Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مزاعم ترمب حول التوحد ليست مجرد "أخبار زائفة"

تصريح الرئيس الأميركي المتهور بأن تناول "باراسيتامول" أثناء الحمل يسبب اضطرابات في النمو العصبي لدى الأطفال يشكل فصلاً جديداً وأكثر خطورة في حربه المستمرة ضد النساء

الربط بين تناول عقار باراسيتامول والتوحد سياسي أكثر مما هو علمي  أو طبي(غيتي)

ملخص

ترى الكاتبة أن الطفل المصاب بالتوحد لا يعاني "عيباً" بل هو مختلف عن الآخرين

قبل بضع سنوات، كنت أعبر فناء المدرسة حين استوقفتني إحدى الأمهات للتحدث عن لقاح الإنفلونزا الذي يتلقاه الأطفال سنوياً خلال المرحلة الابتدائية، في بريطانيا.

قالت بصوت خافت وقد ارتسم القلق على وجهها: "لست واثقة منه [مطمئنة إلى لقاح الإنفلونزا] تماماً... ومن اللقاحات عموماً. ألا يسبب بعضها التوحد؟".

آنذاك، وجدت صعوبة في السيطرة على انفعالات وجهي علني أتجنب تكشيرة ضجر أو إيماءة استهجان فاضحة. ولكن ربما لم يكن الذنب ذنبها وحدها. يكفي أن تلقي نظرة على الهستيريا المستعرة على منصات التواصل الاجتماعي مثل "إكس" ("تويتر" سابقاً) لترى جبهة المعارضين للقاحات في أوج نشاطها، تروج مزاعم واهية لا أساس لها حول لقاحي "كوفيد" و"أم أم آر" MMR (الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية).

وبالطبع، ثمة من يقف فعلاً وراء  هذه المزاعم (في ما يتعلق بلقاح "أم أم آر")  وهو أندرو وايكفيلد، طبيب سابق منع من ممارسة مهنة الطب بعد انكشاف خداعه، إثر زعمه الباطل عام 1998 بأن لقاح "الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية" مرتبط باضطرابات تطورية لدى الأطفال من قبيل التوحد. وبعد نحو 25 عاماً، ما زال إرثه السيئ يتناقل في خرافة [شائعة] مدينية خطرة ومدمرة متداولة بين الناس. وقد قادت هذه الخرافة، بمساعدة كبيرة من إدارة ترمب التي شهدت الولايات المتحدة في عهدها أكبر تفش للحصبة خلال 25 عاماً، إلى ارتفاع مقلق في إصابات الحصبة، وحتى إلى حالات وفاة، في البلاد.

والآن، دونالد ترمب نفسه، الذي اقترح خلال جائحة "كورونا حقن المصابين بمواد تنظيف معقمة ومبيضة"، يطلق أيضاً ادعاءات باطلة وخطرة حول وجود صلة بين مسكن الآلام الشائع "تايلينول" Tylenol والتوحد، بما يتعارض مع كل الإرشادات الطبية المعتمدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مؤتمر صحافي مطول استمر لأكثر من ساعة، قال ترمب إن حالات التوحد شهدت زيادة "صاروخية"، واصفاً الظاهرة بـ"أحد أكثر التطورات المقلقة في الصحة العامة على مر التاريخ". وحث النساء الحوامل على الصبر والامتناع عن تناول مسكن الآلام "تايلينول"، يباع في بريطانيا على شكل "باراسيتامول"، زاعماً وجود علاقة بين الأخير والتوحد.

ترمب، الذي لا يفوت فرصة لجذب الأضواء، كان مهد لهذا الإعلان سابقاً أمام حشد في ولاية أريزونا اجتمع لحضور مراسم تأبين تشارلي كيرك، الناشط اليميني المتطرف في الحركة الأميركية "ماغا" MAGA [اختصار لشعار دونالد ترمب الانتخابي "لنجعل أميركا عظيمة من جديد"] الذي قتل برصاص قناص في 10 سبتمبر (أيلول) الجاري. وقال الرئيس: "أعتقد أنكم ستجدون النبأ الذي سنعلنه مذهلاً. أظن أننا وجدنا حلاً للتوحد". وأضاف أن إدارته "لن تسمح بحدوث ذلك مجدداً".

ومع غياب أي دليل علمي أو طبي مؤكد يربط مسكن الألم المذكور بحدوث اضطرابات في النمو (إذ أظهرت دراسة واسعة شملت مليوني طفل في السويد العام الماضي عدم وجود أي علاقة بين المادة الفاعلة "أسيتامينوفين" acetaminophen، التي تباع في الولايات المتحدة تحت اسم "تايلينول" واضطراب طيف التوحد أو اختصاراً "أي أس دي" ASD) لا يسعنا إلا التساؤل عما يقصده ترمب بـ"ذلك": هل يعني عدم تهدئة الصداع؟ أم الامتناع عن خفض الحمى، التي قد تشكل خطراً كبيراً على النساء الحوامل؟ أم عدم التخفيف من التشنجات وآلام العضلات والتهاب الحلق؟".

من المخزي أن تثير الخوف في نفوس أشخاص ضعفاء يكابدون أصلاً مشقة الحصول على رعاية طبية كافية ولائقة في ظل نظام رعاية صحية بلغ في قسوته وخصخصته حداً يفوق التصور. ومن المعيب أيضاً أن تستغل نقص الفهم والوعي والتثقيف، وحرمان الناس من الوصول إلى المعلومات والموارد الطبية التي كنت أنت نفسك [يا دونالد ترمب] وراء تقليصها.

بل من المخزي أيضاً أن تجعل مرضى التوحد هدفاً لهجماتك المستمرة على النظام الصحي العالمي، وتفاقم وصمة التمييز الاجتماعي ضدهم. ومن المعيب أيضاً أن تلقي، وعلى نحو مقصود ومدروس بدقة، باللائمة على النساء، خصوصاً الحوامل، اللاتي قد نتصور أنهن سيدرجن الآن على "قائمة مراقبة" حكومية لـ"أبشع الجرائم" وأشدها فظاعة: تناول حبتي دواء آمنتين تماماً لتخفيف الصداع.

ولا يخفى على أحد أنه في عهد ترمب، تتحمل النساء الحوامل في الولايات المتحدة المسؤولية [اللائمة القانونية والاجتماعية] عن الإجهاض، والاعتداءات الجنسية، والحمل خارج الرحم. وقد يدخلن السجن جزاء ذلك. والآن، إذا ولد طفل وبدت عليه علامات اضطراب طيف التوحد، الذي يظهر عادةً خلال العامين الأولين من العمر، ربما تستخدم مزاعم الرئيس في شأن "الباراسيتامول" ذريعة لتجريم الأمهات أيضاً.

من يضمن ألا تقتحم فرق شبيهة بـ"قوات التدخل السريع" (اختصاراً SWAT) التابعة لوكالة الهجرة والجمارك الأميركية (اختصاراً ICE) منازل النساء اللاتي أنجبن أطفالاً يعانون اختلافات في النمو، مع العلم أنه ليس في المتناول حتى الآن سبب موحد أو علاج محدد لهذه الحالات، للتحقيق معهن حول ما إذا كن قد تناولن أدوية لتخفيف الصداع النصفي أو نزلة برد شديدة؟

الحقيقة البسيطة أن ترمب يعي تماماً ما يفعله. إنه يجعل من "التوحد" كبش فداء لمزاعم انتصار على عقود من الخبرة العلمية والطبية الموثوقة، ببساطة لأنه يستطيع ولأنه يريد. ويتماشى سلوكه هذا مع استمراره في تقويض الثقة العامة في وسائل الإعلام التقليدية، وتكراره العبثي المتواصل لمصطلح "الأخبار المزيفة" كلما ظهرت معلومات تسيء إليه.

كرر على مسامع الناس أن العالم مسطح لفترة طويلة بما يكفي، وسيصدقون هذا الادعاء. وقل لهم إن العالم مسطح ولكنك أنت وحدك القادر على تصحيحه، فسيظنون أنك إله.

يكفي أن تفكر في المسؤول الذي اختاره ترمب، في خطوة صادمة، ليتولى مهمة الإشراف على "صحة النساء". إنه روبرت كينيدي الابن، المعروف بتشكيكه في أهمية اللقاحات، والذي تولى ملف الصحة وشرع، شبه منفرد، في تفكيك "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" (اختصاراً CDC)، وخفض التمويل الفيدرالي لبرامج التطعيم، وقيد الوصول إلى لقاحات ""كوفيد" [كورونا]، وأوقف بحوثاً بقيمة 500 مليون دولار تتعلق بلقاحات تستخدم تكنولوجيا "الحمض النووي الريبوزي المرسال" mRNA.

تحت ستار الخدعة الكبرى "لنجعل أميركا أكثر صحة مجدداً"، أجاز الوزير خطط ولاية فلوريدا لإلغاء إلزامية تطعيم الأطفال، ما أوقف إجراءات الحماية الضرورية ضد أمراض خطرة عدة من قبيل التهاب السحايا meningitis، والتهاب الكبد ب hepatitis B، وجدري الماء chickenpox، و"المستدمية النزلية من النوع ب" أو إنفلونزا "الهيب" Hib [اختصار لاسم البكتيريا المسببة للمرض علماً أنها تسبب عدوى مهددة للحياة، خصوصاً التهاب السحايا البكتيري]. كذلك سعى إلى وقف استخدام الفلورايد في مياه الشرب، وروج لفوائد تناول الحليب غير المبستر خلافاً للتوصيات الحكومية، وأيد حظراً فيدرالياً على الإجهاض عقب تحول بغيض في موقفه منه [الإجهاض]، قائلاً: "كل إجهاض مأساة". كذلك هاجم خدمات الرعاية الصحية الخاصة بالمراهقين المتحولين جنسياً. والآن، جاء دور التوحد.

ليست هذه المسألة خطرة فحسب، بل مسيئة أيضاً. بعدما ظهرت تقارير العام الماضي حول دراسة لحالة طفل واحد شارك في بحث روج لاستخدام "الليوكوفورين" leucovorin [معروف أيضاً باسم "حمض الفولينيك" وهو إحدى صور حمض الفوليك، ويستخدم عادة في علاج السرطان لتعزيز فاعلية أدوية العلاج الكيماوي والتخفيف من سميتها] كنوع من "العلاج المعجزة" للتوحد، أكدت "الجمعية الوطنية للتوحد" National Autistic Society في المملكة المتحدة أن التوحد "ليس مرضاً أو اعتلالاً صحياً، ولا يتصف بوجود "أعراض" له، ولا يمكن "عكس مساره" أو "علاجه"... وأن الترويج لغير ذلك تصرف خاطئ وإساءة لأكثر من 700 ألف شخص من المصابين بالتوحد في المملكة المتحدة."

نعم، وبكل قناعة. بصفتي أماً لطفل مصاب باضطراب طيف التوحد، لا أرى في صغيري أي عيب أو نقص. جل ما في الأمر أنه يفكر بطريقة مختلفة عن الآخرين: جميلة، وخيالية، مفعمة بالتعاطف، والإبداع والدهشة. بالنسبة إلي، إنها قوة خارقة. لا أرغب في أن يتغير. إنه على سجيته تماماً، سواء كان التوحد جزءاً منه أم لا. لا خطب لديه يحتاج إلى "إصلاح" لأنه ببساطة ليس "معطوباً"، بل العكس تماماً.

ولا تقعوا في الخطأ [لا شك في الأمر]: الإعلان الأخير الذي يمنع النساء الحوامل من حماية أنفسهن ضد أمراض بسيطة، وقد تحدثت إلى طبيب صديق قال لي إن "(الباراسيتامول) آمن تماماً"، وإنه "ربما أحد أكثر الأدوية التي خضعت لبحوث واسعة"، ليس إلا مثال آخر على الحرب الخبيثة، المحسوبة والخطرة التي تشنها إدارة ترمب على الفئات الضعيفة.

في عهد ترمب، ليست أميركا بلداً يرحب بالنساء. والآن، لم تعد ترحب أيضاً بمن يملكون أدمغة مختلفة قليلاً عن النمط السائد في طريقة معالجة المعلومات والتفكير والسلوك. أنا وأطفالي من ذوي التنوع العصبي، ولن نسافر إلى الولايات المتحدة لأنها ببساطة ليست بلداً آمناً لنا.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من صحة