Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعوة أحزاب جزائرية للحوار هل تعكس تخوفا من فقدان المكاسب؟

تنتقد الانغلاق والتهميش الذي لا يخدم الاستقرار ولا يقوي الجبهة الداخلية بينما يعقد الرئيس لقاءات مستمرة مع قيادات التشكيلات

أحزاب المعارضة تدعو السلطة إلى حوار يعيد بناء الثقة مع الشعب الجزائري (وسائل التواصل)

ملخص

أكد الرئيس الجزائري أن الدولة تعمل على توفير كل الشروط الضرورية لتمكين الشباب، سواء عبر التكوين والتنشئة السياسية أو عبر آليات الدعم الاقتصادي، داعياً الشباب إلى كسر حاجز الشك والانخراط بقوة في العمل السياسي الميداني.

هناك من يعتبر أن هذه الدعوة إلى الحوار هي محاولة لإعادة التموقع مع اقتراب الانتخابات التشريعية والمحلية، وما تخشاه الأحزاب هو القوانين التي قررت الحكومة عرضها على البرلمان في دورته الخامسة والأخيرة، خصوصاً المتعلقة بالأحزاب والجمعيات والبلدية والولاية والقانون العضوي للانتخابات، وأن هذه الأحزاب تريد المحافظة على مكاسبها ومكانتها.

فتحت دعوة أحزاب سياسية جزائرية السلطة إلى الحوار مقابل التحذير من ما وصفته بالانغلاق، أبواب التساؤل حول خلفيات الخطوة والتمسك بها في ظل تجديد المطلب في كل مرة، لا سيما أن السلطة تقدم خطابات إيجابية والرئيس عبد المجيد تبون لا يتوانى في عقد لقاءات مع مختلف القيادات السياسية من الموالاة والمعارضة.

وباتت التشكيلات السياسية في الجزائر ترافع لصالح حوار ونقاش سياسيين مع كل حدث تشهده البلاد، كما تعلن تشبثها بالدعوة عند كل نشاط حزبي يجري تنظيمه، ما خلق نوعاً من عدم الثقة بينها وبين السلطة، أدت إلى توسع دائرة العزوف الشعبي عن ممارسة السياسة، بخاصة أن أحزاب المعارضة ترى أن السلطة تدير ظهرها لمطالبها وتعتمد "الانغلاق والتجاهل والتهميش الذي لا يخدم الاستقرار الداخلي ولا يقوي الجهة الداخلية" وفق تعبيرها. وأشارت إلى أن البلاد تعيش أزمة ذات طابع هيكلي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يستدعي فتح حوار سياسي عميق وشامل.

مطالب ودعوات

وانتقد رئيس حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، عبد العالي حساني شريف، ما وصفه بـ"الاستمرار في تكرار الأخطاء وتضييع الفرص في بيئة إقليمية ودولية مضطربة"، وشدد على ضرورة الإسهام في تقليص منسوب الاحتقان الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، بدل الاكتفاء بتغيير الأشخاص من دون مراجعة السياسات والتوجهات، وحذر من أن أي تأخر في الإصلاحات قد يعمق حالة العزوف السياسي.

وأضاف حساني أن التغيير الحقيقي يبدأ بإصلاح سياسي شامل عبر حوار وطني جامع تشارك فيه كل القوى السياسية والاجتماعية، من أجل صياغة توافق وطني يضع حداً لحالة الركود السياسي ويؤسس لخيارات واضحة وواقعية، مبرزاً أن الإشكاليات الراهنة لا تحل إلا بتكريس الشفافية وفتح الإعلام العمومي للنقاش الحر، والانطلاق في إصلاحات قانونية وتشريعية عميقة تعيد الثقة إلى الحياة السياسية، وختم أن مستقبل الجزائر مرتبط بقدرتها على بناء حالة توافق وطني واسع يحشد الطاقات لمواجهة التحديات، وأن الحوار الوطني هو المدخل الأساس لتجنيب البلاد المزيد من الأزمات.

توافق بين المعارضة والموالاة

من جانبها، نددت جبهة القوى الاشتراكية المعارضة بالوضع السياسي المتأزم، معتبرة أن البلاد تعيش حالة انسداد خانق بسبب التسيير الارتجالي وتسييس القضاء والتضييق على الحريات، ودانت ما وصفته بـ"الإغراق السياسي" عبر تمييع المشهد الوطني بهيئات "فاقدة للشرعية الشعبية"، إضافة إلى الانتهاكات المتكررة للدستور وتعطيل المؤسسات، مثل تأجيل الدورة البرلمانية لهذا العام من دون أي سند دستوري، داعية إلى عقد سياسي واجتماعي جديد يقوم على حوار وطني شامل وصادق يجمع كل القوى الوطنية والديمقراطية.

وشددت الجبهة على ضرورة تحرير الطاقات الشبابية وتعزيز قيم الحرية والتسامح والتعايش بدل الانغلاق والتسلط، مشددة على أهمية القيام بإصلاحات عميقة تضمن سيادة القانون واستقلال القضاء والفصل بين السلطات وإلغاء القوانين المقيّدة للحريات وتقليص اللجوء للحبس الاحتياطي، إضافة إلى مراجعة القوانين المنظمة للحياة العامة بما يكرس الشرعية الديمقراطية والشفافية.

إلى ذلك، أكد رئيس حركة البناء الوطني الموالية، عبد القادر بن قرينة، أن إشراك الطبقة السياسية في إدارة الشأن العام بات ضرورة، وأن المؤسسة البرلمانية مطالبة بالقيام بدورها الرقابي بجدية أكبر، مشدداً على ضرورة تنظيم حوار وطني استراتيجي قبل نهاية 2025 وبداية 2026، يشمل مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها امتصاص البطالة وتخفيض التضخم وتعزيز الإنتاج الوطني. وأشار إلى أهمية اعتماد سياسة اتصال رسمية فعالة تتيح للرأي العام الاطلاع على الحقائق وتغلق الباب أمام محاولات التشكيك وزرع اليأس.

إشارات رئاسية

ولم تتوقف الأحزاب والشخصيات السياسية عن المطالبة بالحوار، إذ سبق أن قدمت قراءة نقدية لواقع الحقوق والحريات العامة والحياة السياسية، بمناسبة الذكرى الـ63 لاستقلال البلاد، وحذرت من استمرار مظاهر الانسداد والتضييق، ومن خطورة الجمود السياسي وتأجيل الإصلاحات، داعية إلى فتح نقاش وطني حر وشامل يمكن الجزائريين من التعبير عن تطلعاتهم في بناء مؤسسات شرعية تمثل إرادتهم الحرة.

وفي ظل تمسك الأحزاب بانتقاد سياسات الحكومات المتعاقبة والتشدد في المطالبة بالحوار، تظهر إشارات رئاسية تعاكس مواقف الطبقة السياسية، حيث شدد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في كلمته الموجهة إلى المشاركين في القمة الوطنية للشباب والمشاركة السياسية، على أن الدولة حريصة على بناء نموذج جديد في الممارسة السياسية، يرتكز على النزاهة والانضباط وروح المبادرة والعمل الميداني، موضحاً أن انخراط الشباب في الشأن العام هو الضامن الحقيقي لبناء جزائر ديمقراطية ومتقدمة.

لقاءات مع الرئيس

وأبرز تبون أن الدولة تعمل على توفير كل الشروط الضرورية لتمكين الشباب، سواء عبر التكوين والتنشئة السياسية أو عبر آليات الدعم الاقتصادي، داعياً الشباب إلى كسر حاجز الشك والانخراط بقوة في العمل السياسي الميداني. واعتبر أن ربح رهان الثقة يشكل المرحلة الأساسية لضمان مشاركتهم المؤثرة في صناعة القرار، وأن المنصات المفتوحة الحديثة يمكن أن تسهم في تجاوز البيروقراطية وتعزيز الشفافية والفعالية.

وبالنظر إلى المشهد الجزائري فيمكن اعتقاد أن هناك بعض المبالغة لدى قوى المعارضة وبعض الموالاة، على اعتبار أن الحديث عن غياب الحوار لا يمكن قبوله بسهولة مادام الرئيس تبون يعقد لقاءات مع قادة الأحزاب السياسية وقد فاقت الـ10 في ولايته الرئاسية الثانية، وقبلها عقده لقاء موسعاً في يوليو (تموز) الماضي، جمع 31 قائد حزب سياسي كشكل من أشكال الحوار السياسي.

السلطة تحتاج الحوار مع الأحزاب

وفي السياق، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي، مصطفى راجعي أن الحوار فيما بين الأحزاب وبين الأحزاب والحكومة ضروري من أجل الوصول إلى توافقات حول التحديات الكبرى. وقال إن الحوار لا غنى عنه، حيث أن الحكومة تحتاج إلى سماع أصوات وانشغالات الناس، موضحاً أن عدم إشراك الأحزاب في الحوار والتشاور يجعلها ضعيفة في نظر الرأي العام، ويفقد المواطن الثقة في قدرتها على إسماع صوته، و"إذا أردنا أن يثق المواطن في الأحزاب فعلينا إعطاؤها المكانة التي تستحق". وأوضح أن هناك أحزاباً سياسية تعبر عن توجهات ومصالح الأوساط الشعبية لا ينبغي إقصاؤها أو التدخل في شؤونها الداخلية.

ويتابع راجعي أنه لا ينبغي لبعض الأحزاب استغلال القضايا العربية للمزايدة على الحكومة التي برهنت على التزام كامل اتجاه قضايا تحرر الشعوب من الاستعمار، مبرزاً أن السلطة لها مسؤولية والأحزاب لها مسؤوليتها، وليست هناك حياة سياسية من دون مشاركة الشعب في النقاش السياسي الذي تنشطه الأحزاب، وأشار إلى ضرورة أن ينتقل المواطنون من أحاديث الشبكات الاجتماعية إلى القاعات لطرح القضايا والآراء. وختم أن السلطة تحتاج لبدء حوار مع الأحزاب لكن المجتمع جعل الحياة السياسة جامدة وجعل الطبقة السياسية ضعيفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعوة لا مبرر لها؟

في المقابل، يعتقد الأكاديمي المهتم بالشؤون السياسية دحو بن مصطفى أن الأحزاب السياسية تدعو إلى حوار لا تجد له السلطة مبرراً لأسباب عدة، منها أن الرئيس تبون أرسى تقاليد استقبال ممثلي الأحزاب السياسية للتشاور حتى تلك التي تمتلك تمثيلاً ضعيفاً على مستوى السلطات المحلية، كما أن الترويج للحوار يفهم منه وجود أزمة بينما السلطة ترافع من أجل برنامج إقلاع وتؤكد على وجود مؤشرات إيجابية، وبالتالي فكرة الحوار إقرار بوجود أزمة حسب رؤية الأحزاب، بالإضافة إلى أن السلطة ملتزمة بالشرعية الدستورية والمواعيد الانتخابية ولم تلجأ إلى إجراءات تخالف الدستور مثل حل المجالس مثلاً.

وأما عن سبب دعوة الأحزاب إلى الحوار، يقول بن مصطفى، إنها محاولة للتموقع مع اقتراب الانتخابات التشريعية والمحلية، و"ما تخشاه الأحزاب هو القوانين التي قررت الحكومة عرضها على البرلمان في دورته الخامسة والأخيرة، خصوصاً المتعلقة بالأحزاب والجمعيات والبلدية والولاية والقانون العضوي للانتخابات"، موضحاً أن هذه الأحزاب تريد المحافظة على مكاسبها ومكانتها، كما أن مشروع قانون الأحزاب الجديد يهدد القيادات لأنه يمنع أكثر من عهدتين، ما قد يترتب عنه حل بعض التشكيلات السياسية التي لم تعقد مؤتمراتها، اذ يمنحها القانون ستة أشهر من أجل المطابقة، ضف إلى ذلك ما ورد في مشروع قانون الجمعيات الذي يفصل بينها وبين الأحزاب ويحرمها من دعم الأحزاب. وختم أن الأحزاب أو بعضها استشعرت خطورة هذه القوانين، وترى فيها رغبة من السلطة للتجديد أو طريقة ذكية للتخلص من إرث أحزاب وقياداتها.

استقالة من المعارضة

وفي خضم الجدل الحاصل فيما تعلق بفتح حوار بين السلطة والطبقة السياسية، أعلن رئيس حزب "جيل جديد"، سفيان جيلالي، استقالته من رئاسة الحزب، مؤكداً في رسالة وجهها إلى مناضلي الحزب وجميع الجزائريين أنه حان الوقت لفسح المجال أمام قيادة جديدة تتولى تطوير المشروع السياسي ومواصلة النضال، وقال إنه قرر تكريس جهده للمعركة الفكرية، مع ترك المجال أمام قيادة جديدة تمنح الحزب نفساً إضافياً وتفرض نفسها بجودة عملها داخل الساحة السياسية، منتقداً واقع الحياة السياسية في الجزائر. واعتبر أن السلطة القائمة أغلقت مجال المعارضة وأضعفت المجتمع المدني والإعلام والنقابات وحولت العدالة إلى أداة للقمع، مما أدى إلى تفشي الفساد وتعليق الحقوق والحريات المنصوص عليها دستورياً.

وحذر جيلالي من انزلاق الحكم نحو الفردية، داعياً إلى إعادة بناء الثقة بين السلطة والشعب وفتح نقاش وطني عميق حول إصلاحات شاملة لتجديد نظام الحكم وبناء دولة قوية وعادلة، وأكد أن بلاده تواجه تحديات جيوسياسية وأمنية واقتصادية ومجتمعية كبرى، وأن تجاوزها يتطلب توافقاً وطنياً ورؤية حقيقية للتنمية من أجل إقامة دولة القانون ومؤسسات محترمة.

خلافات موالاة

كما تصاعدت الخلافات السياسية داخل أحزاب الموالاة مباشرة بعد تشكيل الحكومة الجديدة، إذ تبادل حزب "جبهة التحرير الوطني"، أكبر حزب في الجزائر، وحزب "صوت الشعب"، اتهامات سياسية حول ملفات عدة، حيث كان لمين عصماني، رئيس "صوت الشعب"، قد أبرز في مؤتمر صحافي، أنه "لا يوجد حزب كبير وحزب صغير، لا ‘جبهة التحرير الوطني‘ ولا ‘التجمع الوطني الديمقراطي‘، وجبهة التحرير لم تعد هي جبهة التحرير السابقة، الجميع في الوضع نفسه، نحن مقبلون على انتخابات نيابية مقبلة تعيد رسم خريطة سياسية جديدة"، معبراً عن استياء لافت من وضع القوى السياسية في البلاد وضيق الهوامش، وقال "نحن في وضع لا توجد فيه طبقة سياسية ولا أحزاب سياسية، تقريباً نحن بصدد العودة إلى دستور عام 1989، جمعيات ذات طابع سياسي"، وأضاف أنه "ليست هناك مؤسسات قوية ولا برلمان قوي ولا قضاء يعطي الأمان، ولا يجب أن نستمر في التأييد". وأوضح "نحن لا نتفاعل مع الأحداث وهذا مؤشر غير صحي، الجميع صامت، وهناك غياب لافت للنقاش المسؤول والطبقة السياسية، هناك وقائع قائمة، بينما يجب خلق فضاء حريات تسمح بنقاش مسؤول".

ورد حزب "جبهة التحرير" على "تهجم" شريكه في الموالاة، وعبرت كتلته النيابية عن استغرابها من تصريحات رئيس حزب "صوت الشعب"، وما تضمنته من تهجم غير مسؤول على "جبهة التحرير" ونواب البرلمان، "في محاولة يائسة للفت الأنظار عبر الإساءة لحزبنا". وقالت إن حزب "صوت الشعب" ليس له وجود شعبي، وهو "ليس سوى ختم ومحفظة انتخابية، يفتقر إلى الرؤية الوطنية والقاعدة الشعبية، ولجوء رئيسه إلى التهجم على حزب ‘جبهة التحرير الوطني‘ ليس إلا دليل إفلاس سياسي وعجز بيّن عن تقديم أي بديل جاد يخاطب تطلعات الجزائريين".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير