ملخص
استناداً إلى بيانات هطول الأمطار والغطاء النباتي التي رصدتها الأقمار الاصطناعية جرى تفعيل بوليصة تأمين ضد الجفاف كمبادرة بتمويل وشراكة مع عدد من المنظمات، وبالتعاون مع برنامج الأغذية العالمية، وتتضمن صرف تعويضات بما يقارب 7,9 مليون دولار، وفي هذا الشأن قالت المديرة التنفيذية للاستدامة غابرييل درويش إن "هذا التعويض يمكن أن يحقق الفارق".
في أرض جرداء ووسط أغصان الأشجار اليابسة يقف المزارع عبدالحليم الأسمر من قرية "حيش" الواقعة في ريف إدلب الجنوبي شمال غربي سوريا، وقد عاد إلى أرضه بعد أكثر من 10 سنوات ويجاهد لترميم بيته المدمر خلال الحرب الأخيرة، لكنه يقف عاجزاً أمام مشكلة الجفاف في مزرعته.
يروي الأسمر أنه تمكن من حرث الأرض، لكن الأمطار لم تكن بالمستوى المطلوب، وظل المزارع الخمسيني الذي أطلق على نفسه "أبو جاسم" يستثمر أرضه عبر أقارب له كانوا يعيشون في المنطقة طوال فترة الحرب، "لكن هذا الموسم هو الأصعب والأقسى على الإطلاق من حيث الجفاف، وهناك خسائر مالية فادحة لحقت بكثير من المزارعين".
حلول إسعافية
يشبه حال أبو جاسم غالب المزارعين في وقت تقرع فيه المنظمات المناخية ناقوس الخطر في شأن تغيير مناخي في سوريا يهدد الأمن الغذائي، واستناداً إلى بيانات هطول الأمطار والغطاء النباتي التي رصدتها الأقمار الاصطناعية جرى تفعيل بوليصة تأمين ضد الجفاف كمبادرة بتمويل وشراكة مع عدد من المنظمات، وبالتعاون مع برنامج الأغذية العالمية، وتتضمن صرف تعويضات بما يقارب 7,9 مليون دولار، وفي هذا الشأن قالت المديرة التنفيذية للاستدامة غابرييل درويش إن "هذا التعويض يمكن أن يحقق الفارق".
وكانت منظمات أممية أصدرت تحذيرات حول موجة جفاف غير مسبوقة، هي الأسوأ منذ عام 1989، يمكن أن تهدد أزمة الأمن الغذائي في البلاد، ومن بين تلك التحذيرات ما خلصت إليه منظمة الأغذية والزراعة حول نقص الأمطار الشتوية مما أدى إلى فشل شبه كامل في إنتاج القمح، مما ينذر بعجز يقدر بنحو 2,73 مليون طن متري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقدرت حكومة تصريف الأعمال السورية في يونيو (حزيران) الماضي حجم الاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيل شبكة توزيع المياه بين 500 و700 مليون دولار، وترافق ذلك مع ما تشهده البلاد من دمار واسع في البنية التحتية بالبلاد خلال عقد كامل من الصراع.
في هذا الجانب يقول المدير العام للأرصاد الجوية عبدالكريم محمد لـ"اندبندنت عربية" إن الموسم الماضي من أكثر المواسم شحاً في هطول الأمطار، إذ بلغت دون الـ25 في المئة من معدلاتها بالمنطقة الشرقية، ودون الـ35 في المئة بمنطقة الجزيرة السورية، التي تسهم بصورة فاعلة في قطاع الزراعة بسوريا. أما المنطقة الجنوبية فتراوحت كميات الهطول بها من 60 في المئة في درعا إلى 17 في المئة في سرغايا بمنطقة الحرمون، مصدر المياه المغذي لدمشق. وفي المنطقة الوسطى كانت معدلات الهطول دون الـ50 في المئة، وفي الشمال دون الـ55 في المئة، وصولاً إلى المنطقة الساحلية دون الـ60-80 في المئة.
تضاؤل الإمكانات
في غضون ذلك ترك الجفاف آثاره على كثير من المحاصيل وسط انخفاض 40 في المئة من إنتاج القمح، مما يعطي مؤشراً خطراً إلى استمرار سوريا في طريق الاستيراد، إذ عملت طوال سنوات الحرب على الاستيراد من روسيا، وكانت المعارك والصراعات المسلحة سبباً مباشراً لعدم الإنتاج.
في المقابل يصنف المدير العام للأرصاد الجوية السورية، الجفاف كأحد خمسة أخطار أساسية تؤثر في مناخ وطقس سوريا، إضافة إلى موجات الحرارة وما ينتج منها من حرائق غابات، والعواصف الغبارية وتدهور الأراضي، وصولاً إلى وجود منابع غبارية مستجدة، وعواصف ريحية، وفيضانات خاطفة. كما أن معدل ارتفاع درجة الحرارة في سوريا، وخصوصاً في الأجزاء الداخلية منها، يعد من الأعلى عالمياً.
ولفت الانتباه إلى أن منطقة شرق المتوسط تعتبر من أكثر المناطق تأثراً بالتغيرات المناخية على رغم إسهامها المحدود في انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، وتتجلى هذه التغيرات بزيادة حالات الطقس المتطرف وتغير سلوك المناخ بما يستدعيه من تأثير في الموارد الطبيعية وحياة البشر ونشاطاتهم. وأردف، "إن قلة كميات الهطول ليست العامل الوحيد المؤثر في تحدي الجفاف، وإنما زيادة درجات الحرارة التي تسهم في زيادة التبخر والإجهاد الحراري للمزروعات، ويلعب تغير أنماط الهطول عاملاً معززاً للجفاف، حيث تقل كمية الهطولات الشتوية على حساب زيادة كميات (الهطول الحملية)، والتي تعطي كميات كبيرة من المطر في وقت قصير، مما يسبب انجرافاً مائياً للتربة، في حين تزداد في المقابل فترات الاحتباس المطري".
ويخلص عبدالكريم محمد إلى أن التغير المناخي بات حقيقة مثبتة تفرض نفسها على مختلف مفاصل الحياة وتستدعي مجابتها من العالم أجمع عبلا تخفيض الانبعاثات الغازية الصناعية، وزيادة المساحة الخضراء، واعتماد سياسات واستراتيجيات أكثر استدامة وحكمة في التعامل مع الموارد، واستنباط أنواع زراعية أكثر مقاومة للتغيرات المناخية، واعتماد ممارسات ري أكثر اقتصادية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تجاوز التحديات.
خسائر فادحة
تداعيات أزمة الجفاف التي لحقت بسوريا تتردد أصداؤها مع تناقص في إنتاج القمح، وتراجع في كميات المواسم، مما ترك أثراً سلبياً على المزارعين الذين تكبدوا خسائر مالية فادحة. وحذر كبير مسؤولي برامج منظمة الأغذية والزراعة في سوريا بيرو توماسو بيري، من أن يصل انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات غير مسبوقة بحلول أواخر العام الحالي وحتى منتصف العام المقبل.
وفي وقت تشير المنظمات الأممية إلى انعدام الأمن الغذائي لما يقارب 90 من السوريين، تترقب الأوساط التجارية موجة غلاء للمنتجات الغذائية، وتسعى الحكومة الجديدة إلى استيراد القمح ضمن مناقصة دولية تهدف إلى شراء نحو 200 ألف طن من قمح الطحين اللين، وسط توقعات بأزمة غذائية ضمن أسوأ موجة جفاف تسببت في تراجع الإنتاج، مما يهدد 3 ملايين سوري ربما بالجوع الشديد، بحسب برنامج الأغذية العالمي.