Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يقصد البطل المهزوم "فندق الصمت" لينتحر فيكتشف الحياة

رواية الأيسلندية أودور آفا أولافسدوتير اختيرت أفضل عمل وصنفت بين الـ10 الأوائل

الروائية الأيسلندية أدورو آفا أولافسدوتير (دار الآداب)

تقدم الكاتبة الأيسلندية أودور آفا أولافسدوتير، الحائزة جائزة المجلس الشمالي للأدب، روايتها "فندق الصمت" في إطار نزعة وجودية ثاقبة (Hotel Silence, Auður Ava Ólafsdóttir). فبين راوٍ يريد الانتحار وبلاد أرهقتها الحرب، تظهر رؤية واقعية وجودية للطبيعة البشرية، فتقول الكاتبة على لسان بطلها يوناس، "نحن نولد، ونحب، ونعاني، ونموت" (ص175)، لتكون الأسئلة الأبرز التي تطرحها الكاتبة الستينية في روايتها هذه متعلقة بالحياة والعالم ودور الإنسان ووجوده: لماذا نعيش؟ ماذا هناك لنرى أو لنفعل أو لنقدم لهذا العالم الكبير الذي سيكمل دورانه بنا ومن دوننا؟ وما جدوى وجودنا نحن الكائنات الفانية، والتي تدرك للأسف أنها فانية؟

ومن الجدير ذكره أنه تم اختيار هذه الرواية، "فندق الصمت"، كأفضل رواية أيسلندية وواحدة من أفضل عشر روايات عالمية لعام 2018 بحسب جريدة "اندبندنت" البريطانية. وحديثاً صدرت هذه الرواية عن دار الآداب  في ترجمة عربية جميلة قام بها المترجم والكاتب السوري المقيم في السويد حسام موصللي.

وبدلاً من أن تعني كلمة "فندق" الموجودة في العنوان ما تعنيه عموماً من راحة واستجمام وإجازة سعيدة، يتحول الفندق في رواية "فندق الصمت" إلى مكان يتوجه إليه البطل لينتحر. يتحول الفندق إلى مكان موت وفناء وهرب من الحياة القاسية التي تملأ الإنسان جروحاً وندباً، لتتركز حول هذه الأزمة الوجودية حبكة السرد والفضاء السردي، فهل ينتحر يوناس؟ وهل يجد الموت تماماً كما أراده؟

جسد تملأه الندبات

تختار الكاتبة الأيسلندية أودور آفا أولافسدوتير أن تجعل روايتها التي تربو على مئتي صفحة بترجمتها العربية، في قسمين: جسد؛ وندبات. فيقع القارئ على نص نثري يدور حول الموت والمعاناة واليأس وفقدان البوصلة، أو فقدان الرغبة بالعيش من دون دراما أو مبالغات نثرية أو حتى إيغال في البلاغة أو التعبير عن المشاعر، بل على العكس، يبدو النص منطقياً عقلانياً يبحث راويه عن أفضل طريقة للموت، فيقول، "هل أطلق النار على نفسي في غرفة المعيشة أو أشنق نفسي في غرفة النوم، أم المطبخ، أم الحمام؟ يجب كذلك أن أختار ما سأرتديه من ملابس. ما الأنسب؟ هل أرتدي منامتي، أم أفضل ملابسي، أم ملابس العمل، وبجوارب أم بحذاء؟" (ص47).

يتحول الجسد بندباته إلى مرآة الروح وجروحها ومعاناتها ومآزقها، فيقول الراوي، "أنا على جهة، وجسدي على جهة أخرى. وكلانا غريب" (ص128). وعلى الرغم من أن الراوي لا يزود قارئه بتفاصيل كثيرة عن حياته، إنما الأبرز موجود، فيوناس إبنسر رجل أيسلندي يبلغ من الطول متراً وخمسة وثمانين سنتيمتراً، ومن الوزن أربعة وثمانين كيلوغراماً، وسيبلغ تسعة وأربعين عاماً بعد أيام قليلة، هو رجل حزين، متزوج ومطلق، له ابنة كان يظنها ابنته الوحيدة، إنما تبين أنها ليست ابنته في الواقع.

ويوناس هذا الرجل الرزين المنطقي المحاط بنساء، يكتشف أن نساءه سبب تعاسته، فأمه تنزلق في مستنقعات الضياع، وطليقته كاذبة، وابنته ليست ابنته فعلاً. يوناس هذا الراوي المذكر المحوري المتمسك بزمام السرد هو في الواقع رجل ضعيف بسيط تتهمه زوجته أنه يعيد كلامها من بعدها، وأنه لا يقدم أي جديد في هذه الحياة. فيهرب هذا الراوي المقهور من ندباته، يخبئ ندبات جسده بوشم كبير على صدره، بينما يقرر أن يرحل إلى أرض حرب ليموت فيها ويشفي روحه من ندباتها.

حبكة سردية منطقية واقعية تختارها أودور آفا أولافسدوتير لراويها وبطلها يوناس. فضاء سردي لا يحتمل المصادفات ولا الافتعالات ولا حتى الإغراق في التفاصيل، رجل يسافر إلى فندق في مدينة شهدت معارك وحروباً ليموت بعيداً عن نسائه خوفاً عليهن من اكتشاف جثته. وهل أفضل من الموت في أرض ارتوت من دماء جنود وأبرياء ونساء وأطفال؟

هومو هابيليس (الإنسان الماهر)

في غياب الهدف من الوجود وفي غياب إرادة التشبث بهذا العالم يصبح الموت أفضل الحلول، فيطرح راوي أودور آفا أولافسدوتير أسئلة سارترية، إن أمكن تسميتها بذلك، فيقول، "هل سيفتقدني العالم؟ كلا. هل سيزداد العالم فقراً من دوني؟ كلا. هل سينجو العالم من دوني؟ أجل. هل العالم مكان أفضل الآن مما كان عليه حين جئته؟ كلا. ماذا فعلت كي أحسنه؟ لا شيء" (ص18).

يختار يوناس إبنسر أن يسافر إلى بلاد فيها حرب ليموت فيها، لكنه مع وصوله إلى "فندق الصمت" مع علبة العدة التي أحضرها معه ليعلق مشنقته، يكتشف أنه يستطيع أن يقدم الكثير لهذا العالم الذي كان مستعداً للتخلي عنه. وبينما كانت نساء يوناس في القسم الأول سبب ندباته وآلامه ورغبته في الموت، تتحول نساء القسم الثاني إلى منقذات عبر حاجتهن إلى رجل يصلح بيوتهن وحيواتهن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكتشف نساء المنطقة التي يقع فيها "فندق الصمت" أن يوناس رجل ماهر في إصلاح الأشياء، فهو يصلح الأبواب، والأنابيب والأرضيات. وباكتشاف النساء طاقات يوناس، يكتشف هذا الأخير أن علبة العدة التي أحضرها معه تمهيداً لموته تصبح علبة تحمل الحياة والتجديد والعزيمة على الإكمال. يكتشف يوناس أن العالم مكان "خراب ودمار"، وأن تعاسته إذا ما قورنت بالمعاناة التي تكبدتها هؤلاء النساء فستبدو سخيفة.

فيتحول يوناس من الإنسان العاجز التعيس الغارق في سوداويته ورغبته في الانتحار إلى إنسان ماهر صاحب حرفة قادرة على إنقاذ نساء وعائلات. وبينما يكرر هذا الرجل الآتي إلى الفندق ليموت، أنه في إجازة، يجد أمامه حياةً تناديه ونساء يحتجن إليه، فيفاجأ يوناس لأن العالم مكان حزين، أو كما يقول، "لأن العالم كان يعاني، لأن العالم يحتاج إلى من يعتني به" (ص24).

"فندق الصمت" رواية صامتة تماماً كما يرد في العنوان، فلا هي رواية الحب، ولا هي رواية الحزن، لا هي رواية الموت تماماً، ولا هي رواية التبجح بالحياة، هي رواية عميقة ذكية، تسرد بأسلوب متمكن يبدو بسيطاً، لكنه مشبع بمعاني الوجودية وبآيات من الإنجيل والمزامير والعهد القديم... "فندق الصمت" رواية تلامس ندبات النفس البشرية وتتوقف عند أزمات إنسانية وجودية يعانيها كل فرد شعر في مرحلة من مراحل حياته بأن هذا العالم لن يحمل له المزيد من المفاجآت، وأن هذا العالم، أكثر بعد، لم يعد في حاجة إليه.

المزيد من ثقافة