ملخص
تشهد الفترة الأخيرة منافسة تحسد عليها إسبانيا بين رودري وزوبيميندي في منطقة محور وسط الملعب، بينما تترقب الجماهير المواجهة بينهما في قمة مانشستر سيتي وأرسنال في الدوري الإنجليزي.
عندما يملك مانشستر سيتي والمنتخب الإسباني رودري في كامل جاهزيته، فإن أكبر فارق يلاحظه زملاؤه في الفريق ليس في الحماية من دون الكرة، بل في الثقة المطلقة بها.
ثقة رودري وتمريرات التحكم باللعب
الجميع يعلم أنه يمكن الوثوق برودري في التمرير أينما كان على أرض الملعب، وبالطبع فإن كل اللعب يتدفق من هناك. وإذا كان رودري يلعب، يستطيع حارس المرمى أن يمنحه الكرة بين قلبي الدفاع، ليكون ذلك بداية مؤكدة لهجمة إلى الأمام بدلاً من مخاطرة بهجمة مرتدة. أما إذا لم يكن موجوداً، فغالباً ما يلجأ اللاعبون إلى الأطراف أو إلى الكرات الطويلة، ويصبح تدفق الفريق بأكمله مختلفاً.
غلبة المخاوف بعد إصابات رودري
هذا ما كانت تخشاه إسبانيا حين خرج رودري مصاباً في نهائي "يورو 2024" أمام إنجلترا، ثم مرة أخرى مع مانشستر سيتي بعد أسابيع قليلة. ساد التوتر في مقصورات كبار الضيوف، وكان ذلك جزئياً بسبب هذا الخوف بحد ذاته. فجميع أصحاب القرار الكبار في كرة القدم الإسبانية كانوا حاضرين، وبعضهم أبدى استياءه على الفور.
مثل هذا القدر من التشاؤم أزعج آخرين، خصوصاً أولئك القادمين من مناطق أقرب إلى إقليم الباسك. إذ قالوا إن الأمر بدا وكأن البعض لم يشاهد قط بديل رودري يلعب، وكاد النقاش أن يتحول إلى جدال.
ظهور زوبيميندي كقائد بديل
لكن إنجلترا، والجميع أيضاً، سرعان ما تعرفوا على مارتن زوبيميندي. فقد تولى دور رودري بسهولة تامة. لقد أبقى زوبيميندي إسبانيا تتحرك بالسلاسة ذاتها، ليقود الفريق إلى الفوز بالنهائي ويدفع بمسيرته هو شخصياً إلى مستوى جديد.
الاهتمام الأوروبي وتأثيره في سوق الانتقالات
بعد ذلك، أصبح الجميع يرغبون به. تحرك ليفربول في الأسابيع التي تلت ذلك الانتصار بنتيجة (2 - 1). وفي النهاية حصل عليه أرسنال بعد عام، وذلك بعد استمرار اهتمام كل من ريال مدريد وحتى مانشستر سيتي. فقد كان النادي المملوك من أبو ظبي قد وضع زوبيميندي منذ وقت طويل كخليفة محتمل لرودري، وزاد هذا التوجه وضوحاً بعد إصابة القائد بقطع طويل الأمد في الرباط الصليبي الأمامي.
مواجهة مقبلة تحدد مصائر البطولات
الآن من المرجح أن يلتقي الاثنان وجهاً لوجه بعد غد الأحد، ولم يعد ينظر إلى لاعب وسط الأصغر على أنه مجرد بديل بل سينتظر من زوبيميندي أن يثبت مجدداً أنه بمستوى رودري، وربما أفضل منه الآن. وذلك تحد كبير، بالنظر إلى أن لاعب وسط سيتي كان سيد وسط الميدان قبل إصابته.
السيطرة على المنطقة الحاسمة قد تحسم اللقاء
لقد شغل زوبيميندي بالفعل مكان رودري في المنتخب الإسباني، إلى درجة أن جزءاً من عملية تعافي الأخير سيكون صراعاً لاستعادة موقعه قبل كأس العالم.
ومن يسيطر على تلك المنطقة نفسها من الملعب في استاد "الإمارات" قد يقطع شوطاً طويلاً نحو حسم المباراة، وربما في النهاية تحديد وجهة لقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
مقارنة مستوى الأداء والاختلافات الشخصية
هكذا هو مستوى كليهما، على رغم وجود بعض الفوارق. ولا شك أن أحدهما قد درس الآخر جيداً، وعرف أين يمكن استغلال المساحات.
الاختلاف البدني وتحديات القوة
يبلغ طول زوبيميندي خمسة أقدام و11 بوصة (181 سم)، لكنه لا يمتلك بعد القوة البدنية التي يتمتع بها رودري. فخلال صعود لاعب وسط سيتي إلى الفوز بالكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم، بدا الأقرب في الدوري الإنجليزي الممتاز إلى نسخة روي كين في ذروته. إذ يتمكن رودري من افتكاك كرات تبدو مفقودة، وبطريقة يبدو فيها وكأنه يزيح لاعبي الخصم عن الاستحواذ. هذا ما سيتعين على زوبيميندي التعامل معه، وسيكون من المثير أن نرى كم من القوة البدنية سيضعها أرتيتا إلى جانبه.
قدرات تسديدية وعمق تكتيكي مشترك
وإذا ما أتيحت لهما الفرصة، فكلاهما قادر على التسديد البعيد. تماماً كما سجل رودري ذلك الهدف المثالي بتسديدة بعيدة المدى ضد إيفرتون، قدم زوبيميندي تلك الطلقة الطائرة المتقنة أمام نوتنغهام فورست. نحن نتحدث هنا عن أنقى تقنيات التنفيذ، وهي امتداد طبيعي لدقتهما في التمرير. ومع ذلك، فإن الطبيعة الأكثر مغامرة للتسديدة الطائرة ربما ألمحت إلى اختلاف آخر، وربما إلى تطور جديد.
كيف تأسس زوبيميندي؟
كان رودري وسيرخيو بوسكيتس نماذج واضحة لزوبيميندي أثناء تطوره، لكن مدرب الفريق الرديف في ريال سوسيداد في ذلك الوقت، تشابي ألونسو، كان كذلك أيضاً. لقد جمعتهما علاقة حقيقية بين أستاذ وتلميذ، وكانت هناك رسالة يكررها ألونسو باستمرار إذ كان يحث زوبيميندي على إضافة مزيد من "العمودية" إلى لعبه. وبمعنى آخر، التمريرات الطويلة التي برع فيها ألونسو نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد بدأ أرسنال بالفعل في ملاحظتها. حيث يفاجئ زوبيميندي الخصوم بالانتقال فجأة من التمريرات القصيرة إلى كرة مقوسة طويلة. وقد استفاد نوني مادويكي من ذلك التطور بشكل كبير.
تأثير التطور على مستقبل التكتيك
وإذا كانت هذه عناصر ستؤثر في مباراة الأحد، فإنها أيضاً تلامس جانباً قد يشكل كيفية لعب كرة القدم على المدى الطويل.
هل هناك من يقترب من هذين الاثنين؟ فهذا الدور المحوري هو بطبيعته محوري فعلاً، وقد وصفه أحد المطلعين في أرسنال بأنه "الموقع الأقصى للثقة" في كرة القدم. فاللاعب مسؤول عن حماية المنطقة الأهم في الفريق، وفي الوقت ذاته عن جعله يتحرك، هو "زيت المحرك".
ثقافة التدريب الإسبانية وذكاء اللعب
لقد أصبح هذا الدور فريداً في كرة القدم الحديثة، ولهذا السبب بالذات يتميز بأن قلة قليلة من لاعبي الوسط قادرون على أدائه بهذا المستوى، وأحد الأسباب التي جعلت زوبيميندي مطلوباً بشدة هو أنه متقدم بمسافة على الجميع باستثناء رودري. وأرتيتا حرص تماماً على أن يحصل عليه.
بالطبع يمتلك زوبيميندي بالفعل ذلك التفاهم مع غافي وبيدري في برشلونة من خلال المنتخب الوطني. وفي الحقيقة، ما أوفر حظ إسبانيا بامتلاكها كلاً من زوبيميندي ورودري؟ إلا أن الأمر ليس مسألة حظ على الإطلاق.
إحدى الشخصيات التي عملت داخل هيكلية برشلونة وصفت الثنائي بأنهما "المنتجان المثاليان لأكاديمية الكرة الإسبانية". فقد صقلت تمريراتهما القصيرة وتقنياتهما في بيئة المباريات الصغيرة داخل البلاد، فيما تعمق ذكاؤهما الكروي الفطري عبر الثقافة التكتيكية.
وكما يشرح أحد المدربين، فإن مثل هؤلاء اللاعبين يتعلمون حركات وضعية الجسد بالطريقة نفسها التي يتلقى بها مواهب التنس والغولف الصغار تدريبات فردية عالية المستوى. وما يلفت زملاءهم في الفريق أيضاً هو مدى السهولة التي يبدو عليها رودري وزوبيميندي في مواقف قد ينهار فيها لاعبون آخرون. فهما يتمتعان بذكاء كافٍ لمعرفة ما يتعين عليهما فعله قبل أن يحدث الموقف أصلاً.
وقد أشير كثيراً إلى أن زوبيميندي فاز ببطولات شطرنج إقليمية في طفولته. ويطلق أشخاص مثل أرتيتا على ذلك اسم "الذكاء التكيفي". وفي غرفة تبديل الملابس بأرسنال، ساد الانبهار عند تمريرة بعينها من زوبيميندي إلى إيبيريشي إيزي أمام نوتنغهام فورست. لم يرها أحد غيره، لكن زوبيميندي امتلك الرؤية والمهارة اللازمة لتنفيذها.
إسبانيا جنة لاعبي الوسط
لا توجد أي دولة أخرى تقترب من إسبانيا في تعليم هذا الأسلوب. فأكاديميات فرنسا ينظر إليها على أنها تركز بشكل مفرط على الفوز بأي ثمن، والبرتغالية على الجانب الفني المبالغ فيه، والإيطالية على الجانب التكتيكي بشكل زائد. أما الأكاديميات الإنجليزية فهي في الغالب نسخة من شيء آخر موجود بالفعل في أوروبا.
ومع ذلك، ينظر إلى آدم وارتون على أنه يقدم "تفسيراً شارعياً" لهذا الدور. إذ يمتلك غريزة رائعة وأسلوباً سلساً بلا عناء، وإن لم يصل تماماً إلى الكمال شبه الآلي الذي يتميز به اللاعبون الإسبان. وهناك أمل مماثل يحيط بلاعب لاتسيو الإيطالي نيكولو روفيلا.
كذلك فإن هناك احتمالاً لتطور مختلف، إذ يتحدث الجميع عن مستقبل ما بعد بيب غوارديولا وعودة الصفات التقليدية. ويصر روبن أموريم على وجود لاعب وسط يجمع بين القوة والركض البدني في مانشستر يونايتد، وهو النموذج السائد لخط الوسط قبل ثورة غوارديولا في 2008. وحتى إن لم ينجح أموريم، فقد يشير هذا إلى ملامح من المستقبل.
ومع ذلك، لا شيء يضاهي التحكم الحقيقي. فلا أحد يقدمه مثل هذين الاثنين.
© The Independent