ملخص
تحتاج الولايات المتحدة بالفعل إلى عمالة أجنبية، لكن الجدل الدائر يتمحور حول ضرورة إيجاد التوازن المناسب.
يخوض الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغامرة جديدة في ملف الهجرة، مُراهناً على قدرته على إجبار الشركات على التنافس لاستقطاب المهندسين والعاملين الأميركيين الموهوبين في قطاع التكنولوجيا، بدلاً من توظيف عمالة أجنبية عبر برنامج التأشيرات الشهير "أتش وان بي" وقد لا يروق ذلك لأصحاب الأعمال، لكن إصلاح البرنامج تأخر كثيراً.
القرار الذي وقّعه الرئيس يرفع كلفة الحصول على التأشيرة إلى 100 ألف دولار للعامل الواحد، تتحملها الشركة. وهذه ليست الكلفة الوحيدة، إذ يسعى ترمب أيضاً إلى تعديل قواعد الأجور السائدة لضمان حصول حاملي التأشيرات على الأجر نفسه الذي يتقاضاه الأميركيون، وهو تغيير يُفترض أن يزيد صعوبة استقدام العمالة الأجنبية على الشركات.
كيف ستتأثر الشركات الأميركية؟
تُبقي الخطة، التي قد تواجه طعوناً قانونية، على برنامج "أتش وان بي" كملاذ أخير في المجالات التي تعاني ندرة في الكفاءات، لكنها تميل بالكفة لمصلحة العمال الأميركيين، في استجابة لمنتقدين داخل وخارج تيار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، الذين يرون أن الشركات أصبحت مدمنة على توظيف عمالة أجنبية أقل كلفة.
شركات التكنولوجيا، التي اعتمدت على "أتش وان بي" لأعوام، قد تكون أكبر الخاسرين من القواعد الجديدة، إذ بدأ بعض عمالقة القطاع التحذير من أن "توقف الولايات المتحدة عن جذب أفضل المواهب سيقلّص بصورة كبيرة قدرتها على الابتكار ونمو الاقتصاد"، كما قال الشريك في شركة "مينلو فينتورز"، ديدي داس، عبر منصة "إكس"، إضافة إلى إطلاق الكثير منها تحذيراً للموظفين من مغادرة الولايات المتحدة ودعت من هم خارج البلاد إلى العودة سريعاً تحسباً لأي مفاجآت من إدارة ترمب.
تعثرت محاولة سابقة من البيت الأبيض لإصلاح البرنامج بعد اعتراضات من شخصيات مثل إيلون ماسك وفيفيك راماسوامي، اللذين غادرا الإدارة لاحقاً.
هل شُوّه البرنامج عن غايته الأصلية؟
يرى المؤيدون للقرار أن ترمب أصاب حين قال في إعلانه إن برنامج "أتش وان بي" كان "يُستغل بصورة متعمّدة"، وإن "ممارسات منهجية مسيئة" أدت إلى إحلال واسع للعمالة الأميركية الماهرة بعمال يتقاضون أجوراً أقل.
حتى إن الأميركيين أصحاب التخصصات العلمية والهندسية، الذين اعتقدوا أن شهاداتهم ستفتح أمامهم فرصاً وافرة ووظائف مجزية، يكافحون اليوم للعثور على عمل، علاوة على أن نسب البطالة بين خريجي الفيزياء وعلوم الكمبيوتر والكيمياء أسوأ بكثير من المعدل العام لخريجي الجامعات، بل تكاد تضاعف معدلات البطالة بين خريجي تخصصات مثل تاريخ الفن والفنون المسرحية.
أين تكمن الثغرات في النظام؟
هناك ما يكفي من حالات سوء الاستغلال الموثقة لتأكيد الحاجة إلى الإصلاح، فالنظام وُضع لمساعدة الشركات على العثور على كفاءات متخصصة، لكن كثيراً من التحقيقات أظهرت كيف تلجأ شركات التكنولوجيا إلى التحايل على البرنامج لتوظيف عمالة تقنية برواتب أدنى وبمعدلات استقالة أقل (لأن حاملي التأشيرات يجدون صعوبة أكبر في تغيير وظائفهم).
تكشف التحقيقات عن ثغرات كثيرة، مع وسطاء يقدّمون طلبات بالجملة ويحتكرون أكبر عدد ممكن من التأشيرات، ثم يؤجّرون هؤلاء العمال لعدد محدود من الشركات الكبرى، ففي عام 2023، جرى تقديم 446 ألف طلب في برنامج لا يتيح سوى 85 ألف تأشيرة للقطاع الخاص.
يعتمد النظام على قرعة لتوزيع هذه الحصص، مع ذهاب أكثر من 70 في المئة من تأشيرات "أتش وان بي" إلى بلد واحد هو الهند، وربما لا يعود ذلك إلى "امتلاكها أفضل المواهب في العالم"، بل إلى شبكة فعّالة للغاية من شركات التوظيف التي تتخصص في توفير عمالة هندية بأجور منخفضة بصورة مصطنعة.
ما حجم الاعتماد على العمالة الأجنبية؟
وفقاً للبيت الأبيض، بلغ عدد حاملي تأشيرات "أتش وان بي" بحلول عام 2000، أي بعد 10 أعوام من إطلاق البرنامج، نحو 1.2 مليون عامل أجنبي، ليتضاعف الرقم إلى 2.4 مليون بحلول 2019، متجاوزاً نمو الوظائف العلمية والتقنية، علاوة على أن أكثر من 26 في المئة من الوظائف في مجالات الكمبيوتر والرياضيات كانت مشغولة بحاملي هذه التأشيرات، والجامعات أيضاً تعتمد على البرنامج، إذ قدّر تقرير عام 2021 أن أكثر من خُمس أعضاء هيئة التدريس في الجامعات من مواليد الخارج.
هل يملك ترمب الحل الأمثل؟
هناك ترقب في شأن ما إذا كان حل ترمب هو العلاج الصحيح، فرسوم الـ100 ألف دولار، إلى جانب قواعد الأجور الجديدة، قد تكون مثقلة بما يكفي لنسف البرنامج بالكامل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في زمن آخر، كان من الممكن أن تُناقش هذه التفاصيل في الكونغرس، بشهادات اقتصاديين ومديرين تنفيذيين ومقترحات تشريعية متنافسة، لكننا لسنا في ذلك الزمن، ولحسن التدبير، منحت إدارة ترمب هذا الإصلاح فترة تجريبية تمتد لعام كامل، يعاد بعدها تقييمه.
هل باتت التغييرات الجذرية أمراً محتوماً؟
يرى مراقبون أن التغييرات الجذرية حتمية، ويقترح السيناتور الجمهوري جيم بانكس من إنديانا نسخة خاصة به ستصبح قانوناً إذا أُقرّت، بخلاف إعلان ترمب، والقضية لا تسير وفق خطوط حزبية واضحة، إذ يشارك الديمقراطيون أيضاً في الحرص على أن تكون الأولوية لخريجي الجامعات والعاملين الأميركيين لشغل هذه الوظائف ذات الرواتب المرتفعة.
تنطوي سياسة ترمب على أخطار عدة، فإصلاح برنامج "أتش وان بي" يرفع الكلفة بصورة كبيرة في وقت تعاني فيه الشركات أصلاً لإيجاد العمالة الماهرة التي تحتاج إليها، وإذا لم تتمكن الشركات من العثور على مصادر تنافسية للعمالة، فقد تتباطأ خطط التوسع، مما يؤدي إلى تراجع في إجمال عدد الوظائف، بل قد تضطر بعض الشركات المحبطة إلى نقل هذه الوظائف للخارج.
هل تكفي سياسة المواجهة وحدها؟
يُعد نهج ترمب القائم على "المضي قُدُماً بلا اكتراث" نهجاً كثيراً ما ترافقه ثغرات وتناقضات كان يمكن تجنّبها عبر مقاربة أكثر حذراً وتعاوناً، ومن شبه المؤكد أن تلي ذلك معارك قضائية، لكن لا شك أنه ثبّت موقفاً صارماً، متحدّياً الآخرين لتقديم بديل أفضل.
تحتاج الولايات المتحدة بالفعل إلى عمالة أجنبية، لكن الجدل الدائر يتمحور حول ضرورة إيجاد التوازن المناسب، فرغبة الشركات في الحصول على عمال مهرة بأجور أدنى قد تتحول إلى سباق نحو القاع.