Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزواج غير المتكافئ سنا ظاهرة إلى تزايد في إيران

يشير تزايد اقتران الفتيات بالرجال الأكبر سناً إلى وجود أزمات اقتصادية ونفسية واجتماعية تهدد على المدى البعيد أسس الأسرة والمجتمع

ظاهرة ارتباط الفتيات بالرجال الأكبر سناً لا ترتبط فقط بالعوامل الاقتصادية بل تتسم أيضاً ببعدين نفسي واجتماعي (أ ف ب)

ملخص

ظاهرة العلاقات والزواج ذات الفارق العمري الكبير تعكس بعض الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المرّة داخل المجتمع الإيراني، فبينما يراها بعضهم استجابة منطقية للمشكلات البنيوية، يحذر آخرون من أن تطبيعها سيحمّل الأسرة والمجتمع أعباء وأضراراً أوسع نطاقاً.

خلال الأعوام الأخيرة تحول موضوع زواج الفتيات الشابات من الرجال الأكبر سناً إلى إحدى القضايا الجدية في المجتمع الإيراني، وهذه الظاهرة التي تشمل العلاقات السرية وغير الرسمية، وصولاً إلى الزيجات الرسمية، لم تعد مقتصرة على المدن الكبرى بل امتدت إلى المناطق النائية في البلاد.

وبحسب الإحصاءات فإن أولى التقارير حول هذه العلاقات تعود لمطلع العقد الأول من القرن الحالي، وآنذاك كان هذا النوع من الزواج أقل شيوعاً بسبب رفض المجتمع له، إلا أنه بعد مرور عقدين لم يعد الأمر مرفوضاً اجتماعياً وحسب، بل أخذ في الازدياد وفقاً لرأي الخبراء، ففي سبتمبر (أيلول) 2024 أعلنت منظمة السجل المدني أنه في العام الذي سبق ذلك التاريخ بلغ عدد النساء اللاتي  تزوجن برجال يكبرونهن بـ 15 سنة أو أكثر نحو 19498 حالة، ويظهر هذا الرقم بوضوح أن فارق السن الكبير لم يعد حالاً استثنائية، بل أصبح نمطاً آخذاً في الترسخ.

تحول إلى ظاهرة عادية

من أبرز مؤشرات انتشار هذه العلاقات تنظيم فعاليات تربط بصورة مباشرة بين فتيات من مواليد العقد الأول من القرن الحالي، ورجال من مواليد عقد الستينيات وما قبله، وقد أثار أخيراً نشر ملصق لفعالية بعنوان "فتيات الثمانينيات... رجال الستينيات" جدلاً واسعاً في الفضاء العام، ويرى المنتقدون أن هذه الأنشطة تمثل "محاولة للترويج لظاهرة مثيرة للجدل"، ويحذرون من أنها قد تقود إلى أزمات اجتماعية أعمق في المستقبل.

ويعتقد علماء الاجتماع أن ازدياد معدلات العزوبية بين مواليد عقد الستينيات وصعوبة الأوضاع الاقتصادية لدى مواليد السبعينيات والثمانينيات دفعا بعض الفتيات نحو الارتباط بالرجال الأكبر سناً، ويؤكد عالم الاجتماع الإيراني أمير محمود حريرشي في حديث صحافي أن "الرجال المتقدمين في السن الذين يتزوجون من فتيات شابات غالباً ما يتمتعون بوضع مالي جيد، وهو امتياز لا يتوفر لدى الشباب، ولذلك فإن الدافع الأساس في كثير من هذه الزيجات هو الاستقرار المالي"، وبرأيه فإذا كان الزواج من الرجال الأكبر سناً في الماضي يجري غالباً بإجبار الأسر، فإن كثيراً من هذه الزيجات اليوم يجري برغبة الفتيات أنفسهن بل وبدعم عائلي أيضاً، بحجة أن الوضع المالي للرجل الأكبر يضمن مستقبلاً أفضل للابنة.

ومع ذلك يشير خبراء اجتماعيون إلى أن اختزال الظاهرة في الجانب الاقتصادي وحده غير كاف، فإضافة إلى ضغوط التضخم والبطالة وعدم المساواة في الدخل، هناك دوافع نفسية لا يمكن تجاهلها، وبالنسبة إلى بعض الفتيات فإن الارتباط برجل أكبر سناً يشكل استجابة إلى حاجات نفسية، بحثاً عن الأمان أو استلهاماً من مكانته الاجتماعية وخبراته.

وفي جانب آخر يحذر بعض علماء النفس من أن مثل هذه الزيجات قد تؤدي إلى اختلال ميزان القوة في الحياة الزوجية، ففارق السن الكبير حين يقترن بالفارق الاقتصادي خصوصاً، يزيد من احتمال قيام علاقات قائمة على السيطرة والاعتمادية، مما يترك آثاراً سلبية في جودة حياة الفتيات، وعلى المدى الطويل يفرز انعكاسات أسرية واجتماعية خطرة.

كما يلفت الباحثون إلى الأخطار الناجمة عن العلاقات غير الرسمية، فغياب إحصاءات دقيقة يجعل من الصعب تحديد أبعاد الظاهرة، إلا أن تقارير متفرقة تشير إلى أن قسماً منها لا يسجل رسمياً كزواج، مما يفتح المجال لظهور مشكلات اجتماعية، مثل انعدام الثقة الأسرية والعنف المنزلي وارتفاع معدلات الطلاق، ويعتبر محللون اجتماعيون أن تزايد هذه الظاهرة يعكس تغيراً في أنماط العلاقات داخل المجتمع الإيراني، وهو تغير يتشكل في ظل الأزمات الاقتصادية والتحولات الثقافية وضعف البنى الداعمة للشباب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الحاجة إلى الحماية والبحث عن الاستقلال

ظاهرة ارتباط الفتيات الشابات بالرجال الأكبر سناً لا ترتبط فقط بالعوامل الاقتصادية أو الفوارق الجيلية، بل تتسم أيضاً ببعدين نفسي واجتماعي، وترى الاختصاصية النفسية الإيرانية سمیرا شيخي أن "كثيراً من الفتيات اللواتي فقدن آباءهن في الصغر أو افتقدن علاقة عاطفية قوية معهم، لم يحصلن على الدعم النفسي الكافي، ولذلك يبحثن عن شريك يقوم بدور الحامي، وهو ما يجدنه عادة لدى الرجال الأكبر سناً"، وإضافة إلى ذلك فإن الرغبة في الاستقلال عن الأسرة أو الهرب من بيئة اجتماعية مقيدة تعتبر دافعاً آخر لبعض الفتيات نحو هذه العلاقات، إذ يعتقدن أن هذه الزيجات قد توفر لهن فرصة لتحقيق استقلال مالي أو حتى تغيير مكان العيش، وغالباً ما يظهر هذا النمط في صورة زيجات بمهر مرتفع يعقبها طلاق سريع، وهي طريقة مضرة وتعد وسيلة موقتة لتحقيق الاستقلال، لكنها تحمل تبعات سلبية خطرة على المدى البعيد، كما تلعب دوافع أخرى دوراً، بخاصة في المدن الصغيرة أو بين الطبقات الفقيرة، حين تدفع ضغوط الفقر والأوضاع الأسرية غير المستقرة بعض الفتيات إلى قبول مثل هذه الارتباطات.

البحث عن الاستقرار

يرى علماء الاجتماع سبباً آخر لهذه الظاهرة يتمثل في غياب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لدى الجيل الشاب من الرجال، فكثير من الشبان يترددون في الزواج بسبب البطالة وضغوط المعيشة وصعوبة تحمّل المسؤولية، وفي المقابل يبدو الرجال في منتصف العمر، بعد تجاوزهم اندفاعات الشباب ووصولهم إلى مرحلة استقرار نسبي، أكثر جاذبية لبعض الفتيات، فهؤلاء لا يملكون فقط إمكانات مالية أكبر، بل ينظر إليهم أيضاً على أنهم أكثر التزاماً بالمسؤوليات وأبعد من العلاقات العابرة، ويشير الخبراء إلى أن النضج العاطفي والقدرة على ضبط المشاعر وخبرة العلاقات السابقة وفهم حاجات الشريك، كلها عوامل تجعل بعض الفتيات يعتبرن الرجال الأكبر سنّاً خياراً أكثر موثوقية للزواج والعلاقات العاطفية.

من المنفعة إلى الجهل بالتبعات

جزء من هذه العلاقات يتركز بصورة خاصة على الرجال المتزوجين في منتصف العمر، وهي علاقات تقوم بالدرجة الأولى على المصالح المالية، ففي مثل هذه الظروف تحصل الفتيات الشابات، إضافة إلى الدعم المالي، على شعور بالاطمئنان، إذ يعتقدن أن الرجال لا يستطيعون ممارسة سيطرة مشددة خوفاً من انكشاف العلاقة السرية، وفي الوقت ذاته ترى بعض الفتيات أن هذه العلاقات تتيح لهن إمكان إقامة علاقات موازية مع أقرانهن من الشباب، ومع ذلك فإن الجهل بالتبعات الاجتماعية والنفسية لهذه العلاقات يمثل أحد أبرز التحديات، فحكم المجتمع وانعدام التوازن في العلاقة واختلاف أنماط الحياة بين الأجيال، إضافة إلى شعور الرجال الأكبر بعدم الأمان تجاه وفاء الطرف الآخر، كلها عوامل قد تؤدي إلى أزمات عميقة، وفوق ذلك فإن خوض مثل هذه العلاقات، سواء في إطار الزواج الرسمي أو العلاقات السرية، يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد على الفتيات، من الاعتياد على علاقات غير متوازنة إلى صعوبة بناء علاقات صحية في المستقبل، وهي جميعها نتائج يحذر منها علماء النفس.

وفي هذا السياق فإن نمط العلاقات خارج إطار الزواج أو مع الرجال المتزوجين يحمل تبعات أشد خطورة، فالاعتماد المالي والشعور بالعار الاجتماعي وانعدام الأمان العاطفي من بين الأضرار التي قد تستمر لأعوام طويلة، ويعتقد الخبراء أن عدداً من الفتيات وعلى رغم إدراكهن هذه الأضرار، يخترن هذه العلاقات باعتبارها الطريق الأسرع لتحقيق رفاه موقت أو تلبية بعض الرغبات قصيرة المدى، وعموماً فإن ظاهرة العلاقات والزواج ذات الفارق العمري الكبير تعكس بعض الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والنفسية المرّة داخل المجتمع الإيراني، فبينما يراها بعضهم استجابة منطقية للمشكلات البنيوية، يحذر آخرون من أن تطبيعها سيحمّل الأسرة والمجتمع أعباء وأضراراً أوسع نطاقاً.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير