ملخص
رحبت سلطات دمشق بتقرير منظمة العفو الدولية واعتبرته إيجابياً على رغم إدانتها للأحداث التي جرت في السويداء، كما فعلت مع نتائج التحقيق الدولي قبل شهر بمجازر الساحل، الذي دانها بقسوة أيضاً ورحبت به كذلك، مما يفتح الباب على احتمالات متعددة، أولها أن الحكومة السورية، بحسب متابعين، لا تجيد حتى الآن قراءة مفردات خلاصات التقارير الدولية وترجمتها على الأرض بأبعادها السيادية والسياسية والأمنية، وثانيها يتعلق بالقبول بأية نتيجة مرتبطة بأي تقرير صادر عن جهة ذات وزن دولي على قاعدة أن إرضاخ المتورطين للحساب أمر داخلي.
أصدرت "منظمة العفو الدولية" أخيراً تقريرها النهائي، الذي قدم أدلة وقرائن ونتائج تحقيقات معمقة تثبت تورط عناصر من الأمن والجيش السوريين بمذابح السويداء، وعملت على تفنيد تلك الأحداث، مشيرة إلى أن بعضاً من أولئك العناصر المنظمين كانوا يرتدون شعارات
"داعش" و"جبهة النصرة".
الترحيب بالإدانة
اللافت أن سلطات دمشق رحبت لاحقاً بالتقرير واعتبرته إيجابياً على رغم إدانتها للأحداث، كما فعلت مع نتائج التحقيق الدولي قبل شهر بمجازر الساحل، الذي دانها بقسوة أيضاً ورحبت به كذلك، مما يفتح الباب على احتمالات متعددة، أولها أن سلطات دمشق، بحسب متابعين، لا تجيد حتى الآن قراءة مفردات خلاصات التقارير الدولية وترجمتها على الأرض بأبعادها السيادية والسياسية والأمنية، وثانيها يتعلق بالقبول بأية نتيجة مرتبطة بأي تقرير صادر عن جهة ذات وزن دولي على قاعدة أن إرضاخ المتورطين للحساب أمر داخلي، وبالتالي لن تكون مرغمة على خوض حرب ولو كلامية أو تبريرية بعد أن صار الواقع المبهم أمراً مثبتاً لا مجال بعده للإنكار أو زيادة الاستعداء أو فتح ثغرات جديدة لتقارير أكثر إدانة وتبصراً.
ويمكن الاستناد إلى المعطى الثاني لاستقراء ما جرى بعد إطلاق نتائج تحقيق "منظمة العفو" عبر نقل قائد القوى الأمنية في السويداء العميد أحمد دالاتي، ليتسلم الأمن بريف دمشق، وهو ما يعتبر بمثابة ترقية لا معاقبة، نظراً إلى أهمية الموقع الجديد أمنياً واستراتيجياً ولوجستياً، والدالاتي نفسه كان تنقل بين مناصب عدة قبل تسلمه أمن السويداء إبان مجازرها وخلالها، وكان أبرزها محافظ القنيطرة، وفي هذا السياق قيل إنه كان له دور كبير في بدايات مراحل التنسيق الأمني المبكر مع إسرائيل قبل الاجتماعات العلنية في باكو عاصمة أذربيجان ودول أخرى لاحقاً.
تفاصيل التقرير
أصرت "منظمة العفو الدولية" في تحقيقها على تأكيد وجوب ضرورة محاسبي أفراد قوات الأمن والقوات العسكرية الحكومية وأفراد القوات التابعة لها، على عمليات إعدام رجال ونساء دروز خارج نطاق القضاء في السويداء.
كما قالت المنظمة إنها وثقت أدلة جديدة دامغة تشير إلى أن القوات الحكومية والقوات التابعة لها تتحمل مسؤولية إعدام أشخاص دروز خارج نطاق القضاء في الـ15 والـ16 من يوليو (تموز) الماضي في السويداء. وتشمل هذه الأدلة مقاطع فيديو جرى التحقق منها تظهر رجالاً مسلحين يرتدون بزات أمنية وعسكرية، يحمل بعضها شارات رسمية، يعدمون رجالاً عزلاً في منازل وساحة عامة ومدرسة ومستشفى. وتلك الفترة الزمنية المشار إليها هي التي شهدت دخول القوات الحكومية إلى السويداء، قبل انسحابها لصالح العشائر التي قدمت كـ"فزعات" لتكمل مهمة المعارك.
وبحسب ديانا سمعان، الباحثة المعنية بشؤون سوريا في "منظمة العفو"، فإنه "عندما تقتل القوات الأمنية أو العسكرية الحكومية بصورة متعمدة وغير مشروعة شخصاً ما، أو عندما تفعل ذلك قوات تابعة لها بتواطؤ من الحكومة أو برضاها، يشكل ذلك عملية إعدام خارج نطاق القضاء، وهي جريمة يشملها القانون الدولي. ينبغي للحكومة السورية أن تجري تحقيقاً مستقلاً ونزيهاً وشفافاً على وجه السرعة في عمليات الإعدام هذه، وأن تحاسب مرتكبيها في إجراءات قضائية عادلة من دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام".
وفعلياً شكلت السلطات السورية لجنة لتقصي الحقائق في السويداء، ولكن أهالي الجنوب يبدون خشيتهم من أن تكون مخرجات تلك اللجنة مشابهة لمخرجات نتائج تحقيق الساحل التي لم تنجح في اجتياز اختبار إحقاق العدالة وإنصاف المظلومين، كما قال أهل الساحل حينها، وكما يقول أهل السويداء اليوم. ويرى باحثو المنظمة أنه في أعقاب عمليات القتل غير المشروع لمئات المدنيين من الأقلية العلوية واستمرار غياب العدالة، يترك هذا العنف ضد أبناء الأقلية الدرزية أثراً مدمراً في مجتمع آخر، ويؤجج مزيداً من الاضطرابات، ويقوض الثقة في عمل الحكومة بصدقية على الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة وتقديم التعويضات إلى جميع الأشخاص في البلاد، الذين تحملوا عقوداً من الجرائم المشمولة بالقانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
التقرير تطرق لذكر إسرائيل وضرباتها الجوية على القوات الحكومية، في حين كانت المعارك على الأرض في أشدها، و"خلالها كان الناس يقتلون بصورة مذهبية مع صيحات طائفية، مع الاعتماد على إهانة رجال الدين بطريقة مذلة وحلق شاربهم الذي يمثل خصوصية دينية واجتماعية وثقافية كبرى لدى الطائفة الدرزية".
في الـ12 من أغسطس (آب) الماضي، بعثت "منظمة العفو الدولية" برسالتين إلى وزيري الداخلية والدفاع السوريين أنس الخطاب ومرهف أبو قصرة، عارضة عليهما النتائج الأولية التي توصلت إليها، وطالبة معلومات حول سير التحقيق الحكومي في الأحداث، بما في ذلك دور القوات الحكومية، والخطوات المتخذة لمساءلة الجناة، والتدابير التي اتخذت قبل القتال وخلاله وبعده لحماية الأشخاص من الانتهاكات والتجاوزات. وحتى وقت نشرها خلاصة التقرير، لم تتلق أي رد.
واستكملت المنظمة أن فريقها الرقمي تحقق بعناية من هوية المقاتلين على الأرض، ولحظ وجود أشخاص يضعون شعارات "داعش" على ملابسهم العسكرية، مؤكدة أن "داعش" فعلياً لم يعلن مشاركته في المعركة بأية صورة، وقد تعمقت المنظمة في البحث العكسي خلال الأشهر الماضية، لتجد أن هذه الشعارات يرتديها بالفعل بعض المقاتلين.
وذكر التقرير باستفاضة كل ما وقع عليه من تسجيلات رقمية وشهادات حية توثق عمليات قتل بطريقة وحشية وفي مواقع متعددة، إلى جانب عمليات الاختطاف الواسعة. وبعد نشرها صيغة تحقيقها النهائي عادت "منظمة العفو" لاحقاً لتقوم بالتعديل عليه، مضيفة فقرة فحواها: "رحبت وزارة الداخلية السورية بتقرير منظمة العفو الدولية حول الأحداث في السويداء بإيجابية واهتمام، مؤكدة الحرص على حماية كل السوريين من مختلف المكونات".
محاصرة السلطة بالرأي العام
القاضي المتقاعد عبدالرحمن زهر اعتبر أن "تقارير منظمة العفو الدولية تملك قوة كبيرة في سياق الضغط على الحكومات وتوجيهها نحو مسار آمن لتطبيق عدالة اجتماعية وتلافي ثغرات أمنية ومعالجة قضايا تتصل بحقوق الإنسان، وباعتبارها منظمة دولية تضم أكثر من 10 ملايين شخص بينهم قادة مؤثرون وسياسيون وحقوقيون وإعلاميون وغير ذلك، فإن تقاريرها تمثل في أحيان كثيرة صلب تموضع الرأي العام". وأضاف "قد لا تكون المنظمة الدولية تتمتع بالقوة الاعتبارية ذاتها للتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، لكن كلتا الجهتين تتمتعان بالقدرة على التأثير بالرأي العام والضغط على المتجاوزين، وعلى رغم ذلك فإن تقارير الأمم المتحدة تظل أقوى من الناحيتين الدولية والسياسية لارتباطها الوثيق بالمظلة العالمية، وكان ذلك واضحاً من الضجة التي أثارها التقرير الأممي حول مجازر الساحل الشهر الماضي، لكن الجهتين بقوتهما تتطلبان مسنداً قانونياً ملزماً خارج السياق الكلامي مهما كان بالغ التأثير، وهو الذي يكون مرتبطاً بأحد اثنين، إما تحرك إقليمي - دولي ضاغط ومحاسب، أو تحرك جماعي بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن نفسه كما في حالة القرارات التي كانت تعاقب بشار الأسد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رسائل قاسية
في سياق متصل أكد الأكاديمي في الشؤون الدبلوماسية منصور هلال أن "الأمم المتحدة تلجأ أحياناً لتمرير رسائل أوسع شمولاً من التقارير بعينها حول حدث معين، وقد اتضح ذلك بعد حديث المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون في الأيام الماضية، إذ لم ينتظر مزيداً من التقارير والجلسات والتنبيهات والحوارات والقرارات، وقال ببساطة "يجب أن يكون هناك انتقال سياسي وسلمي وشفاف وموثوق للسلطة في سوريا، يتماشى مع مبادئ القرار الأممي 2254 لعام 2015 الصادر عن مجلس الأمن". وأردف هلال، "لكن ماذا يعني ذلك؟ يعني تململاً في مكان ما، وتلويحاً بعصا الانتقال الذي لا تتجاوز مدته 18 شهراً نحو نظام حكم جديد، وبذلك يكون بيدرسون قد وضع النقاط على الحروف من دون انتظار مزيد من التقارير التي ستؤكد المؤكد بعد التراجع النسبي لدور المبعوث الأميركي توم براك، إثر عدم قدرته على فهم خصوصية الشرق الأوسط، مما قاد سوريا ولبنان أكثر من مرة إلى فوضى كان هو جزءاً منها".
ورأى هلال أن "إشارة بيدرسون وتلويحه خلال تصريحاته بالبحث والسؤال عن موضوع الساحل والسويداء والأكراد شرقاً هي رسائل بحد ذاتها، وتماشياً مع مخرجات اجتماع وزراء الخارجية العرب قبل أيام قليلة، الذي حمل بيانه الختامي نصاً صريحاً، قال إن الحل في سوريا لا يمكن إلا أن يكون سياسياً حقيقياً وشاملاً، استناداً إلى المرجعيات الدولية في القرارات ذات الصلة، وهنا كان القصد القرار 2254". ويكمل "ذلك يعني من وجهة نظري تراجعاً في الدعم الدولي لسوريا تحت ضغط الدم والانتهاكات والأخطاء الكثيرة التي تحصل، ويستدل على ذلك بأن الأمم المتحدة نفسها تدخلت الأسبوع الماضي من أجل منع عملية تهجير سكان أحد أحياء دمشق، لذا فالعين أكثر من مفتوحة على أدق المفاصل السورية، والسلطات هنا لم تتمكن بعد من امتلاك أدواتها بصورة فعلية على الأرض، ولا أعتقد أن هذا عيب لا يغتفر إذا ما أخذنا في الاعتبار كم هي بحاجة إلى وقت لترمم آثار الماضي وتحكم قبضتها على التنوع الذي تحكمه من جهة، وتديره عسكرياً وأمنياً من جهة ثانية، فضلاً عن تركة الملفات الخارجية من جهة ثالثة".
تعليمات وزارية صارمة
بالتزامن أصدر وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة حزمة قرارات صارمة وملزمة نصت على حظر التصوير بأشكاله كافة في المواقع العسكرية، بما يشمل الدورات التدريبية والثكنات والمقار والوحدات العسكرية والتحركات الميدانية وحالات الاستنفار والانتشار الميداني والمعدات والمنشآت العسكرية سواء أكانت ثابتة أم متحركة، وكذلك حماية المعلومات العسكرية عبر منع الإدلاء بأي تصريح أو معلومة ذات طابع عسكري من دون إذن مسبق وتصريح رسمي، أو استخدام أو نشر شعارات غير معتمدة من الوزارة، مع التركيز على منع الظهور العسكري على مواقع التواصل الاجتماعي.
وجاء في مضمون التعليمات التي جرى تداولها قبل أن تسحبها الوزارة وتبقيها ضمن المؤسسة العسكرية نفسها، أنه لا يجوز لجميع العاملين في الوزارة تثبيت أو استخدام أي شعارات غير معتمدة أصولاً على الزي العسكري، تحت طائلة المحاسبة، على أن يضع منتسبو الوزارة الشعارات الرسمية حصراً، مع حظر استخدام أي شعار أو راية أو علم أو عبارات غير مصرح بها، وإلا تعرض المخالفون لعقوبات عسكرية ومسلكية، ولعل هذا البند هو الأهم مما جاء في قرارات الوزارة، لأنه يحمل إشارة مباشرة لمنع استخدام شعاري "داعش" و"النصرة" على الزي العسكري، كما وثقت الفيديوهات في كثير من الانتهاكات والأحداث والمجازر، ومن بينهم عمليات الساحل والسويداء، فيما تساءل مطلعون على القرار حول ما إذا كان معنياً بعدم ظهور تلك الشعارات على الإعلام فقط، على اعتبار أن وجودها من عدمه لا يمنع أحداثاً مستقبلية قد تقع؟".
وفي هذا المعرض، يقول الخبير العسكري طالب جمعة إن "هذا القرار لا يعالج المشكلة، ولا جذورها وأسبابها حتى، نحن لسنا مختلفين في شأن هوية القاتلين وانتمائهم، نحن مختلفون على أن القتل لا يجب أن يقع أساساً، ماذا لو خلع المقاتل شارة ’داعش‘ لكن رأسه مليء بالتكفير؟ يجب على الوزارة أن تعيد تقييم كوادرها، لا شعاراتهم الموضوعة على الزي العسكري. هل الهدف منع ارتكاب الجريمة أساساً، أم في منع عرضها على الشاشات؟ أعتقد أنه يجب الإجابة عن هذا السؤال قبل البحث في أي أمر آخر، فكما هناك عناصر في غاية الانضباط في وزارتي الداخلية والدفاع هناك النقيض لهم في الأماكن ذاتها، ولعل الأمر برمته يرجع لدورات التنسيب العسكرية التي أجريت على عجالة فائقة من دون التمحيص الدقيق في هوية المنتسبين".