Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تاكسي... تاكسي" نداء خافت يرسم ملامح "الكدادة" في السعودية

ظاهرة لعمل غير قانوني مألوف اجتماعياً تظهر وتختفي لكنها لم تعد مناسبة للتعبير عن الصورة العالمية للبلاد

الدراما السعودية جسدت شخصية "الكداد" مرات عدة باعتباره رمزاً لشخص يسعى وراء رزقه بطرق غير رسمية لكنها مألوفة اجتماعياً (اندبندنت عربية)

ملخص

على مدى عقود، ارتبطت صورة المحطات والمطارات في السعودية بمشهد مألوف لا يكاد يغيب عن ذاكرة المسافرين، رجال يجلسون قرب المداخل أو يلوحون بأيديهم بخجل، ثم يقتربون بصوت خافت مرددين "تاكسي... تاكسي"، لم يكن هؤلاء سائقي أجرة مرخصين ولا أصحاب شركات نقل، بل ما يعرف شعبياً بـ"الكدادة"، وهم أشخاص يعتمدون سياراتهم الخاصة لنقل الركاب مقابل أجر غالباً ما يكون أقل من الأجرة النظامية.

يقول المؤلف الموسيقي اللبناني الشهير زياد الرحباني في كلماته إن "طرق السفر يقف عليها أناس كثر، لا يبكون، لا يضحكون، إنهم مسافرون"، وما إن تطأ أقدام الشخص إلى محطة السفر ذهاباً أو إياباً حتى يتبادر إلى ذهنه كيف سينتقل من المحطة أو المطار أو مدينة إلى أخرى، إجابة هذا السؤال تعبر عنه "الكدادة" في السعودية، وهي نقل الركاب بشكل غير نظامي.

الأمر ليس عادة أو ثقافة، بل هو ظاهرة يعبر عنها "الكدادين" وهم الأشخاص الذين يعملون على نقل الركاب بسياراتهم الخاصة، وتبذل السعودية جهوداً كبيرة للحد من هذه الظاهرة وتنظيم قطاع النقل، في ظل تحديات تواجهها بعد الطلب الكبير على النقل والمتنامي مدفوعاً بزيادة عدد الزائرين إلى البلاد في الأعوام الأخيرة.

وعلى مدى عقود ارتبطت صورة المحطات والمطارات في السعودية بمشهد مألوف لا يكاد يغيب عن ذاكرة المسافرين، رجال يجلسون قرب المداخل أو يلوحون بأيديهم بخجل، ثم يقتربون بصوت خافت مرددين "تاكسي... تاكسي"، لم يكن هؤلاء سائقي أجرة مرخصين ولا أصحاب شركات نقل، بل ما يعرف شعبياً بـ"الكدادة"، وهم أشخاص يعتمدون سياراتهم الخاصة لنقل الركاب مقابل أجر غالباً ما يكون أقل من الأجرة النظامية.

وأخيراً أصدرت هيئة النقل السعودية قراراً يقضي بتغليظ عقوبة "الكدادة" لتصل إلى مصادرة السيارة وبيعها في المزاد، وذكرت الهيئة في منشور لها "استخدام أسلوب المناداة ’تاكسي تاكسي‘ يعرضك للعقوبة بنحو 11 ألف ريال إلى 20 ألف ريال (2.93 ألف دولار إلى 5.33 ألف دولار) غرامة وحجز السيارة وبيعها في المزاد إذا لزم الأمر".

 

في بداياتها اقتصرت "الكدادة" على التنقل بين المدن والقرى، لكنها سرعان ما توسعت لتشمل النقل داخل المدن، خصوصاً في المناطق التي يقصدها المغتربون والمواطنون، وعلى الأخص النساء اللاتي لم يتوافر لهن سائق خاص، وارتبطت المهنة بالتعب والمشقة، غير أن كثيراً من الشباب الذين امتهنوها وجدوها أقرب إلى المتعة والتسلية، فهي لا ترتبط بدوام رسمي أو مكان محدد، وتمنحهم فرصة للتنقل بحرية بين المدن، وبعض طلاب الجامعات وجدوا فيها وسيلة لتأمين جزء من مصاريفهم بعيداً من طلب العون من أسرهم.

"الكداد" في السينما

الدراما السعودية جسدت شخصية "الكداد" مرات عدة باعتباره رمزاً لشخص يسعى وراء رزقه بطرق غير رسمية لكنها مألوفة اجتماعياً، وعلى رغم أنها عمل غير نظامي فإنها كانت تحظى بقبول مجتمعي لأسباب كثيرة، منها أن "الكدادة" لم تخل من جوانب عملية للركاب أنفسهم، إذ كان الاعتقاد سائداً بأن "الكداد" أكثر دراية بمداخل المدن ومخارجها وطرقها المختصرة، وهو ما شجع البعض على تفضيل خدماتهم.

وهناك من يرى في دعم الشباب، بخاصة الطلاب، نوعاً من المساندة لهم في مسيرتهم، إلا أنه ومع مرور الوقت، باتت هذه المهنة تزدهر في مواسم محددة مثل شهر رمضان والأعياد والعطل المدرسية، إذ يعتمد كثر عليها كمصدر رئيس للدخل اليومي، مبررين ساعات الانتظار الطويلة من الصباح حتى منتصف الليل بالسعي وراء لقمة العيش أو بالاعتياد على هذا النمط من العمل.

وفي الذاكرة الاجتماعية يحتفظ السعوديون بصور متعددة لـ"الكدادين"، بعضهم كان يرفع صوته متحدياً الرقابة، وآخرون يكتفون بالهمس والاقتراب بخطوات سريعة، وفي المحطات القديمة قبل الطفرة النفطية كان "الكداد" جزءاً من الحياة اليومية، لا يثير استغراباً، بل يمثل حلاً عملياً في ظل محدودية وسائل النقل.

وعلى رغم أنها لم تحظَ يوماً بغطاء قانوني، فقد شكلت "الكدادة" جزءاً من الحياة اليومية، وسدت فجوة في النقل قبل انتشار التطبيقات الحديثة وسيارات الأجرة المنظمة، إلا أن هذه الظاهرة الاجتماعية التي امتدت عقوداً وكانت على حافة الاندثار، طفت إلى السطح مجدداً، بعد زخم السياحة وتنامي أعداد الزائرين وطلبات التنقل بين المدن السعودية.

عودة الانتشار

السعودية لديها رؤية تسعى إلى تحقيقها في عام 2030، ومن محاورها توسيع شبكة النقل النظامي لتمكين البلاد من استضافة الفعاليات الكبرى مثل كأس العالم لكرة القدم 2034 ومعرض إكسبو الدولي العالمي في 2030، إضافة إلى ذلك فعاليات المواسم السعودية ومنها موسم الرياض 2025 الذي ينطلق في أكتوبر (تشرين الأول) ويسعى إلى جذب 19 مليون زائر.

في الأعوام الأخيرة لوحظ عودة انتشار "الكدادين" في مطار الملك خالد بالرياض بعد انخفاض سابق، مما أثار انتقادات حول تقلص الرقابة، وانتقدت تقارير إعلامية وجودهم في استقبال المسافرين والسياح، بل ووصفوا نشاطهم بـ"المشوه"، إضافة إلى ما يعكسونه من مخاوف أمنية تتعلق بسلامة الركاب عند الركوب مع أشخاص مجهولين، وتعامل بعضهم بأسلوب غير لائق مع الزوار.

تشديد العقوبات

المتفق عليه مجتمعياً وفي القانون أن "الكدادة" عمل غير مرخص، إذ يقوم "الكدادون" بمزاولة نشاط نقل الركاب بسياراتهم الخاصة من دون تراخيص رسمية، بل ويشكلون مخالفة لأنظمة النقل العام والعمل والإقامة التي تحظر هذا النوع من العمل، وكذلك تمثل المهنة منافسة غير عادلة مع النقل النظامي من تطبيقات التوصيل وشركات سيارات الأجرة المرخصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم تعد المسألة مقتصرة على تغريم فرد هنا أو هناك، بل باتت سياسة رادعة تهدف إلى القضاء على الظاهرة من جذورها، حتى إن مجرد المناداة التقليدية "تاكسي تاكسي" في الأماكن العامة تعد اليوم دليلاً على ممارسة غير نظامية تستوجب العقوبة.

يثير هذا النقاش مفارقة لافتة، إذ يتقاطع الحديث عن اختفاء وظهور "الكدادة" مع نقاش عالمي أوسع حول المهن المهددة بالزوال، ففي الغرب، يتصدر الذكاء الاصطناعي قائمة الأخطار التي تهدد موظفي الاستقبال وبعض المهن الإدارية، بينما في السعودية تحاول القضاء على "الكدادة" بفعل العقوبات الصارمة، وكأنها مثال محلي على أن المهن قد تزول لأسباب مختلفة، مرة تحت ضغط التكنولوجيا، وأخرى تحت وطأة القوانين.

السعودية رفعت سقف الردع إلى مستويات تجعل من ممارسة "الكدادة" مغامرة غير محسوبة قد تكلف صاحبها سيارته بالكامل، فضلاً عن الغرامات الباهظة، ومع ذلك يعتقد بعض المراقبين أنها لن تختفي بالكامل، بل تبقى بصورة محدودة في المدن الصغيرة أو في زوايا بعيدة من الرقابة، فما دام يوجد ركاب يبحثون عن حل سريع، وجد من يستغل هذه الحاجة، لكن مع كل غرامة جديدة أو سيارة تصادر، يقترب هذا الصوت الخافت "تاكسي... تاكسي" من أن يصبح جزءاً من الماضي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير