ملخص
قررت الحكومة البريطانية العودة إلى إصدار بطاقات الهوية لسكان البلاد والمقيمين فيها بعد عقود من التوقف عن استخدام هذا النوع من أدوات التعريف، أما السبب فهو بحسب البيانات الرسمية محاصرة السوق السوداء للعمل والمساعدة على ضبط الحدود ووقف الهجرة غير الشرعية إلى المملكة المتحدة.
قررت الحكومة العمالية في لندن إعادة فرض الهويات الشخصية على سكان المملكة المتحدة، ضمن خطة ربما يستغرق تنفيذها سنوات عدة، ولكن الهدف الرئيس منها هو الحد من إمكان العمل والإقامة بصورة غير شرعية في البلاد، كما قال رئيس الوزراء كير ستارمر في بيان الإعلان عن مشروع الهوية اليوم الجمعة.
لجأت المملكة المتحدة إلى الهويات الشخصية الإلزامية خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهائها تعالت الأصوات المطالبة بإلغائها بسبب كلفة إصدارها على الدولة وسوء استغلالها من الشرطة، فاستجاب رئيس الوزراء حينها ونستون تشرتشل لتلك المطالب وأصدر قراراً بوقف العمل ببطاقات الهوية عام 1952.
في مطلع الألفية الجديدة اقترحت حكومة العمال بقيادة توني بلير مقترحاً لإصدار هويات شخصية توضح بيانات مختلفة عن الفرد من ضمنها بصمة اليد، وقد جاء المقترح لذات الأسباب التي استدعاها ستارمر اليوم، وملخصها ضبط الحدود ومحاربة الإرهاب ومنع العمل في السوق السوداء التي تضر بالاقتصاد الوطني.
وفي عام 2006 نجح "العمال" في تمرير مشروع القانون الخص بالهوية عبر البرلمان، وبدأوا مرحلة إصدار تجريبية شملت أكثر من 15 ألف بطاقة وزعت فقط على الشباب، ولكن بعد 4 سنوات وصل المحافظون إلى السلطة بقيادة ديفيد كاميرون وقرروا إلغاء المشروع بحجة ترشيد الإنفاق العام وحماية الخصوصية.
لم يكن إصدار الهويات الشخصية ضمن برنامج حزب العمال في الانتخابات العامة الأخيرة عام 2024، ما زالت وسائل الإعلام المحلية تستدعي نفي وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر نية الحكومة القيام بمثل هذه الخطوة بعد أشهر قليلة من توليها المنصب، لكن الحكومة اليوم تقول إن الظرف تغير والحاجة تستدعي.
يروج ستارمر للهويات الإلكترونية كوسيلة مضمونة لمحاصرة السوق السوداء للعمل والحد من الهجرة غير الشرعية إلى البلاد، ولكن أصواتاً كثيرة تفند مبررات الحكومة وتراها غير مجدية على الصعيدين، وفي أحسن الأحوال ليست ضرورية مع وجود خيارات أخرى للتأكد من هوية المواطنين والمقيمين في بريطانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وزيرة الثقافة ليسا ناندي ردت على نقطة البدائل بالقول إن كل الوسائل الأخرى ليست صارمة ودقيقة بالقدر الكافي، وبخاصة ما يسمى "رقم التأمين الوطني" الذي يمكن أن يتشاركه أشخاص عدة لأنه لا يقترن بصورة تربط الرقم بصاحبه، وهو ما يصعب على المؤسسات التأكد من هوية الذين يتقدمون للعمل أو الإعانات.
المشكلة الأخرى التي ترافق مشروع الهويات الإلكترونية هو ضرورة توفيرها لمن لا يملك هاتفاً أو جهازاً ذكياً أو كبار السن الذين لا يستخدمون التقنية كثيراً في حياتهم، وقد تعهدت الحكومة بمعالجة هذه الأمر عبر التشاور مع الجهات المعنية والاطلاع على تجارب مشابهة، سواء في القارة الأوروبية أو حول العالم.
والهويات الإلكترونية ستكون ملزمة حتى بالنسبة إلى المقيمين في البلاد بغرض العمل ويحملون تأشيرة تسمح لهم بالعمل في البلاد، وهذا يعني إصدار بطاقات الهوية لعشرات ملايين الأفراد، وهو ما يحتاج إلى موازنة ضخمة يتساءل البريطانيون من أين ستوفرها الحكومة، بينما تعيش البلاد أزمة مالية واقتصادية كبيرة اليوم.
يستهلك مشروع الهويات سنوات، وربما لن تكفي الولاية الحالية للعمال في البرلمان والحكومة لإنجازه، وهو ما يترك المجال مفتوحاً أمام أي حزب سياسي آخر في مجلس العموم لإلغائه إذا ما تبدلت الأحوال ووصل إلى السلطة عبر الانتخابات العامة المقبلة المقررة في 2029، تماماً كما فعل "المحافظون" عام 2010.
زعيمة حزب المحافظين المعارض كيمي بادينوك تقول إن العودة للهوية الإلزامية يحتاج إلى نقاش وطني واسع، واعتبرت الخطوة محاولة لصرف الأنظار عن أزمة الحزب الحاكم وحالة الانقسام التي تتسع بين صفوف "العمال" إزاء قيادة كير ستارمر، إلى حد ظهور منافسة فعلية بينه وبين عمدة مانشستر أندي بيرنهام.
والخصوصية هي من إشارات الاستفهام الكبيرة التي تلف مشروع الهوية اليوم، بخاصة أن الحكومة لم تكشف بعد عن ماهيتها، فإما أن تكون تطبيقاً يحمل على الهواتف والأجهزة الذكية ويتيح للحكومة وجهات أخرى استغلالها لتتبع بيانات صاحبها، أو تكون مجرد ملف إلكتروني يحفظ ببساطة كما تخزن تذكرة الطيران.
وما زال ملغزاً في مشروع الهويات أيضاً السؤال حول ماذا سيرتبط بها من خدمات ومعاملات يحتاج إليها المواطن والمقيم في المملكة المتحدة، تنفي الحكومة إلى الآن ضرورة ربطها بخدمات الصحة وبرنامج المساعدات، لكن تقارير صحافية تتحدث عن مرحلة لاحقة ستسعين فيها كل المؤسسات العامة والخاصة بالبطاقات.
بعد ساعات من الإعلان عن المشروع أطلقت عريضة على موقع البرلمان وقع عليها أكثر من مليون شخص ضد إصدار الهويات الرقمية، الأعداد في تزايد والحكومة ملزمة بالرد على كل عريضة تجاوز عدد الموقعين عليها 10 آلاف، بينما يتحتم على مجلس العموم مناقشتها في حال وصل عدد التوقيعات إلى 100 ألف.