Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في النظام العالمي الجديد أولوية المساعدات تتقدم على التنمية

على وقع تضاعف الحاجة إلى المساعدات الإنسانية، تتقلص موازنات المساعدات وتوجه لقطاعات أخرى، ما يستدعي وضع استراتيجية واضحة تضمن عدم التخلي عن المجتمعات الأفقر والأشد هشاشة

تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية كان موجهاً في المقام الأول إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لا سيما البلدان الأفريقية (أ ف ب)

ملخص

في ظل تزايد الفقر الناتج من النزاعات وتراجع التمويل الدولي يدعو ديفيد ميليباند إلى إعادة توجيه المساعدات نحو المجتمعات الأكثر هشاشة، عبر استراتيجيات مبتكرة وتعاون دولي فعال لضمان وصول الإغاثة لمن هم في أمس الحاجة إليها بعيداً من الحسابات السياسية والاقتصادية الضيقة.

بات الخناق حول المساعدات الدولية أضيق من أي وقت مضى. فأكبر جهة مانحة للمساعدات، أي الولايات المتحدة، اقتطعت ما يزيد على 80 في المئة من المنح والعقود، فيما أعلنت المملكة المتحدة بدورها تقليص قيمة المساعدات بصورة ضخمة، ولكن في الوقت ذاته، يسجل عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدة الإنسانية (والمقدر بـ300 مليون شخص) مستويات قياسية.

نحن في حاجة إلى مقاربة جديدة تتسم بالترابط الفكري والصلابة السياسية. وعلينا التوقف عن الخلط بين مصطلحي "تنمية" و"مساعدة". فالتمييز بين المفهومين وحده يمكننا من التخفيف من تداعيات تخفيض المساعدات والمساهمة في جهود مكافحة الفقر عالمياً.

ما تبينه أي مراجعة للعقود الثلاثة الماضية هو أن المساعدات الخارجية لم تشكل حافزاً رئيساً للتنمية. فالتنمية التي شهدتها دول مثل الهند وغانا وكوريا الجنوبية والصين وفيتنام، تلك الدول التي نجحت في تقليص نسب الفقر بنسبة كبيرة، جاءت بسبب الأسواق الداخلية وإمكان الوصول إلى الأسواق الخارجية وتحسين الحكم والتحويلات المالية من المغتربين.

واليوم، تعد النزاعات، وليس التخلف، السبب الرئيس للفقر المدقع. عام 1990 كان أقل من 10 في المئة من الأشخاص الذين يعانون فقراً مدقعاً يعيشون في دول تطاولها النزاعات. وقد ارتفعت هذه النسبة التي تتخطى 50 في المئة بحلول العام 2024. ويتوقع البنك الدولي أن تعاود الارتفاع لتبلغ 65 في المئة بحلول 2030.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ينبغي أن يحسن هذا الواقع فهمنا للغاية من المساعدات. إذ تظهر حاجة ماسة إليها عندما تنهار الأسواق وتكون الحكومات هشة غير قادرة على التصرف وتفوق الحاجة الإنسانية الملحة كل ما عداها أهمية. ولهذا السبب يجب تركيز موازنات المساعدات - وليس تخفيفها - على أفقر الأشخاص في أشد البيئات عدائية.

لكن ما تظهره لنا بيانات عام 2024 هو أن 14 في المئة من المساعدة الإنمائية الرسمية العالمية فقط خصصت للإغاثة الإنسانية، و10 في المئة فقط لشؤون الصحة. وقد خصص 60 في المئة من المساعدات الثنائية للمنافع العامة العالمية، بما فيها التخفيف من آثار تغير المناخ والحد من انتشار الأمراض المعدية. ولا شك في أن هذه الأمور بالغة الأهمية لكن الاستثمار فيها يحدث على حساب دعم أشد الأشخاص فقراً. والأسوأ من ذلك أن الدول المانحة، بما فيها المملكة المتحدة، تنفق الآن جزءاً كبيراً من موازناتها المخصصة للمساعدة في الداخل على اللاجئين، وطالبي اللجوء، بما يقوض مفهوم "المساعدات الخارجية" نفسه.

بالتالي، فإن المساعدات ضئيلة في وقت تكبر فيه الحاجة إليها وتتركز. وفيما تتحول الحاجة من كونها تحد إنمائي بصورة أساسية إلى آخر يقوم على الهشاشة والصراعات، لا يزال نظام المساعدات يرتكز على العمل من خلال الحكومات التي غالباً ما تكون إما ضعيفة جداً أو متورطة للغاية في حالات النزاع.

هذا ما يجب أن يحدث من الآن فصاعداً:

أولاً، علينا أن ندرك الأهمية المركزية للسياسة الاقتصادية العالمية. في العام 2023 وحده، سلب ارتفاع أسعار الفائدة نحو 200 مليار دولار من الدول النامية - ما يعادل موازنة المساعدات برمتها. لا يمكن للمساعدات أن تنافس تدفق رأس المال إلى الخارج. ونحن في حاجة إلى أدوات جديدة: مقايضة الديون لأغراض إنسانية وبنود لتأجيل سداد الديون مرتبطة بالمناخ وتخفيف لأعباء الديون يربط سداد الدين بالنتائج المحققة.

ثانياً، علينا مساندة الابتكارات في مجال الإغاثة بما يتخطى تمويلها من الصناديق التجريبية. لقد أثبت اعتماد "لجنة الإنقاذ الدولية" International Rescue Committee’s (IRC) نماذج عمل استباقية - ومنها "تتبع توقعات الطقس" - أن الذكاء الاصطناعي قادر على التنبؤ بالصدمات المناخية والتخفيف من حدتها قبل أن تحدث. فالأداة الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي التي وضعناها بتصرف العاملين في مجال الصحة في مناطق نائية تبين كيف يمكن للابتكار أن يكون خياراً أكثر فاعلية من حيث الكلفة ومنقذاً للأرواح. يتطلب هذا النوع من الأدوات استثماراً مسبقاً، وتجميعاً للأخطار وتعاوناً بين القطاعين العام والخاص.

وثالثاً، علينا تركيز المساعدات حيث يكون تأثيرها أكبر. فإن التزام المملكة المتحدة، الذي تقلص إلى حد بعيد، بإنفاق 0.3 في المئة من الدخل القومي الإجمالي على المساعدات يجب أن يعني إنفاقها على المساعدات الخارجية وليس توظيفها في تغطية نفقات استضافة طالبي اللجوء محلياً. من المفترض أن يسترشد توجيه المساعدات بالحاجة والدليل ويركز على عدد أقل من الدول المعرضة لتقاطع أخطار النزاعات والفقر والصدمات المناخية، فيما ينظم من خلال برامج أثبتت فاعليتها.

نظراً إلى أن النزاعات تقطع المساعدات عن الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها، سنحتاج إلى الاستفادة من قنوات المجتمع المدني بصورة أفضل. يجب على الجهات الفاعلة في مجال التنمية مثل البنك الدولي أن تجعل الشراكة مع المنظمات غير الحكومية قاعدة أساسية بحيث تصل المساعدات مباشرة إلى الناس عندما تكون الدولة غير قادرة على تقديمها لهم أو غير راغبة في ذلك. وبصفتها أحد المساهمين الرئيسين في البنك الدولي، يمكن للمملكة المتحدة أن تكون من أهم دعاة هذه الإصلاحات.

رابعاً، علينا تعزيز فاعلية الكلفة. وفقاً لتحليل "لجنة الإنقاذ الدولية"، فإن الانتقال من تقديم المنح السنوية إلى تقديم منح على سنوات عدة قادر أن يزيد الفاعلية بنسبة 30 في المئة. ويمكن أن يؤدي جمع بعض الخدمات من قبيل التحصين وعلاجات سوء التغذية إلى زيادة إضافية قدرها 20 في المئة. كما أن الانتقال من أنظمة المساءلة القائمة على المدخلات إلى تلك القائمة على النتائج سيحقق مكاسب إضافية.

خامساً، من الضروري أن يتعاون المانحون في عملهم. يجب أن تشمل إعادة ضبط العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي الجهود المشتركة في مجال المساعدات. يتحول الاتحاد الأوروبي إلى قوة عظمى في مجال المساعدات، وهو يمتلك الشبكات والأنظمة والعمليات التي تناسب هذا المقام. ويجب أن تحول القيم والجهود المشتركة مع المملكة المتحدة التداخل في هذه الجهود إلى تآزر. فبدلاً من التكرار، علينا أن ندمج عملنا معاً.

وأخيراً، من الضروري أن نوضح بأن نجاح التدخلات الإنمائية وإصلاحات التمويل يتطلب حماية المدنيين وبناهم التحتية. فقانون الحرب يكرس هذه المبادئ لسبب وجيه، إذ إنه عندما ينتهي النزاع، فإن المصالحة وإعادة الإعمار هما السبيلان الأكثر ضماناً لتحقيق الاستقرار. لكن في المناطق التي تشعل فيها الحروب، من السودان إلى غزة، يسود إفلات من العقاب على نطاق خطر ومتنامي. فلنتذكر دائماً أن كل أزمة إنسانية هي أيضاً أزمة سياسية.

 

رئيس "لجنة الإنقاذ الدولية" ووزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد ميليباند

يندرج هذا المقال في إطار مشروع "اندبندنت" حول إعادة التفكير في المساعدات الدولية وفي إطار مجموعة المقالات المختارة التي تنشرها "الجمعية الفابية" تحت عنوان التنمية الواعدة - مستقبل الإغاثة في عالم بلا يقين.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل