ملخص
تسعى المفوضية الأوروبية إلى تعليق بنود من اتفاق الشراكة مع إسرائيل، بما يرفع الرسوم الجمركية على منتجاتها، لا سيما الزراعية منها، مما قد يؤثر في ما يزيد على ثلث صادرات إسرائيل إلى أوروبا، والتي تبلغ قيمتها قرابة 6 مليارات يورو (6.3 مليار دولار أميركي)، وتشمل سلعاً كالمكسرات والتمور.
في تصعيد غير مسبوق ضد إسرائيل، اقترحت المفوضية الأوروبية فرض قيود تجارية وعقوبات مباشرة على وزيرين بارزين ضمن الحكومة الإسرائيلية، في خطوة قد تحدث هزة اقتصادية داخل تل أبيب إذا ما أقرت من قبل دول الاتحاد الـ27.
تشمل الإجراءات تعليق مزايا جمركية كانت تستفيد منها إسرائيل ضمن اتفاق الشراكة الأوروبية، وهو ما يهدد ثلث صادراتها إلى السوق الأوروبية، خصوصاً في القطاعات الزراعية والتكنولوجية.
القرار يعكس تحولاً نوعياً في موقف بروكسل من الحرب الدائرة في غزة، وسط تحذيرات من أن العقوبات قد تمثل نقطة تحول في العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية وتضع الاقتصاد الإسرائيلي في مأزق حقيقي.
فرض قيود تجارية على إسرائيل
في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، اقترح الاتحاد الأوروبي أمس الأربعاء فرض قيود تجارية على إسرائيل، تشمل تعليق امتيازات جمركية وإجراءات عقابية ضد وزيرين يمينيين من حكومة بنيامين نتنياهو، وذلك على خلفية استمرار العمليات العسكرية داخل غزة.
وأعلنت المفوضية الأوروبية تجميد دعم ثنائي لإسرائيل تبلغ قيمته نحو 20 مليون يورو كخطوة فورية، في انتظار توافق الدول الأعضاء على إجراءات أوسع.
وأكدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أن ما تشهده غزة من "أحداث مروعة يجب أن يتوقف فوراً"، مشددة على ضرورة تنفيذ وقف فوري لإطلاق النار، وتوفير المساعدات الإنسانية دون قيود، والإفراج عن الرهائن لدى "حماس".
وتسعى المفوضية لتعليق بنود من اتفاق الشراكة مع إسرائيل، بما يرفع الرسوم الجمركية على منتجاتها، لا سيما الزراعية منها، مما قد يؤثر في ما يزيد على ثلث صادرات إسرائيل إلى أوروبا، والتي تبلغ قيمتها قرابة 6 مليارات يورو (6.3 مليار دولار أميركي)، وتشمل سلعاً كالمكسرات والتمور.
وأوصت بروكسل بتجميد أصول وزيري المالية والأمن القومي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، محملة إياهما مسؤولية تأجيج العنف من خلال خطاباتهما التحريضية.
ويعد هذا التحرك الأوروبي الذي كانت فون دير لاين مهدت له الأسبوع الماضي الأكثر تشدداً منذ بداية الحرب، إذ من شأنه رفع كلفة بعض الواردات الإسرائيلية بما يصل إلى 227 مليون يورو (240.6 مليون دولار).
وزير الخارجية الإيرلندي سايمن هاريس وصف الخطوة بأنها "تحول تاريخي في محاسبة إسرائيل"، إلا أن معارضة دول مثل ألمانيا وإيطاليا قد تشكل عقبة أمام إقرار هذه العقوبات، وهو ما عرقل في السابق اقتراحات أخف، كوقف تمويل شركات التكنولوجيا الإسرائيلية الناشئة.
ومع ذلك، تحتفظ المفوضية الأوروبية بسلطة تجميد الدعم الثنائي بصورة أحادية، مع الإبقاء على التمويل المخصص للمجتمع المدني ومؤسسات مثل "ياد فاشيم"، النصب التذكاري للهولوكوست.
إسرائيل تحذر
في المقابل حذرت إسرائيل من أية خطوات تصعيدية، وكتب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عبر منصة "إكس" أن تحرك المفوضية "يمثل انحرافاً أخلاقياً وسياسياً"، مؤكداً أن "أي إجراء ضد إسرائيل سيقابل برد مناسب"، ومعتبراً أن الضغط الأوروبي لن يؤدي إلى تغيير في السياسة الإسرائيلية.
ويأتي الموقف الأوروبي عقب تكثيف العمليات البرية الإسرائيلية داخل مدينة غزة، تزامناً مع تحقيق أممي اتهم إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية"، مشيراً إلى مسؤولية مباشرة لنتنياهو ومسؤولين آخرين في التحريض على الجريمة.
وتعود بداية النزاع الحالي إلى هجوم "حماس" خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أسفر عن مقتل 1219 شخصاً داخل إسرائيل معظمهم من المدنيين. ومنذ ذلك الحين، أودت العمليات العسكرية الإسرائيلية بحياة أكثر من 65 ألف فلسطيني، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة التي تعدها الأمم المتحدة مصدراً موثوقاً.
وتعد أوروبا الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، إذ بلغت صادرات تل أبيب إلى الاتحاد الأوروبي نحو 15.9 مليار يورو العام الماضي، وفي حال تطبيق العقوبات المقترحة، فإن 37 في المئة من تلك الصادرات، لا سيما من الصناعات الغذائية، ستتأثر بصورة مباشرة.
التخلى عن سياسة "القوة الناعمة"
بحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أثارت هذه التطورات ردود فعل حادة في الأوساط الاقتصادية والدبلوماسية داخل إسرائيل، إذ قالت المحللة الاقتصادية بيلا باردا بركات، إن "الاتحاد الأوروبي تخلى عن سياسة القوة الناعمة لمصلحة نهج أكثر صرامة، شبيه بذلك الذي اتبع مع روسيا بعد غزو أوكرانيا".
وتشير باردا إلى أن اتفاق الشراكة مع أوروبا الذي وقع عام 1995 يمثل ركيزة أساس للتجارة الإسرائيلية، ويتوقع أن يصل إجمال حجم التبادل التجاري بين الطرفين هذا العام إلى 47.4 مليار دولار، وهو ما يشكل نحو ثلث تجارة إسرائيل الخارجية.
من جانبه، حذر المتخصص الاقتصادي ورئيس منتدى كبار موظفي الخدمة المدنية في تل أبيب، من فشل طويل الأمد في الدبلوماسية الإسرائيلية، معتبراً أن رد الفعل الأوروبي يُعد نتيجة لهذا الإخفاق، داعياً إلى قطع التمويل الأوروبي للمنظمات العاملة داخل إسرائيل، واتخاذ خطوات دبلوماسية حاسمة.
ووفقاً للمحلل المالي الإسرائيلي شاحار غولومب فإن التبعات الاقتصادية للعقوبات لن تصل إلى حد "الحصار"، لكنها ستؤدي إلى ارتفاع كلف الإنتاج وتآكل أرباح الصناعات الكيماوية والصيدلانية، مضيفاً أن تعليق مشاركة إسرائيل في برنامج "هورايزون" الأوروبي قد يكون الأكثر ضرراً على المدى الطويل، لما له من تأثير مباشر في البحث والتطوير والاستثمار.
نموذج "الاكتفاء الذاتي"
في غضون ذلك، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بثقله في هذا الملف، ضمن محاولة لطمأنة الرأي العام، إذ أكد أن اقتصاد بلاده "قوي جداً" ويشهد تدفقات استثمارية على رغم الضغوط.
لكنه حذر خلال الوقت نفسه من ضرورة التحول إلى نموذج "الاكتفاء الذاتي"، مشيراً إلى أن الصناعات الدفاعية يجب أن تكون أولوية، قائلاً "نحن في حاجة إلى أن نكون إسبرطة عظمى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تصريحاته نتنياهو قوبلت بقلق واسع، إذ حذر رئيس اتحاد الصناعيين في تل أبيب رون تومر من أن التخلي عن الانفتاح التجاري سيؤدي إلى تراجع جودة حياة المواطنين، داعياً إلى تعزيز التصدير بدلاً من الانغلاق.
وعلى رغم محاولات نتنياهو التقليل من خطورة الوضع، فقد تأثرت بورصة تل أبيب سريعاً، إذ بددت المكاسب الصباحية في أعقاب تصريحاته، مع تراجع المؤشرات الرئيسة في ختام تعاملات الإثنين الماضي.
وشهدت الأسهم الإسرائيلية موجة بيع مكثف أمس الأربعاء، لليوم السادس على التوالي، مسجلة أطول سلسلة خسائر منذ 18 شهراً، مع تنامي قلق المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب في غزة.
من جهة أخرى، تتجه الأنظار إلى قرار بنك إسرائيل في شأن سعر الفائدة المرتبط بالتضخم المحلي، بالتوازي مع ترقب عالمي لقرارات السياسة النقدية الأميركية.
تدهور الأوضاع الاقتصادية
الإثنين الماضي، نشرت قناة "كان نيوز" العبرية على شبكة "بي" استطلاعاً صادماً حول غلاء المعيشة، إذ يكشف الاستطلاع عن أن ما يقارب من نصف الجمهور يدعي أن وضعهم الاقتصادي تدهور خلال العامين الماضيين، ملقياً المسؤولية على عاتق الحكومة، قائلاً "لقد فشلت في معالجة غلاء المعيشة".
وكشف استطلاع خاص أجراه معهد "كانتار" التابع لدودي حسيد لبرنامج "لون المال" على القناة الثانية الإخبارية عن صورة مثيرة للقلق، إذ يدعي كثر أن وضعهم المالي تدهور خلال العامين الماضيين وأنهم مضطرون لخفض نفقاتهم، وأن ارتفاع كلفة المعيشة سيكون عاملاً رئيساً في تصويتهم خلال الانتخابات المقبلة.
وضمن أولويات الإسرائيليين تقارب كلفة المعيشة مسألة الأمن، إذ يرى 36 في المئة منهم أن الأمن القضية الأهم التي يجب معالجتها، بينما يضع 32 في المئة كلفة المعيشة في المرتبة الأولى، وحتى بين الشباب دون سن 29 عاماً، تتفوق كلفة المعيشة على الأمن.
تناول الاستطلاع مدى تأثير غلاء المعيشة على الجمهور في التسوق من المتاجر الكبرى، والخدمات الصحية، والترفيه، والعطلات، وتظهر البيانات أن 42 في المئة من المشاركين أفادوا بتدهور وضعهم المالي منذ السابع من أكتوبر2023، بينما أكد 39 في المئة أن وضعه المالي لم يتغير.
وأفاد تسعة في المئة فحسب من المشاركين بتحسن وضعهم، وأكد معظم المشاركين أنهم قللوا من التسوق في المتاجر الكبرى، وتحولوا إلى الشراء من متاجر الخوض، وسعوا إلى خفض نفقاتهم الثابتة كالكهرباء والهاتف والمياه والوقود.
وأفاد 46 في المئة من المشاركين بأن سلوك الحكومة هو المسؤول الرئيس عن ارتفاع كلفة المعيشة في قطاع الأغذية، بينما ألقى 21 في المئة باللوم على مصنعي ومستوردي الأغذية، وزعم 13 في المئة أن سلاسل التسويق مسؤولة عن هذا الوضع، وزعمت غالبية المشاركين، 55 في المئة، أن سلوك الحكومة هو المسؤول الرئيس أيضاً عن ارتفاع كلفة السكن، بينما زعم 14 في المئة أن المقاولين هم المسؤولون.ش