة الشاشة من رفائيل حيون، وهو مواطن إسرائيلي يقول إنه يراقب الوضع في غزة ولديه اتصالات على الأرض. وقال حيون إن لقطات الطائرة المسيرة التقطت بعد ظهر الـ21 من أغسطس الماضي. وخلال ذلك اليوم، وضع المصري كاميرا للتصوير من درج المستشفى بصورة متواصلة بين الثامنة صباحاً والـ6:14 مساءً، وفقاً لأرشيف "رويترز" للمقاطع المصورة.

ورفض حيون تحديد مصدر لقطة الشاشة أو كيفية حصوله عليها. لكن المسؤول العسكري الإسرائيلي أكد أنها مأخوذة من لقطات طائرة مسيرة سجلتها القوات الإسرائيلية قبل هجوم الـ25 من أغسطس الماضي وتظهر الكاميرا التي استهدفتها القوات في القصف. ولم يقدم المسؤول، الذي قال إن معلوماته مستقاة من التحقيق الأولي للجيش الإسرائيلي التاريخ الدقيق للقطة الشاشة، لكنه قال إن الكاميرا شوهدت "مراراً لأيام عدة متتالية".

وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي لـ"رويترز" خلال الـ16 من سبتمبر (أيلول) الجاري، "الكاميرا التي ظهرت في الصورة هي التي هاجموها".

مسيرة ودرج وسجادة صلاة

أصبحت قطعة القماش التي تغطي كاميرا المصري محور اهتمام بعد الهجوم، أولاً لأن الإسرائيليين أشاروا إليها كمبرر الضربة، وثانياً لأنها قدمت الدليل الذي يبين لمن تعود الكاميرا.

وخلال اليوم التالي للهجوم، أشار المسؤول العسكري الإسرائيلي إلى قطعة القماش على أنها "منشفة" وقال إن القوات ارتابت في أمرها.

وقال المسؤول إن المناشف يمكن استخدامها للتحايل على أجهزة الاستشعار الحرارية وأعمال المراقبة البصرية من السماء التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي. وأضاف أن القوات شاهدت "كثيراً من السلوك المريب الذي تم تتبعه لأيام ومقارنته بالمعلومات الاستخباراتية"، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

 

إلا أن "رويترز" خلصت إلى أن قطعة القماش التي تغطي الكاميرا في لقطة الشاشة لم تكن منشفة بل سجادة صلاة المصري ذات اللونين الأخضر والأبيض. وظهرت في صورة التقطتها مريم أبو دقة خلال الـ13 من أغسطس الماضي. وأظهرت الصورة، التي التقطتها مريم، المصري وهو يقف إلى جانب الكاميرا بنفس الدرج الذي استهدفه الجيش الإسرائيلي داخل المستشفى.

وأفاد ثلاثة من أعضاء فريق التصوير في "رويترز" بأن المصري اعتاد تغطية الكاميرا لحماية العدسات والإلكترونيات الخاصة بالمعدات من الحرارة الحارقة في غزة خلال شهر أغسطس الماضي. وقال عز الدين المصري شقيق مصور "رويترز" إنه غالباً ما كان يستخدم سجادة الصلاة لسماكة قماشها. وقال متحدث باسم "رويترز" إن إسرائيل لم تطلب من الوكالة عدم تغطية الكاميرا بمنشفة أو قطعة قماش أخرى.

وقال شهود إن الكاميرا في لقطة الشاشة لا يمكن أن تكون سوى كاميرا المصري. فلم يكن هناك خلال الأشهر القليلة الماضية أحد غيره يستخدم كاميرا فيديو كبيرة على حامل ثلاثي القوائم للتسجيل أو يغطي المعدات بسجادة الصلاة. وأضاف الشهود أن الصحافيين الآخرين يستخدمون الهواتف المحمولة.

وذكر المسؤول العسكري أن ما زاد من شكوك الجيش الإسرائيلي حول الكاميرا وموقعها هو أن القوات شاهدت "منشفة" أخرى تغطي رأس شخص على مقربة.

وفي لقطة الشاشة المأخوذة من لقطات مسيرة الجيش الإسرائيلي التي تظهر هدف القوات، يظهر شخص جالس قرب الكاميرا بملابس داكنة وما يبدو أنه غطاء رأس أبيض. ويبدو أن هذا الشخص هو مريم أبو دقة في زي مشابه لما شوهدت به ضمن أربع صور أخرى التقطت داخل الموقع نفسه، بما في ذلك صورة تعود للـ16 من أغسطس الماضي وأخرى من يوم الهجوم.

وخلال الـ21 من أغسطس الماضي، وهو اليوم الذي سجلت فيه المسيرة اللقطات، كانت مريم تستخدم هاتفها لتسجيل بث مباشر من الدرج لمصلحة وكالة "أسوشيتد برس".

 

وتعرف الصحافي بـ"رويترز" محمد سالم الذي غادر غزة خلال وقت سابق من هذا العام، ويعرف مريم جيداً، على الشخص الذي ظهر في لقطة الشاشة وقال إنها مراسلة "أسوشيتد برس". وقال سالم إنه تعرف على حجابها. كما أن المصري كان أخبر سالم أن مريم تسجل قربه على الدرج قبل أيام قليلة من الهجوم.

عندما قتل المصري خلال الـ25 من أغسطس الماضي كان يسجل من على درج المستشفى لساعتين تقريباً. ووضع الكاميرا في الطابق الرابع لنقل بث حي للمنطقة كما كان يفعل بصورة روتينية طوال الشهر. وقال سالم إن المكان المرتفع كان يسمح برؤية أفضل وإمكانية الوصول إلى الكهرباء واتصال أقوى بالإنترنت. ومن على الدرج، سجلت الكاميرا محيط المستشفى بما في ذلك الشارع المزدحم أمامه.

مركز للصحافيين

يقول سالم "كنا نعتقد أن المستشفى آمن نسبياً، وبخاصة أن الجميع يعرفون أن هناك صحافيين في هذا المكان ويستخدمونه بصورة يومية".

وذكر المتحدث باسم "رويترز" أنه خلال الأيام الأولى للحرب، أوضحت الوكالة للجيش الإسرائيلي مواقع طواقمها في غزة ومنها مستشفى ناصر في محاولة لضمان عدم استهدافهم. لكن بعد مقتل كثير من الصحافيين ضمن غارات الجيش الإسرائيلي، توقفت "رويترز" عن إعطاء إحداثيات دقيقة.

وقال المتحدث "ومع ذلك، إسرائيل على علم تام بأن ’رويترز‘ وعدداً من المؤسسات الإخبارية الأخرى تعمل من مستشفى ناصر، الذي كان أحد المراكز الرئيسة للتغطية من غزة".

وقال شهود إن الجيش الإسرائيلي نشر طائرات مسيرة في السماء طوال فترة الهجوم. وقبل نحو 40 دقيقة من الضربة الأولى بالدبابة، كان مصور "رويترز" حاتم خالد خارج المستشفى. وأرسل رسالة إلى زملائه في خان يونس على "واتساب"، "كواد كوبتر الآن، بالضبط فوق مستشفى ناصر".

وخلال الساعة الـ10:12 صباحاً، أي بعد نحو أربع دقائق من الهجوم الأول، سجل الصحافي المستقل خالد شعث لقطات لطائرة مسيرة رباعية تحلق فوق المستشفى.

وقال أحمد أبو عبيد وهو طبيب في قسم الطب الشرعي بمستشفى ناصر وجُرح جراء الضربة الثانية، إن المسيرة حلقت في الهواء قرب مدخل المستشفى لأكثر من 10 دقائق. وأضاف أبو عبيد "كانت تسجل وتصورنا وترى أننا جميعاً أطباء ودفاع مدني وممرضون وصحافيون... لذلك رأونا وقرروا استهدافنا".

 

وذكر أن بعض القتلى والجرحى في الهجوم كانوا في الطابق الأرضي، أي عدة طوابق تحت مكان سقوط قذائف الدبابات، وأصيبوا بشظايا.

واستهدفت القوات الإسرائيلية مراراً المستشفيات في غزة، قائلة إن "حماس" تعمل من خلالها، وهو ما تنفيه الحركة.

وأوضح باحثان قانونيان أن الهجمات على المستشفيات عادة ما تعد جرائم حرب. وأوضح توم دانينباوم الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد أن هناك استثناء محدوداً عندما يستخدم المستشفى في "نشاط ضار بالعدو".

وتابع قائلاً إنه حتى عند تحقق هذا الاستثناء، يجب على المهاجمين التأكد من أن الضرر المتوقع على المدنيين ليس مفرطاً مقارنة بالمكاسب العسكرية، ويجب عليهم أولاً إعطاء إنذار للسماح للطرف الآخر بالتوقف عن إساءة استخدام المستشفى وإتاحة وقت معقول للامتثال.

وقال رئيس قسم التمريض في مستشفى ناصر محمد صقر إن الجيش الإسرائيلي لديه أرقام هواتف العاملين بالمستشفى، وإنه يتصل دورياً بمدير المستشفى للسؤال عن عدد المرضى والإمدادات. وأضاف أن المستشفى لم يتلق تحذيراً من الهجوم.

وأوضح صقر لـ"رويترز" عبر رسالة نصية "لو كانوا حذرونا كنا منعنا هذه الكارثة". وأكد المتحدث باسم "رويترز" أن الوكالة لم تتلق تحذيراً من الهجوم.

قتل من دون أسباب

ينضم المصري (49 سنة) ومريم أبو دقة (33 سنة) وثلاثة آخرون سقطوا قتلى إثر هجوم الـ25 من أغسطس إلى قائمة طويلة من الصحافيين الذين قتلوا خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية، أثناء تأدية عملهم وفي ظروف نادراً ما قدم الجيش الإسرائيلي توضيحات لملابساتها.

ولم تتلق "رويترز" حتى الآن تفسيراً لسبب إطلاق دبابة إسرائيلية خلال أكتوبر 2023 قذيفتين على مجموعة، أمكن بوضوح معرفة أنهم صحافيون في لبنان كانوا يصورون قصفاً عبر الحدود.

وأدت القذيفتان إلى مقتل صحافي "رويترز" عصام العبدالله وإصابة ستة صحافيين آخرين. وقال مسؤول في الجيش الإسرائيلي لـ"رويترز" الأسبوع الماضي إن القضية لا تزال قيد الفحص، بعد مرور ما يقارب عامين على الهجوم.

وامتدت الأعمال القتالية إلى الحدود الإسرائيلية - اللبنانية عندما بدأ "حزب الله" إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وذلك بعد وقت قصير من هجوم حركة "حماس" عام 2023.

تعود قائمة عمليات قتل الجيش الإسرائيلي لصحافيين من دون تقديم أسباب إلى ما قبل حرب غزة. فخلال مايو (أيار) 2022، قُتلت مراسلة قناة "الجزيرة" شيرين أبو عاقلة التي كانت ترتدي سترة مكتوب عليها بوضوح كلمة صحافة، أثناء تغطيتها لمداهمة للجيش الإسرائيلي في مدينة جنين بالضفة الغربية.

 

وقالت السلطات الإسرائيلية في البداية إن مسلحين فلسطينيين على الأرجح هم المسؤولون عن الواقعة، ثم خلص الجيش الإسرائيلي لاحقاً إلى أن هناك "احتمالاً كبيراً" بأن تكون المواطنة الفلسطينية الأميركية "أصيبت بنيران الجيش الإسرائيلي من طريق الخطأ"، وقال الجيش الإسرائيلي آنذاك إنه لن يفتح تحقيقاً جنائياً.

ونددت قناة "الجزيرة" خلال مايو 2023 بمقتل مراسلتها ووصفته بأنه "الجريمة البشعة التي يُراد من خلالها منع الإعلام من أداء رسالته". وذكر متحدث عسكري لشبكة "سي. أن. أن" أن الجيش الإسرائيلي "يأسف بشدة" لمقتل شيرين. ولم يقدم الجيش رواية كاملة عن كيفية مقتلها.

وبعد مقتل العبدالله وشيرين نفت إسرائيل أن تكون قواتها تستهدف الصحافيين عمداً، لكن بيانات لجنة حماية الصحافيين تشير إلى أن إسرائيل اتهمت ما لا يقل عن 15 صحافياً وإعلامياً قتلتهم داخل قطاع غزة ولبنان منذ السابع من أكتوبر 2023 بأنهم أعضاء في جماعات مسلحة، وقالت اللجنة إنها لم ترصد حالة واحدة قدمت فيها إسرائيل أدلة موثوقة أو كافية لتبرير عمليات القتل.

ونفى المسؤول العسكري الذي تحدث إلى "رويترز" وصحافيين آخرين خلال اليوم التالي للهجوم على مستشفى ناصر مراراً، استهداف الجيش الإسرائيلي لصحافيي "رويترز" و"أسوشيتد برس"، قائلاً "إنهما جزء كبير من السبب في أننا نحقق في هذه الحادثة... لم تكن هناك نية لإيذائهما".

وخلال اليوم نفسه، نشر الجيش الإسرائيلي أسماء ستة رجال قال إنهم "إرهابيون" قتلوا في القصف على المستشفى، من دون تقديم دليل.

وقال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن أحد الرجال الذين وردت أسماؤهم في قائمة الجيش الإسرائيلي هو عمر أبو تيم، وقتل داخل مكان آخر وليس جراء هجوم الـ25 من أغسطس الماضي.

وجاء ضمن بيان صادر عن الدفاع المدني الفلسطيني إن أحد القتلى من كوادره. وتعرفت عليه "رويترز" في لقطات من الـ25 من أغسطس يظهر فيها وهو يهرع إلى أعلى الدرج بعد الهجوم الأول، ويساعد في توجيه طاقم الاستجابة للطوارئ. وبعد الهجوم الثاني أمكن رؤية جثته تتدلى من حافة الطابق الرابع.

أما الرجل الثالث الذي أدرج الجيش الإسرائيلي اسمه ضمن قائمة القتلى فهو أحد أفراد طاقم المستشفى، وفقاً لمنشور على صفحة مستشفى ناصر على "فيسبوك".

وكان رجلان آخران يزوران مرضى في المستشفى ويشاركان في جهود الإنقاذ عندما قتلا إثر الغارة الثانية، وفقاً لأفراد أسرتيهما الذين قالوا إن الرجلين لا ينتميان لجماعات مسلحة.

ولم يتسن لـ"رويترز" العثور على تفاصيل عن الرجل السادس باستثناء تأكيد مقتله جراء هجوم الـ25 من أغسطس الماضي.

تجاوز تسلسل القيادة

خلال اليوم التالي للهجوم، قال المسؤول العسكري الإسرائيلي الذي تحدث إلى "رويترز" إن القوات التي كانت تنفذ عمليات قرب مستشفى ناصر رصدت كاميرا موجهة نحوهم في الأيام التي سبقت الهجوم، وإنه جرت الموافقة على اتخاذ إجراءات "للقضاء على التهديد". وضمن بيان منفصل صدر خلال اليوم نفسه، قال الجيش الإسرائيلي إن القوات المشاركة في الهجوم تنتمي إلى لواء جولاني.

والتقطت تسجيلات المصري من قطاع غزة مجموعة واسعة من المشاهد أمام مستشفى ناصر، وأظهر بعضها أنشطة عسكرية على مسافة بعيدة.

خلال يومي الـ20 والـ21 من أغسطس الماضي على سبيل المثال، التقطت الكاميرا حفارات وجرافة إسرائيلية تقوم بأعمال حفر داخل منطقة مهدمة على بعد 2.4 كيلومتر شمال شرقي المستشفى. وتظهر صور الأقمار الاصطناعية للمنطقة أثناء هذين اليومين المعدات محاطة بخمس دبابات في الأقل، لا يمكن تمييزها ضمن لقطات المصري.

وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي لـ"رويترز" إن القوات حددت هدف الهجوم بصورة صحيحة، مشيراً إلى المراجعة الأولية التي أجراها الجيش الإسرائيلي لواقعة الـ25 من أغسطس الماضي. ومع ذلك، ذكر المسؤول أن الجيش الإسرائيلي بدأ فحصاً دقيقا للأخطاء المحتملة التي ارتكبت في شن الهجوم. وأضاف "نبحث في هذه الحادثة لفهم الخطأ الذي حدث في عملية التنفيذ والتحرك ضد هدف حقيقي كان يهدد القوات".

وخلصت "رويترز" إلى حدوث تجاوز في تسلسل القيادة ضمن الإخفاقات.

وقال المسؤول العسكري إن قواعد الجيش الإسرائيلي تتطلب موافقة مسؤول برتبة كبيرة قبل إطلاق النار على هدف مدني، إذا لم تكن القوات تتعرض للهجوم. وفي حالة مستشفى ناصر، كان على القوات الميدانية أن تحصل على موافقة من قائد القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي التي تتولى المسؤولية العامة عن جبهة غزة.

لكن المسؤول العسكري ذكر أن القوات لم تحصل على موافقة قائد المنطقة الجنوبية الميجر جنرال يانيف عاسور. وقال لـ"رويترز" خلال اتصال هاتفي إنه غير مخول للتحدث مع الصحافة.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي ثانٍ إن الموافقة على الضربة يتعين أن تتضمن تقييماً قانونياً للتأكد من أن طبيعة الهدف تتوافق مع القانون الدولي. ومثل هذه التقييمات ملزمة للقوات الإسرائيلية، ولا يفترض شن الهجوم من دون هذا الإذن. وقال المسؤول إنه لا علم له إن كانت استشارة قانونية من هذا القبيل قد طُلبت أو أُعطيت قبل الهجوم على مستشفى ناصر.

وإضافة إلى الأخطاء المحتملة في تنفيذ الهجوم، قال الجيش الإسرائيلي إنه سيراجع أيضاً الذخيرة التي حصلت على الموافقة قبل الهجوم وكيفية صدور الموافقة.

وحصلت "رويترز" على صور لشظايا معدنية عثر عليها طبيب في مستشفى ناصر خلال ذلك اليوم. وقال خمسة خبراء ذخائر راجعوا صور الشظايا وصور الهجوم من أجل "رويترز" إن الشظايا تعود إلى قذائف دبابات إسرائيلية الصنع عيار 120 مليمتراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستخدمت قذيفة دبابة مماثلة في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي أودى بحياة مصور "رويترز" عصام العبدالله في لبنان.

وقال ويس برايانت وهو مستشار كبير سابق ومحلل سياسات في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، إن قذيفة الدبابة كانت اختياراً غير متناسب للذخيرة في قصف مستشفى ناصر، نظراً إلى أن الجيش الإسرائيلي يقول إن هدفه كان الكاميرا وإنها كانت موجودة عند المستشفى أو داخله.

لكن برايانت الذي كان رئيس فرع تقييم الأضرار المدنية في البنتاغون، ذكر أنه حتى مع استخدام سلاح يرجح أن يسقط عدد أقل من القتلى والجرحى من دون قصد مقارنة بقذيفة دبابة، فسيظل عدد القتلى أو الجرحى مرتفعاً عند توجيه السلاح إلى درج مكدس.

ولم يفسر الجيش الإسرائيلي حتى الآن سبب استهداف الدرج للمرة الثانية خلال تجمع الصحافيين والمسعفين عليه.

وكان خالد مصور "رويترز" خارج المستشفى يستعد لبدء يوم عمله عندما وقع الهجوم الأول. وأمسك بكاميرته وهرع نحو المبنى ووثق المشهد وهو في طريقه، ثم صعد السلم للوصول إلى المصري، وعندما وجده كان المصري فارق الحياة بالفعل، والغبار يغطي جسده وملابسه ممزقة ومعداته لحقت بها الأضرار.

واصل خالد التصوير، وقال "لم أستطع فعل شيء لمساعدته سوى توثيق ما حدث". ووصل المسعفون وبدأوا بنقل المصري ووضعوه في كيس أبيض.

وخلال الساعة الـ10:17 صباحاً حينما كان خالد والمسعفون ينزلون الدرج حاملين جثة المصري، قصف الجيش الإسرائيلي الموقع للمرة الثانية.

وأمكن رؤية قذيفتين تصيبان المستشفى بفارق جزء من الثانية بين الهجومين ضمن لقطات حصلت عليها "رويترز". وصور خالد الهجوم الذي أدى إلى إصابته. ويعاني خالد فقدان السمع بسبب الانفجار، وسيحتاج إلى عملية جراحية أخرى لإزالة الشظايا.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات