ملخص
بعد هجمات السابع من أكتوبر، تبنت إسرائيل استراتيجية أمنية جديدة تقوم على القوة الاستباقية لا الردع، بهدف هزيمة خصومها كلياً ومنع إعادة بناء قدراتهم. وتمتد هذه المقاربة من غزة إلى إيران ولبنان وسوريا، مع تكثيف التحالفات الإقليمية والدولية لتعزيز موقعها الاستراتيجي حتى ولو على حساب الانتقادات الخارجية.
هزت أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إسرائيل في صميم كيانها. فهجوم "حماس" الوحشي، الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر مئات آخرين، أوضح لقادة إسرائيل ومواطنيها على حد سواء، ضرورة تغيير مقاربتها للأمن القومي من أجل ضمان بقائها. وبالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين، أثبت السابع من أكتوبر أنه من المستحيل احتواء جماعات مثل "حماس" أو قبول وجودها على حدود إسرائيل من دون تعريض أمن البلاد للخطر.
وعلى مدى العامين التاليين، تخلى صانعو القرار في إسرائيل عن النماذج الأمنية القديمة واعتمدوا استراتيجيات جديدة. فعلى رغم أن إسرائيل كثيراً ما امتلكت الجيش الأقوى في المنطقة وخاضت صراعات خارج حدودها، فإنها سعت عموماً إلى حصر تحركاتها بالحد الأدنى اللازم لإزالة التهديدات المباشرة واستعادة الهدوء. غير أن إسرائيل لم تعد اليوم تكتفي بإضعاف خصومها بل تريد هزيمتهم، وبات قادتها أكثر استعداداً لاستخدام قوتها العسكرية بشكل استباقي من أجل صياغة نظام جديد يحمي مصالحها الوطنية.
وعلى رغم معارضة بعض النخب التقليدية في إسرائيل، بمن فيهم بعض المسؤولين الأمنيين السابقين، فإن أفعال البلاد في المنطقة منذ السابع من أكتوبر تظهر أن هذه الاستراتيجيات الجديدة بدأت تترسخ. فإضافة إلى مواصلة حربها البرية في غزة، شنت إسرائيل حملة لإضعاف القدرات النووية والصاروخية الباليستية الإيرانية واغتيال عدد كبير من كبار المسؤولين الأمنيين والعلماء النوويين. كما استهدفت إسرائيل مواقع في لبنان لمنع إعادة تسليح "حزب الله"، وأقامت وجوداً عسكرياً في سوريا، وتدخلت مباشرة لدعم الطائفة الدرزية ضد القوات الموالية للنظام السوري، ونفذت ضربة جوية استهدفت مسؤولين في "حماس" في قطر.
وتظهر عمليات الاغتيال التي نفذت في حق قادة بارزين في إيران ولبنان وقطر وأماكن أخرى أن إسرائيل لم تعد تلتزم الخطوط الحمراء التي اعتقد جيرانها أنها لن تتجاوزها مطلقاً. فإسرائيل لن تمنح أي حصانة لقيادات الجماعات المعادية، بغض النظر عن مناصبهم السياسية أو مواقعهم، إذا اعتقدت أنهم متورطون في نشاط إرهابي. في الماضي، كانت إسرائيل عادة ما تنفذ هذه الإجراءات على نطاق ضيق بعيداً من الأضواء أو تحاول إخفاء دورها فيها، لكن قادتها الآن يتبنون هذه الخطوات علناً.
وقد فسر البعض الاستراتيجية الجديدة لإسرائيل على أنها مسعى للهيمنة الإقليمية. لكن في الواقع، وعلى رغم كونها القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، فإن إسرائيل ليست قوة مهيمنة إقليمياً، ولا تسعى إلى أن تكون كذلك. فاقتصادها لا يشكل نسبة غير متكافئة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة [أي أن حجم الاقتصاد الإسرائيلي لا يطغى على باقي اقتصادات المنطقة]، ولا تستطيع بمفردها أن تصوغ الترتيبات الاقتصادية الإقليمية بما يخدم مصالحها. كذلك فإن إسرائيل، التي لا تملك سوى عدد قليل من الحلفاء الطبيعيين في المنطقة، تتمتع بقوة ناعمة محدودة نسبياً بين جيرانها.
ومن يذكر أن إسرائيل لا تريد أن تهيمن على النظام الإقليمي. لكنها تسعى إلى التأثير فيه بدرجة أكبر من أي وقت مضى. ويشمل ذلك الدفاع عن مصالحها وحلفائها، والسيطرة على أراض وتعديل الحدود عند الضرورة الاستراتيجية، وتشكيل تحالفات متنوعة قائمة على مصالح مشتركة، ومنع أي عدو محتمل من تطوير قدرات قد تهدد وجودها أو أمنها. وهي مستعدة لوضع أهداف حربية أكثر طموحاً بكثير مما سعت إليه في الماضي، حتى لو كان تحقيق تلك الأهداف مكلفاً ويتطلب عملاً عسكرياً مستمراً أو متعدد الجبهات.
لم تعد إسرائيل تكتفي بإضعاف خصومها، بل تسعى إلى هزيمتهم أيضاً
إن عدداً متزايداً من صانعي القرار في الحكومة الإسرائيلية، إلى جانب محللين خارجيين (ومن بينهم نحن الاثنان)، يعتقدون أن هذه الاستراتيجية قادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة وضمان أمن إسرائيل أكثر من الاستراتيجيات السابقة، التي اعتمدت بشكل أساس على الردع. ويجب على تل أبيب أن تتجنب التنازلات الأمنية القائمة على رؤى سلام تتجاهل الكراهية لإسرائيل والآراء المتطرفة المتجذرة بين الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب العربية. ويتعين على إسرائيل ألا تستبدل الانتصارات الملموسة والجوهرية على الأرض بوعود دبلوماسية مشكوك فيها مع شركاء غير موثوقين. وأي مفاوضات سلام لا بد من أن تنطلق من فهم لمخاوف إسرائيل الأمنية واستعداد لتبني الترتيبات الضرورية لتبديدها.
يؤمن القادة الإسرائيليون اليوم أن جاذبية بلادهم كشريك دبلوماسي وحليف تنبع من قوتها. والتنازلات في القضايا الجوهرية لا تؤدي إلا إلى تقليل قيمة إسرائيل كحليف إقليمي، إذ ما إن تلمح إسرائيل إلى استعدادها لتقديم تنازل من أجل السلام، حتى ترى الدول المعادية ذلك دليلاً على أنها سترضخ تحت الضغط. ومن اللافت أن الدول العربية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام عام 2020 واصلت شراكتها معها في مجالات الدبلوماسية والدفاع والتجارة بعد السابع من أكتوبر نظراً إلى الفوائد المترتبة على التعاون مع إسرائيل القوية.
وستكون الحرب في غزة بمثابة الاختبار النهائي لهذه الاستراتيجية. فعلى رغم أن تصميم إسرائيل على القضاء على "حماس" كان مكلفاً، إذ دمرت أفعالها البنية التحتية في غزة وأدت إلى مقتل كثيرين من مقاتلين ومدنيين على حد سواء، فإن الهدف يعد حاسماً لمستقبل إسرائيل، لذا فإن هذا النهج ضروري. ومن المؤسف أن النظرة إلى إسرائيل في كثير من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، أصبحت سلبية بشكل متزايد منذ بدء الحرب في غزة. ولكن في الوقت الراهن، يجب على إسرائيل أن تعطي الأولوية لأهدافها الحربية حتى على حساب الانتقادات الخارجية. فالسماح لـ"حماس" بالبقاء القوة العسكرية والحكومية المهيمنة في غزة، سواء بحكم القانون أو بحكم الأمر الواقع، أمر غير مقبول. وسيكون نزع سلاح غزة بصورة كاملة، وهو أمر يتطلب استخدام قوة عسكرية، السبيل الوحيد لإبقاء إسرائيل آمنة حقاً.
نهج استباقي لا دفاعي
إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي هي الاستعداد بشكل أكبر لاستخدام القوة من أجل منع الأعداء من تطوير قدرات تهدد إسرائيل. فمساعي إيران إلى تطوير أسلحة نووية وإنتاج آلاف الصواريخ الباليستية البعيدة المدى تشكل تحدياً وجودياً لإسرائيل. وعلى رغم أن تل أبيب نفذت في الماضي عمليات سرية استهدفت البرنامج النووي الإيراني، فإنها شنت في يونيو (حزيران) الماضي عملية عسكرية غير مسبوقة لإضعاف البرامج النووية والباليستية الإيرانية وتأخير تطويرها بصورة كبيرة. وقد شنت إسرائيل هذه العملية على رغم إدراكها الثمن الذي قد تدفعه في حال ردت إيران، واحتمال أن تشعل ضرباتها حرباً إقليمية.
لم يغير القادة الإسرائيليون هدفهم المتمثل في منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والباليستية بعد حملة يونيو ووقف إطلاق النار الذي تلاها. فإسرائيل مستعدة لتوجيه ضربات جديدة إذا لزم الأمر، حتى لو أدى ذلك إلى جولات أخرى من القتال. وتصر الحكومة الآن على ترتيبات تنفيذية تمنع إيران من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو التحكم في دورة الوقود النووي، أو المضي قدماً في تسليح قدراتها النووية. علاوة على ذلك، تسعى إسرائيل إلى منع إيران من إنتاج صواريخ باليستية وأسلحة دقيقة قد تشكل، بكميات كبيرة، تهديداً وجودياً لها. ويجب أن يتضمن أي اتفاق تدابير إنفاذ فعالة: فالقادة الإسرائيليون يدركون أن الإنفاذ من دون اتفاق أفضل من اتفاق رسمي يفشل في إيقاف إيران فعلياً.
وعلى رغم أن تغيير النظام في إيران ليس هدفاً صريحاً في استراتيجية إسرائيل، فإن إيران ستظل تشكل تهديداً ما دام أي نظام ديني يسترشد بنهج آية الله روح الله الخميني يحكم في طهران. لقد ضعف الاقتصاد والنظام السياسي في إيران بالفعل، لذا تأمل إسرائيل في تشجيع الولايات المتحدة والدول الأوروبية على إعادة فرض عقوبات اقتصادية كبيرة على إيران، بما في ذلك تجميد الأصول الإيرانية في الخارج، وحظر سفر شخصيات إيرانية محددة، ومنع نقل الأسلحة أو التكنولوجيا العسكرية إلى إيران. والهدف هو زيادة عزل النظام الإيراني ومنعه من تشكيل تهديد استراتيجي للمنطقة.
لا تهاون
تعني الاستراتيجية الجديدة لإسرائيل أيضاً أن قيادة البلاد لم تعد تقيد نفسها بالنماذج التقليدية في طريقة التعامل مع الحرب المستمرة في غزة والصراع المتصاعد في الضفة الغربية. ففي نهجها الجديد، لا يوجد سوى سبيل واحد لإنهاء الصراع في غزة بشكل حقيقي، وهو إزاحة "حماس" كقوة مهيمنة ونزع سلاح القطاع من خلال التخلص من الأسلحة الموجودة في أيدي الجهات المعادية، وقتل الغالبية العظمى من قادة العدو ومقاتليه أو أسرهم أو نفيهم، وتفكيك أي بنية تحتية تتيح لـ"حماس" تصنيع الأسلحة أو الحفاظ على سلطتها.
ويعتقد القادة الإسرائيليون أنه إذا خرجت "حماس" من الحرب وهي لا تزال تسيطر على غزة، فسيرى حلفاؤها الإقليميون أنها المنتصرة. وسيشجع ذلك جماعات متطرفة أخرى ستظن بدورها أن بإمكانها مهاجمة إسرائيل والانتصار.
وهذا ما يفسر استراتيجية إسرائيل في غزة، إذ يشعر صانعو القرار الإسرائيليون بأنهم يجب أن يكونوا مستعدين للسيطرة على أراض في غزة والاحتفاظ بها إلى أن تتمكن إسرائيل من القضاء على الغالبية العظمى من المقاتلين المتبقين وتدمير أنفاق "حماس" وأسلحتها وورش تصنيعها. ومن هذا المنظور، يجب على إسرائيل أن تحتفظ بالسيطرة على أجزاء من غزة، لا سيما في الشمال وعلى طول الحدود مع إسرائيل، لضمان عدم تمكن "حماس" من مهاجمة المجتمعات الحدودية الإسرائيلية أو إعادة بناء قدراتها. وعلى المدى الأطول، يتعين على إسرائيل أن تحافظ على القدرة على استخدام القوة لاجتثاث الإرهابيين، حتى وإن تولت جهات محلية ودولية مسؤولية الإدارة المدنية اليومية في غزة.
ولكي تهزم إسرائيل "حماس" بصورة كاملة، يجب أن تمنعها من التحكم بتدفقات الإمدادات التي تستخدمها لإطعام مقاتليها، وتمويل خزائنها، وتشغيل أنفاقها. لذا، يجب على إسرائيل أن تسهل وتحسن عملية توزيع الغذاء والدواء بطريقة تمنع وصول هذه الإمدادات إلى أيدي "حماس". ومن الآن فصاعداً، فإن السبيل الوحيد أمام إسرائيل لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين وليس إلى "حماس" هو تقديمها في أماكن لا تسيطر فيها الحركة. وعلى الجيش الإسرائيلي أن يمكن المدنيين في غزة من الانتقال إلى مناطق تقع خارج نطاق سيطرة "حماس" وتقديم المساعدات في تلك المواقع. ومع تقدم الحملة العسكرية الإسرائيلية وتطهيرها مزيداً من أجزاء غزة من "حماس"، يمكن لإسرائيل والمنظمات الإنسانية أن توفر مساعدات أكثر وتزيد عدد مراكز التوزيع التي يستطيع المدنيون الوصول إليها.
متجذر في الواقع
على رغم أن بعض المراقبين دعوا إلى إنهاء الحرب واقترحوا تمكين مجموعات بديلة لتولي إدارة غزة، فإن هذه المقترحات ستفشل ما دامت "حماس" القوة الأبرز في القطاع. إذا لم تتم إزاحة الحركة كقوة مهيمنة، فإن حكومة تكنوقراطية تتألف من مسؤولين وطنيين مستقلين لن توفر سوى واجهة تختبئ خلفها "حماس" لإعادة بناء قدراتها العسكرية. كذلك فإن القادة الإسرائيليين لا يمكنهم أن يثقوا بأن أي قوة حفظ سلام أجنبية ستكون مستعدة أو قادرة على القيام بالعمل الشاق المتمثل في مكافحة ما تبقى من قدرات "حماس" أو منعها من إعادة بناء قوتها العسكرية.
والتحدي الكبير المتمثل في طريقة بناء نظام لما بعد الحرب في غزة قادر على توفير الأمن اللازم لإسرائيل، قد أدى إلى استنتاج كثير من صانعي القرار الإسرائيليين أن أفضل فكرة هي تشجيع الهجرة الطوعية من غزة. فهذا من شأنه السماح للمدنيين بمغادرة منطقة الحرب، ويجعل من الأسهل والأسرع والأقل كلفة بالنسبة إلى إسرائيل تحديد مواقع جميع أنفاق "حماس" والبنية التحتية العسكرية المتبقية وتدميرها، وهو أمر ضروري لتمكين إعادة إعمار القطاع. وعلى رغم أن كثيراً من القادة العالميين رفضوا اقتراح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن الهجرة الطوعية باعتباره غير واقعي أو خطراً، فإنه أحد الحلول النادرة للنزاع المستعصي، لأنه يرفض الطرائق التقليدية الفاشلة التي جربت في الماضي. وتظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز بحث فلسطينية ودولية قبل السابع من أكتوبر وبعده أن ما بين 30 و50 في المئة من سكان غزة سيهاجرون إذا أتيحت لهم الفرصة. لذا، يجب على إسرائيل وجيرانها خلق الظروف التي تسمح بمثل هذه الهجرة الطوعية، بما في ذلك تمكين خروج المدنيين بحرية وأمان إلى دول أخرى.
على رغم أن مصر والأردن غير مستعدتين لاستقبال أعداد كبيرة من سكان غزة، فإن دولاً عربية وإسلامية أخرى قد تكون مستعدة للقيام بذلك. ويمكن للولايات المتحدة تسهيل هذه العملية من طريق جعل استثماراتها في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا مشروطة بموافقة الحكومة السورية على توطين سكان غزة وتوظيفهم للقيام بجزء من أعمال إعادة الإعمار. وعلى المدى الطويل، بمجرد القضاء على "حماس" ونزع سلاح غزة وإعادة إعمارها، سيكون بوسع المدنيين الفلسطينيين الذين يرغبون في العودة إلى غزة القيام بذلك، شرط أن تظل إسرائيل مسؤولة عن أمن القطاع.
تتطلب الاستراتيجية الأمنية الجديدة لإسرائيل تكثيف العمليات العسكرية في الضفة الغربية
وتعترف الاستراتيجية الوطنية الأمنية الجديدة لإسرائيل بالدور المركزي الذي تلعبه الأيديولوجيا في تحفيز أعدائها. ففي الماضي، قللت النخب الإسرائيلية العلمانية إلى حد كبير من أهمية الأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة، وقد فشل هذا النهج. لذلك يقوم القادة الإسرائيليون اليوم بصياغة نهجهم الجديد على أساس أن أيديولوجية "حماس" شكلت بعمق طريقة تفكير كثير من سكان غزة ونظرتهم للعالم. ونظراً إلى أن متوسط العمر في غزة هو 18 عاماً، وأن "حماس" سيطرت على غزة منذ 18 عاماً، فقد نشأ نصف السكان في الأقل في ظل حكم "حماس"، وتشربوا رسالة الحركة من طريق المدارس والمساجد ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها "حماس". يجب على إسرائيل اتباع برنامج طويل الأمد لمكافحة التطرف، بما في ذلك إدخال مناهج تعليمية جديدة، وحظر القادة الدينيين أو الإعلاميين من الترويج للإرهاب، وتمكين قادة جدد يعززون التعايش. ويجب على إسرائيل أن تصر على أن يكون المسؤولون عن الإدارة المدنية في غزة ملتزمين تعزيز ثقافة السلام والاعتدال بدلاً من الإرهاب والتطرف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما ينبغي تطبيق مبادئ مماثلة على نهج إسرائيل تجاه الضفة الغربية. فالاتفاقات التي أبرمت في أوسلو بهدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية فشلت في حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وأوحت بدلاً من ذلك إلى القادة الفلسطينيين أن إسرائيل ضعيفة ويمكن الضغط عليها للتنازل عن الأراضي. والآن، تتخذ إسرائيل موقفاً أكثر حزماً لمنع الجماعات المعادية من العمل على حدودها وتهديد مواطنيها. ولا يثق الإسرائيليون بالسلطة الفلسطينية التي تدير الضفة الغربية بسبب فسادها المنهجي ودعمها للإرهاب. وبدلاً من تقديم تنازلات أمنية في محاولة لمنع انهيار السلطة الفلسطينية لمجرد أنها أفضل من "حماس"، يدعو نهج إسرائيل الأمني الجديد إلى تكثيف العمليات العسكرية في عمق الضفة الغربية، ومنع الفلسطينيين من بناء البنية التحتية اللازمة لدعم الإرهاب، والحفاظ على وجود عسكري طويل الأمد في المناطق التي تنشط فيها الجماعات الإرهابية.
بعد هجمات السابع من أكتوبر، بات معظم الإسرائيليين يرون أن السلطة الفلسطينية ليست شريكاً للسلام قادراً على ضمان أمن إسرائيل. ولا يمكن أن يكون هناك حل قائم على دولتين ما دام قادة السلطة الفلسطينية وكثير من الفلسطينيين يواصلون رفض شرعية وجود إسرائيل. وقد أظهر استطلاع للرأي أجري في مايو (أيار) الماضي أن ما يقارب نصف الفلسطينيين في الضفة الغربية يعتقدون أن الكفاح المسلح هو أفضل سبيل للوصول إلى دولة فلسطينية. وأي حل دائم مقبول لدى إسرائيل سيتطلب من الفلسطينيين رفض الإرهاب قولاً وفعلاً، والتزام قبول إسرائيل كدولة يهودية ذات سيادة.
واليوم، للمضي قدماً في الضفة الغربية، ينبغي على إسرائيل أن تطبق قوانينها المدنية رسمياً بدلاً من القوانين العسكرية في غور الأردن، الذي يشكل نحو 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية ويقع معظمه تحت السيطرة الإسرائيلية. وبالنظر إلى الأهمية البالغة لغور الأردن لأمن إسرائيل، فإن هذه الخطوة ستؤكد نية إسرائيل الاحتفاظ بهذه المنطقة في أي ترتيب سياسي مستقبلي، وهو موقف يحظى بإجماع واسع داخل إسرائيل. وعلى رغم أن بعض المنتقدين قد يجادلون بأن هذه الخطوات قد تنتهك القانون الدولي، فإن إسرائيل تعتبر الضفة الغربية عموماً أرضاً متنازعاً عليها تمتلك مسوغاً قانونياً ودبلوماسياً وتاريخياً قوياً لفرض سيادتها عليها. ولذلك ينظر القادة الإسرائيليون إلى هذه القضية باعتبارها ادعاء سيادياً مشروعاً لا محاولة لضم أراضي الآخرين.
شراكات تمتد إلى ما وراء الحدود
بالنسبة إلى الإسرائيليين، كانت مجزرة السابع من أكتوبر تذكيراً مؤلماً بأن إسرائيل ما زالت تكافح من أجل وجودها. والاستنتاج الذي توصل إليه صانعو القرار، والمدعوم من شريحة كبيرة من الرأي العام، هو أن إسرائيل يجب أن تتبنى نهجاً أمنياً جديداً قائماً على القوة، وإظهار القدرة العسكرية، والجهود الاستباقية لضمان أمنها. والتزام إسرائيل إظهار قوتها سيتطلب من البلاد تعديل نهجها تجاه الشراكات من أجل حماية استقلالها الاستراتيجي.
إن القادة الإسرائيليين يؤمنون بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية، لكنهم لن يفعلوا ذلك على حساب المصالح الأمنية الحيوية. تلتزم إسرائيل المضي قدماً في اتفاقات أبراهام، والعمل مع أي من شركائها الحاليين، بما في ذلك البحرين ومصر والأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة، لتعزيز التنمية الإقليمية ومواجهة إيران والجماعات الإسلامية السنية. كما تهتم إسرائيل بدعم المبادرات المتعددة الأطراف مثل الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وهو طريق تجاري مقترح يمتد من الهند إلى أوروبا. ومع ذلك يبقى القادة الإسرائيليون حذرين من العمل مع قادة إقليميين قد يحملون أيديولوجيات جهادية معادية لإسرائيل، مثل الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان سابقاً ينتمي إلى فرع تابع لتنظيم "القاعدة".
تتطلب المقاربة الجديدة أن تكون إسرائيل قادرة على التحرك بمفردها إذا لم يكن أمامها خيار آخر
ولا تزال الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لإسرائيل وتواصل أداء دور محوري في نموذجها الأمني الجديد، لكن يجب على إسرائيل إعادة ضبط أجزاء من علاقاتها مع واشنطن لإفساح مجال أكبر أمام استقلالها الاستراتيجي. لقد أظهرت إجراءات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الرامية إلى منع أو تأخير بيع بعض المعدات العسكرية لإسرائيل، والدعم المستمر من بعض المشرعين الأميركيين لفرض قيود أخرى على مبيعات الأسلحة لإسرائيل، ضرورة توسيع تل أبيب إنتاجها العسكري المحلي، وتنويع شراكاتها العسكرية، وتعزيز سلاسل التوريد لديها. وعلى رغم أن ترمب دعم إسرائيل وقدم لها المساعدة العسكرية، فإن القادة الإسرائيليين يدركون أنهم في حاجة إلى تطوير شراكات وقدرات جديدة تتجاوز الولايات المتحدة.
ومن أجل تحقيق ذلك، يجب على إسرائيل أن تستثمر بصورة كبيرة خلال العقد القادم في تعزيز قدراتها على البحث والتطوير العسكري والتصنيع. كما يمكن لإسرائيل تعزيز موقعها في شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من خلال التحول التدريجي بعيداً من الاعتماد المفرط على التمويل العسكري الأميركي، والانتقال نحو مشاريع مشتركة أميركية إسرائيلية. وتولي إسرائيل تحالفها مع الولايات المتحدة أهمية بالغة، بما في ذلك في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لكن في نهاية المطاف، يتطلب النهج الجديد أن تكون إسرائيل قادرة على التحرك بمفردها إذا لم يكن أمامها خيار آخر.
من خلال تبني استراتيجية تعطي الأولوية للمخاوف الأمنية الفعلية على حساب الدبلوماسية المبنية على الأوهام والتمنيات، والتركيز على التدخل الاستباقي بدلاً من الانكفاء الدفاعي، تجعل إسرائيل نفسها أكثر قوة لا أضعف. ولن تتمكن من الازدهار إلا إذا كانت حدودها آمنة، وأزيلت التحديات الوجودية على أطرافها، وتعمقت شراكاتها الإقليمية. وحتى في وقت تسعى فيه إلى السلام، عليها أن تدرك الحاجة المستمرة إلى العمل العسكري في مواجهة التهديدات الإقليمية. وما دام قادتها متمسكين بهذا النموذج الجديد، فإن ذلك سيكفل لإسرائيل الحماية ويهيئ الظروف لشرق أوسط أكثر استقراراً وازدهاراً في المستقبل.
مترجم عن "فورين أفيرز" 12 سبتمبر (أيلول)، 2025
مئير بن شبات هو رئيس معهد مسغاف للأمن القومي. شغل منصب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي من عام 2017 إلى عام 2021، وقبل ذلك، شغل مناصب قيادية في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك).
آشر فريدمان هو المدير التنفيذي لمعهد مسغاف للأمن القومي. شغل منصب مدير مكتب الوزير ومنسق الشؤون الدولية الأول في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية بين عامي 2011 و2019.