Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إقليم تيبستي الحدودي بين تشاد وليبيا "بؤرة ملغمة"

منطقة جبلية فقيرة تأوي إليها منظمات إرهابية وعصابات التنقيب عن الذهب والاتجار بالبشر والمخدرات ومراقبون يحذرون من خطر السيولة الأمنية على البلدين

سكان في تيبستي أمام أحد مناجم الذهب (AGP)

ملخص

الحكومة التشادية تسعى للسيطرة على منطقة جبال تيبستي لجلب شركات دولية متخصصة بالتنقيب عن الذهب واستغلال وارداته لتغذية الشريان الاقتصادي التشادي، لكن سيطرة هذه المجموعات المسلحة والمنقبين غير القانونيين الذين يتخذون من هذه المنطقة مقراً لأعمالهم تحول من دون ذلك في كل مرة ولعل اشتباكات عام 2022 بين السلطات التشادية وهؤلاء العناصر خير شاهد على ذلك.

أعادت التوترات التي تشهدها تيبستي التشادية بين الحين والآخر مخاوف تكرار سيناريو عام 2022 إلى الأذهان، حينما قتل قرابة 100 شخص أثناء المواجهات المسلحة بين القوات التشادية ومنقبين غير قانونيين عن الذهب.

وكانت مقاطع فيديو انتشرت أخيراً لعناصر تابعة للجيش التشادي وهي في طريقها إلى عاصمة الذهب تبيستي للسيطرة على المناجم هناك، التي يستغلها سكان الإقليم وعدد من العصابات الخارجة عن القانون في التنقيب عن الذهب سواء من الحدود التشادية أو الحدود الليبية، باعتبار أن تبيستي تقع باتجاه الحدود الجنوبية الليبية.

استعادة السلطة

وقال وزير الإدارة الإقليمية التشادية ليمان محمد ضمن مؤتمر صحافي عقد الأحد الماضي، إن "استعادة سلطة الدولة تتطلب وجود قوات قمعية قادرة على التدخل عند الضرورة، لكن هذا لا يعني أننا سنشن حرباً على سكان تيبستي "، في حين عبر وزير العدل التشادي يوسف توم عن تخوفه من عدم احترام حقوق الإنسان في الإقليم.

ونوه بأن "الجناة يرتكبون أفعالاً تنتهك حقوق الإنسان ويصورون أنفسهم وينشرون انتهاكاتهم، مما يسيء إلى صورة البلاد"، موضحاً أن تقاسم الحدود التشادية مع كل من ليبيا والنيجر سهَّل عبور بعض المجرمين إلى هناك، وقال "نحن في دولة قانون، ويجب احترام حقوق الإنسان".

وأكد الوزيران التشاديان أن أي تفكير في تقسيم البلد سيواجه بشدة وفقاً للقانون التشادي.

تطورات إقليم تيبستي المحاذية لليبيا المنقسمة على نفسها سياسياً وأمنياً منذ عام 2011 رفع أسهم المخاوف المحلية الليبية من إمكانية استغلال العناصر التشادية، المعارضة للنظام التشادي، الفراغ على الحدود الليبية للتسلل وتنفيذ أعمال إجرامية، وبخاصة أن الجنوب الليبي غني بالثروات المنجمية والمائية، مما يوفر بيئة خصبة لتنامي أنشطة الحركات المعارضة لأنظمة الحكم في عدد من الدول الأفريقية، لا سيما في ظل سهولة الحصول على السلاح داخل ليبيا والذي يقدر بـ29 مليون قطعة وفق تقارير أممية ودولية.

سيولة أمنية

وقال المستشار العسكري السابق للمجلس الرئاسي العميد عادل عبدالكافي إن حالة السيولة الأمنية والحدود المستباحة بين ليبيا والتشاد والسودان هي ما سهلت انتقال المقاتلين، وغذت شريان الهجرة غير النظامية بين ليبيا وبقية الدول الأفريقية، مما جعل المنطقة الجنوبية لليبيا ملاذاً آمناً لهذه المجموعات المسلحة ومنها المنقبون عن الذهب.

وأضاف "تلك المنطقة تسمى جبال الجوع لأنها فقيرة على مستوى الموارد الطبيعة، مما يجعل من الصعب الإقامة أو السكن فيها أو تكوين مجتمعات بها إلا بأعداد بسيطة جداً، ومن ثم تكون فريسة للمجموعات الخارجة عن القانون".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوه عبدالكافي بأن هذه المنطقة تعد امتداداً لقبائل التبو التي توجد في ليبيا والتشاد وهي تتحرك في بعض هذه الأماكن، لذلك من الصعب سيطرة القوات النظامية التشادية على جبال تيبستي نظراً إلى وعورة تضاريسها الجبلية وقربها من الجنوب الليبي الذي يعد ملاذاً آمناً للعناصر الفارة من أنظمة بلدانها، منبهاً من خطورة استغلال الامتداد القبلي في فرار المنقبين عن الذهب إلى الجنوب الليبي المثقل بطبيعته بالهجرة غير النظامية.

وقال إن تحذيرات وزير العدل التشادي يوسف توم من استغلال المجرمين للحدود مع ليبيا والنيجر للهرب تحاكي الواقع، إذ إن غياب آلية مشتركة لتأمين الحدود بين البلدان المذكورة شجعت المجموعات الخارجة عن القانون على النشاط في التهريب والتنقيب عن الذهب وتجارة المخدرات والقيام بأعمال إرهابية، وجميعها ظواهر تحتاج إلى جهود دولية لردعها، موضحاً أن أول الجهود يجب أن تصوب نحو ممر السلفادور الذي يبدأ من أول حدود ليبيا مع الجزائر والنيجر، وصولاً إلى جبال تيبستي الواقعة شمال العاصمة التشادية أنجامينا.

وأوضح المستشار العسكري السابق للمجلس الرئاسي أن الحكومة التشادية تسعى للسيطرة على منطقة جبال تبيستي لجلب شركات دولية متخصصة في التنقيب عن الذهب واستغلال وارداته لتغذية الشريان الاقتصادي التشادي، لكن سيطرة هذه المجموعات المسلحة والمنقبين غير القانونيين الذين يتخذون من هذه المنطقة مقراً لأعمالهم تحول من دون ذلك في كل مرة، ولعل اشتباكات عام 2022 بين السلطات التشادية وهؤلاء العناصر خير شاهد على ذلك.

التغول في ليبيا

نبه عبدالكافي على انتقال خطر هذه المجموعات إلى ليبيا وبخاصة أن جانباً من جبال تبيستي واقع على الحدود الجنوبية الليبية، وتتحرك فيه جماعات مسلحة تتقن الانتقال في هذه التضاريس الوعرة عكس القوات النظامية.

وعلاقة بانعكاس الوضع الأمني في جبال تبيستي على ليبيا حذر العميد عبدالكافي من تكاثف حالة السيولة الأمنية لا سيما أن ليبيا تعاني انقساماً سهل بدوره تنقل العناصر المسلحة، قائلاً إن "الحروب التي دارت داخل الأراضي الليبية والاستعانة بالمرتزقة الأفارقة سواء من تشاد أو من النيجر والسودان أسهم في تغول هذه المجموعات المسلحة، التي أصبحت تمتلك أسلحة متوسطة وخفيفة وآليات دفع رباعي تسهل حركتها بين البلدان المذكورة، وبخاصة أنها كانت تتمتع بدعم من أطراف الصراع الليبي، كذلك فإن المعارضة التشادية وجدت في الجنوب الليبي بيئة مناسبة لإطلاق عملياتها باتجاه حكومة أنجامينا".

وقال إن منطقة تيبستي من الجانب التشادي والجانب الليبي مرشحة دائماً لتحرك المجموعات المسلحة ونشاط الجماعات الإرهابية وتنامي الهجرة غير النظامية، وتابع أن "محاولة السلطات في أنجامينا السيطرة على عاصمة الذهب تبيستي لن تنجح لوعورة تضاريسها. ودعا عبدالكافي ليبيا وتشاد والسودان والجزائر والنيجر للاتجاه إلى التعاون المشترك وتبادل المعلومات.

سهولة العبور

العقيد المتقاعد من القوات المسلحة الموريتانية البخاري مؤمل كشف عن أن الوضعية الأمنية في تيبستي الواقعة على الحدود الليبية ليست حديثة العهد، بل كانت دائماً وكراً لعدم الاستقرار في السبعينيات، فحسين حبرق قاد التمرد الذي أوصله للسلطة انطلاقاً من منطقة تبيستي. وأضاف أن التمردات التي كان يقاتلها الرئيس التشادي الأسبق إدريس ديبي كانت تأتي من تلك المنطقة.

وأوضح أن تيبستي كانت دائماً وكراً لتمرد الجماعات الخارجة عن النظام لأسباب عدة، أولها أن السكان لديهم شعور بالحرمان لأنها منطقة صعب الولوج إليها والقبائل التي تسكنها ليست بالضرورة هي التي تحكم، فأكثريتها قبائل عربية وقبائل من غير أصول أفريقية، مؤكداً أن إمكانية التمويه فيها سهلة.

وقال إن الوضع من الجانب الليبي يختلف، لأنها عبارة عن مناطق صحراوية لا توجد بها آليات للتمويه لكنها سهلة العبور، إذ تشترك الجهة التشادية أو الليبية في ظاهرتين مناخيتين لهما أثر في الأمن وعلى حركة القوات المسلحة، هما ارتفاع درجة الحرارة نهاراً وانخفاضها ليلاً وندرة المياه بصورة خطرة، وجميعها أوضاع تجعل مهمة القوات المسلحة النظامية صعبة لأنها معتادة على ظروف مناخية جيدة مقارنة بالمتمردين والمنقبين عن الذهب.

 

وأكد أن الأوضاع السياسية في كل من ليبيا وتشاد تدفع إلى أن تكون عاصمة الذهب تيبستي مركزاً للكر والفر بين العناصر الخارجة عن القانون والقوات المسلحة بتشاد وليبيا، فالأولى تشهد أزمة سياسية وحرباً داخلية باعتبار أن النظام الحاكم فيها يفتقد شرعية الانتخابات، ولا يبدو أن هذه الإشكالية في طريقها للحل، والثانية منقسمة بحكومتين على الأرض لكل منهما جناح عسكري.

وربط العقيد الموريتاني حل الأزمة في تبيستي بحل الأوضاع السياسية في البلدان المعنية ومن ثمة تسوية الأزمات الأمنية ومن بينها أزمة تيبستي، لأنه لا يمكن حل أزمة الأمن في المنطقة الحدودية ما لم تحل الأزمة السياسية في تشاد ولا يمكن أن تحل أزمة الحدود الليبية مع تشاد ما لم تحل الإشكالية الليبية.

ووصف تيبستي بـ"منطقة العبور للجريمة المنظمة وللسلع غير المرخصة بما فيها الوقود، إضافة إلى ما يسمي بالتعدين الأهلي وبخاصة المعادن غالية الثمن وعلى رأسها الذهب، لأن ضمن العمال الذين يشتغلون فيه يندس مجرمون وإرهابيون، كما أنهم يتعاملون مع الجريمة العابرة للحدود بأنواعها المختلفة وعلى رأسها الجريمة ذات الطابع السياسي"، منوهاً بأن هذه العوامل كلها لها تأثير في تشاد وليبيا.

ولتجنب دخول ليبيا وتشاد أزمة تيبستي نصح العقيد المتقاعد من القوات المسلحة الموريتانية البخاري مؤمل النخبة السياسية في البلدين بالعمل على حل إشكالياتها، وأولاها اختيار نظام سياسي ثابت قادر على التصدي للتحديات، وثانيتها التوجه إلى بناء آلية أمنية مشتركة للحدود بين النيجر وليبيا وتشاد والسودان، وتقنين ما يسمي بتعدين الذهب الذي لن يكتمل إلا بالشرط الأول (حل الأزمة السياسية في التشاد وليبيا).

التنامي الاقتصادي

المتخصص في الشؤون الأفريقية في مركز الجزيرة محمد تورشين أوضح أن إقليم تيبستي من أهم الأقاليم التشادية التي تتوافر فيها كميات كبيرة من الذهب واليورانيوم، وتنشط فيها عمليات التنقيب العشوائي من قبل عدة أطراف مسلحة ما من شأنه أن يسهم في تنامي عمل تلك الجماعات التي تعود بالنفع على اقتصادات الفصائل المسلحة.

وتابع تورشين أن التبو قبيلة من أهم القبائل الموجودة في كل من ليبيا وتشاد والسودان ولديها امتدادات حتى النيجر، وربط وجود عناصر من التبو ضمن المنقبين غير النظاميين عن الذهب برغبة هذه القبيلة في الاستحواذ على هذا المنجم، ما من شأنه أن يشكل لها عنصراً مهماً من الاستمرارية والحصول على المكاسب والموارد الاقتصادية التي ستعمل على تعزيز نفوذها في منطقة الساحل الأفريقي وأيضاً في ليبيا، وستستدعي عدداً كبير من عناصر أفرادها الموجودين في كل من الدول المذكورة آنفاً للسيطرة على هذا المنجم في تبيستي، مما سيسهم بصورة أو بأخرى في تنامي الجريمة المنظمة، كقضية الاتجار بالمخدرات والبشر باعتبار أن هذه العناصر في حاجة إلى تمويل نشاطاتها التي سيوفرها منجم تبيستي.

وقال إن أزمة تيبستي لا يمكن حصرها في قبيلة التبو، بل إن العناصر المسلحة المسيطرة على منجم تيبستي ستتحالف مع جماعات أخرى صاحبة ثقل ديموغرافي حتى يكون لها تأثير في الساحل الأفريقي وداخل ليبيا.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير