منذ أعوام طويلة، وصف "الأسبوع الرفيع" في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه موسم للخطابات المكرورة، إذ تصعد الوفود إلى المنبر لتردد شعارات استهلاكية، غالباً بلا أثر يذكر. لكن دورة هذا العام كانت مختلفة بصورة لافتة، مدفوعة بظروف دولية استثنائية حاصرت الزعماء من جانب، ولا سيما حرب غزة المتواصلة وتداعياتها الإنسانية، والاستقطاب الحاد بين القوى الكبرى، وصعود أصوات جديدة من الجنوب العالمي. إلا أن التحضيرات الجادة وعلى رأسها "إعلان نيويورك" الذي مهد لإعطاء دفعة للقضية الفلسطينية، جعل الأسبوع هذا العام أقل رتابة وأكثر زخماً.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نفسه أكد ضمن كلمته الافتتاحية حساسية هذه الدورة، قائلاً "لم يسبق أن اجتمع قادة العالم في أسبوع رفيع وهم يواجهون هذا الكم من الأزمات المتداخلة، من غزة إلى أوكرانيا إلى المناخ، مما يجعل هذه اللحظة اختباراً حقيقياً لجدوى المنظمة الدولية".
وسط هذه الأجواء، برزت خمس لحظات فارقة أعطت الدورة نكهة غير معهودة، وحملت مؤشرات إلى تحولات في موازين الخطاب الدولي داخل أروقة الأمم المتحدة.
1 زخم الاعتراف بفلسطين
لم يمر الأسبوع من دون أن تكون فلسطين في صدارة المشهد. فقد حصدت الكلمات الداعية إلى الاعتراف بدولة فلسطين موجة من التصفيق الحار داخل القاعة، ضمن مشهد نادر بهذا المستوى في الجمعية العامة. دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والنرويج وإيرلندا وغيرها أوفت بوعد نيتها الاعتراف بفلسطين في سياق "حل الدولتين"، بينما جددت أخرى أفريقية وآسيوية ومن أميركا اللاتينية اعترافها، أو دعت إلى تعجيل الخطوة بصورة جماعية، بينما شددت وفود عربية وإسلامية على ضرورة ترجمة هذا الزخم إلى خطوات عملية.
التصفيق المتكرر كان بحد ذاته رسالة سياسية قوية، مفادها أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية معزولة في الهامش، بل باتت في قلب النقاش العالمي، بعدما بلغت الدول المعترفة 159 دولة، مشكلة زخماً غير مسبوق للقضية المستعصية منذ نحو 80 عاماً، وذلك بجهد سعودي وفرنسي استثنائي، حرك ضمائر العالم.
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود قال بوضوح "لا يمكن للعالم أن يدعي الدفاع عن القانون الدولي بينما يتجاهل حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة"، فيما أضاف الرئيس الفرنسي "اعتراف المجتمع الدولي بدولة فلسطين لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة أخلاقية وأمنية معاً"، في إشارة إلى أنه يصب في مصلحة الإقليم والعالم أجمع، بما في ذلك إسرائيل التي رأت فيه تحدياً لوجودها.
2 مصعد الرئيس ترمب والسيدة الأولى
الأنظار اتجهت إلى خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليس فقط لأنه يمثل الدولة الأكثر تأثيراً في المنظمة، بل بسبب ما حمله من لحظات غريبة أضفت مسحة غير مألوفة. فالرئيس، إلى جانب حديثه عن مواضيع جدية مثل الحروب والتحديات الداخلية في بلاده، إلا أنه لم يفوت الفرصة لتسجيل انتقادات حادة لعمدة لندن بسبب خلافات شخصية، وسخر من الأمم المتحدة بعد تعرضه لعطل طريف حين توقف المصعد به قبل دقائق من صعوده إلى المنبر هو وزوجته، مما أثار حنقه أكثر، ودفع أطرافاً في إدارته إلى المطالبة بفتح تحقيق وأن الأمر مدبر، قبل أن تجيب المنظمة عن ذلك مدافعة عن موقفها.
في الخطاب المثير للجدل وجه الرئيس انتقادات لاذعة لقادة العالم وللدور الدولي، قائلاً "بلدانكم تتجه إلى الجحيم"، مشيراً إلى سياسات الهجرة والطاقة التي وصفها بأنها تقود الدول إلى التدهور. وأضاف موجهاً انتقاده للسياسات البيئية "إذا لم تبتعدوا من خدعة الطاقة الخضراء، فستفشل بلدانكم". ولم يتردد في مهاجمة الأمم المتحدة نفسها، مؤكداً أن المنظمة من "المفترض أن تمنع الغزوات، لا أن تخلقها أو تمولها". هذه العبارات أثارت تبايناً كبيراً في ردود الفعل بين الوفود، ما بين صدمة واستياء، في حين اعتبرها آخرون انعكاساً للارتباك الأميركي في رسم السياسات الدولية.
لكن الخطاب لم يخل من الطرافة، إذ في أحد جوانبه الساخرة أضاف "إذا كانت الأمم المتحدة عاجزة عن العمل، فهي ليست سوى ناد باهظ الثمن يتعطل فيه حتى المصعد"، في جملة أثارت ضحكاً متوتراً داخل القاعة.
وأضاف عن الموضوع نفسه "كل ما حصلت عليه من الأمم المتحدة كان مصعداً توقف في منتصف الطريق. إذا لم تكن السيدة الأولى في حال جيدة، لكانت سقطت. هذه هي الأشياء الوحيدة التي حصلت عليها من الأمم المتحدة، مصعد معطل وتليبرومبتر (جهاز عرض النصوص) معطل".
3 قاعة نتنياهو الفارغة
من المشاهد الأكثر رمزية في الأسبوع خروج وفود عربية وإسلامية وأوروبية وأفريقية من القاعة عند اعتلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنصة. هذا الانسحاب الجماعي عكس حال العزلة التي تعانيها إسرائيل في ظل حرب غزة وتداعياتها. وفي خطابه، ركز نتنياهو على التهديدات الأمنية، متحدثاً عن "توسيع التطبيع" و"محاربة الإرهاب"، لكن مقاعد شاغرة كثيرة في القاعة عكست ضعف الاستجابة الدولية لروايته. تجنب غالبية الحضور الاستماع له بدا إشارة واضحة إلى تراجع رصيد إسرائيل في الساحة الدبلوماسية، في الأقل داخل الأمم المتحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومما قاله نتنياهو "لن نسمح بقيام كيان إرهابي ثانٍ في قلب الشرق الأوسط تحت مسمى دولة فلسطينية"، وهي جملة استقبلت ببرود داخل القاعة شبه الخالية. في حين سارعت حركة "حماس" إلى الرد ببيان مقتضب جاء فيه "خطاب نتنياهو المليء بالأكاذيب لا ينطلي على شعوب العالم، وخروج الوفود من القاعة أكبر رد على جرائمه في غزة، ورسالة بأن إسرائيل باتت معزولة أكثر من أي وقت مضى".
4 غوستافو يدعو الجيش الأميركي للتمرد
الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو سرق الأضواء، داخل القاعة وخارجها. ففي خطابه أمام الجمعية العامة، اتهم الرئيس الأميركي بالتواطؤ في "الإبادة الجماعية" في غزة، ودعا إلى تحقيقات جنائية في شأن هجمات صاروخية أميركية في الكاريبي. أما في الخارج، فخاطب تجمعات مؤيدة للفلسطينيين أمام مقر الأمم المتحدة، منادياً "أطلب من جميع جنود الجيش الأميركي عدم توجيه بنادقهم إلى الناس. لا تطيعوا أوامر الرئيس دونالد ترمب، أطيعوا أوامر الإنسانية". وكتب على حسابه في "إكس"، "حرروا فلسطين. إذا سقطت غزة، ستموت الإنسانية".
هذه التصريحات أثارت غضب واشنطن التي ردت سريعاً بإلغاء تأشيرة دخول بيترو، ووصفت مواقفه بـ"المتهورة والمحرضة على العنف". التوتر كشف حجم الفجوة المتزايدة بين الولايات المتحدة وبعض بلدان أميركا اللاتينية، وأبرز كيف تحولت القضية الفلسطينية إلى اختبار أخلاقي في نظر قوى الجنوب العالمي.
5 عودة الرئيس السوري بعد عقود
إحدى اللحظات الكبرى كانت حضور الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الجمعية العامة للمرة الأولى منذ نصف قرن تقريباً من غياب أسلافه من النظام السابق في دمشق. هذا الظهور، بحد ذاته، حمل دلالة رمزية في نظره على عودة تدريجية لسوريا إلى الساحة الدولية بعد أعوام من العزلة. في خطابه، ركز على إعادة الإعمار ورفع العقوبات والدعوة إلى سلام إقليمي يتجاوز الحروب. مشاركة سوريا، بعد عقود من القطيعة، أضافت بعداً غير عادي للأسبوع وإن كان متوقعاً بسبب لقاء الشرع وترمب في الرياض بوساطة سعودية قبل أشهر.
وأكد الرئيس السوري أن "شعوب المنطقة دفعت ثمناً باهظاً للحروب والتجاذبات، وحان وقت بناء شرق أوسط قائم على التعاون لا الصراع".
اختبار الأسبوع مستمر
ما جعل "الأسبوع الرفيع" لهذا العام مختلفاً ليس فقط تلك اللحظات الخمس، بل أيضاً ما تسرب من كواليس البيت الأبيض عن خطة لإنهاء حرب غزة، نشرت بعض تفاصيلها، بحثها الرئيس الأميركي مع عدد من الدول العربية والإسلامية. إذا ما قُدر لهذه الخطة النجاح، فقد تشكل نقطة تحول في مسار الصراع وتفتح الباب أمام شرق أوسط جديد.
على رغم السخط الواسع من عجز الأمم المتحدة عن حل عدد من الأزمات، فإن دورة هذا العام التي تزامنت مع مرور 80 عاماً على إنشاء المنظمة، بدت مختلفة عن سابقاتها، إذ حملت زخماً سياسياً وشعبياً لم نشهده منذ زمن، وأعادت للأمم المتحدة ولو موقتاً دورها كمنصة رئيسة لعرض التباينات، وكشف التحولات في اتجاهات الرأي الدولي. وبذلك، كان "الأسبوع الرفيع" هذا العام جديراً بأن يوصف بالتاريخي، ليس فقط بسبب الخطب، بل بسبب "إعلان نيويورك" والزخم الذي تبعه لمصلحة قضية فلسطين الشائكة، فضلاً عن المفارقات التي كسرت من رتابة الأسبوع وأعادت إليه حرارة افتقدها طويلاً، بعد رحيل نجومه الكوميديين أمثال كاسترو والقذافي.