ملخص
تعنت المستوى السياسي برئاسة نتنياهو برفض قبول مقترحات صفقة أسرى جزئية والمضي قدماً في تنفيذ خطة احتلال مدينة غزة ووسط القطاع، استدعى الجيش إلى عقد لقاءات مع أهالي الأسرى وإبلاغهم بصورة واضحة أن "القتال خطر، ولا نعرف هل يوجد أسرى أحياء في المناطق التي ستتحول إلى أرض معركة لا قدرة على إنهائها خلال فترة قصيرة".
على وقع أصداء تقرير مراقب الدولة ماتنياهو منغلمان، وتزامناً مع مرور 700 يوم على حرب "طوفان الأقصى"، يشهد المجتمع الإسرائيلي نقاشاً حول ما حققه الجيش خلال هذه الفترة، وإذا ما استخلص متخذو القرار العبر من نتائج هذه الفترة الطويلة من الحرب، التي تسجل في تاريخ الدولة العبرية الحرب الأطول والأخطر على إسرائيل منذ قيامها عام 1948.
تقرير مراقب الدولة، الذي تزامن مع تصعيد تهديدات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه يسرائيل كاتس، من جهة، وتحذيرات الجيش المتصاعدة من خطورة عملية احتلال مدينة غزة، التي وفق خطتها ستسجل تكثيفاً للهجمات والقتال، من جهة أخرى استدعى بعض الأمنيين والعسكريين إلى إجراء أبحاث ودراسات حول هذه الحرب التي تشارف على العامين، وإذا كان نتنياهو على حق في هجومه على مراقب الدولة الذي حمله ووزير ماليته بتسلئيل سموتريتش مسؤولية الوضع الذي شهدته إسرائيل، والإخفاقات في كل ما هو متعلق بالجبهة الداخلية، وأيضاً في الدفاع خلال هذه الحرب.
ماذا ينتظر إسرائيل؟
منذ المشاهد التي هيمنت على الأجندة الإسرائيلية والعالمية لنسف المبنى السكني في مدينة غزة، أمس الجمعة، والتي رافقتها تهديدات كاتس التي قصد أن يقول فيها إنها بداية فتح أبواب جهنم في غزة، والداخل الإسرائيلي في حال إرباك وقلق حول ما ينتظره من هذه العملية، سواء الخطر على حياة الأسرى الأحياء، أو على الجنود الذين بمعظمهم غير متدربين على هذه الحرب، وفي المقابل الخطر من أن تعود بقية الجبهات تهدد الجبهة الداخلية في إسرائيل بصواريخها، وسط عدم جهوزية مطلقة، وفق ما أشار تقرير مراقب الدولة.
هذه الوضعية، كما قال المستشار الاستراتيجي الذي شغل منصب مستشار وزير الأمن السابق إيهود باراك، براك سيريه، تضع إسرائيل أمام مفترق طرق لا تدرك أين تتجه فيه، "خطر متزايد من قرارات المستوى السياسي في كل ما يتعلق باحتلال مدينة غزة والاستمرار في الحرب من دون بارقة أمل بصفقة قريبة. تسونامي سياسي مع مقاطعة متزايدة لإسرائيل في مختلف أرجاء العالم، وتظاهرات ملتهبة داخل إسرائيل، والأخطر يضيف سيريه، ’أننا لا نعرف ما ينتظرنا، ففي كل مرة يطرح السؤال: ماذا بعد؟ تتهرب القيادة من الرد، بل يصبح ما بعد اليوم أمراً جانبياً ومهمشاً’".
برأي سيريه، فإن "مخاوف متخذي القرار من الرد على ماذا بعد، وما الذي سنحققه من الحرب، ماذا سيشمل اليوم التالي، ما هو مصير الأسرى الأحياء، وهل إسرائيل مستعدة لما ينتظرنا؟ كلها أسئلة لا رد عليها لدواع سياسية من منطلق الخوف على حكومة نتنياهو". محذراً "كل هذا الخلط بين الحرب والاعتبارات الإسرائيلية أوصلنا إلى هذا الوضع، وإلى مفترق الطرق الخطر".
نتنياهو يتنصل من المسؤولية
تعنت المستوى السياسي برئاسة نتنياهو برفض قبول مقترحات صفقة أسرى جزئية والمضي قدماً في تنفيذ خطة احتلال مدينة غزة ووسط القطاع، استدعى الجيش إلى عقد لقاءات مع أهالي الأسرى وإبلاغهم بصورة واضحة أن "القتال خطر، ولا نعرف هل يوجد أسرى أحياء في المناطق التي ستتحول إلى أرض معركة لا قدرة على إنهائها خلال فترة قصيرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في غزة، عملياً، وبعد تفجير المبنى، أعلن كاتس بدء المرحلة التصعيدية من العملية التي ستشمل في مراحلها الأولى هدم المباني وتسوية غزة بالأرض، وهذا الهدف هو أيضاً بمثابة ضغط على سكان غزة لترك بيوتهم والتوجه نحو الجنوب، حيث الصعوبات التي قد يواجهها الجيش في المعارك إذا ما تحقق تقديره بأن 30 في المئة في الأقل من السكان سيرفضون ترك منازلهم، أي نحو 300 ألف فلسطيني سيشكلون عقبة كبيرة أمام خطة الهجمات، وأيضاً الردود الدولية على ذلك، لما هو متوقع من وقوع قتلى وجرحى بين السكان.
أمام هذه التقديرات يرفض نتنياهو أي تراجع. وعملياً، وفق قراءة أمنيين وعسكريين فهو يرفض من اليوم تحمل مسؤولية ما قد يحدث من نتائج لهذه العملية وتداعياتها، تماماً كما رفض تحمل المسؤولية التي ألقاها عليه تقرير مراقب الدولة منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم.
استخلاص العبر
الإخفاق الأساس الذي يضعه تقرير مراقب الدولة هو عدم استخلاص العبر، ليس فقط خلال الفترة التي مرت منذ بداية الحرب، وإنما منذ حرب لبنان الثانية عام 2006، إذ لم تستخلص العبر جميع الحكومات الإسرائيلية، وفي معظم هذه الأعوام كانت الحكومة برئاسة نتنياهو، واليوم، بعد نحو العامين على الحرب، ترفض الحكومة استخلاص العبر من الفترة السابقة.
الرئيس السابق لمديرية العمليات في الجيش يسرائيل زيف، أجرى بحثاً حول عامي الحرب، وخلاله تحدث مع قيادات عسكرية كان لها دور كبير في المعركة، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل لن تكون قادرة على هزيمة "حماس"، بعدما تبين له أنه خلال عامين قضى الجيش على 60 في المئة من مقاتلي الحركة، والـ40 في المئة الذين تبقوا يشكلون قوة في مواجهة الجيش الإسرائيلي، ويتجاوز عددهم 15 ألف مقاتل، إلى جانب المئات ممن جندتهم الحركة حديثاً، على رغم أن زيف يرى فيهم قوة غير فاعلة، كون المجندين الجدد هم شبان معظمهم لا يتجاوز الـ18 سنة وغير مدربين.
في جانب آخر، يشير زيف إلى أن الجيش تمكن من القضاء على 90 في المئة من القيادات، وهذا الجانب بحد ذاته يعني أنه لا حاجة إلى استمرار القتال الحالي، ويقول "كل ما يروج له متخذو القرار من ضرورة استمرار الحرب لمنع تكرار السابع من أكتوبر لم يعد ذا صلة، لأنه إذا أرادت "حماس" أو غيرها من التنظيمات أن تبني نفسها من جديد لتنفيذ هجوم كهذا أو شبيه به فإنها تحتاج إلى 10 أعوام في الأقل، هذا إذا بدأت اليوم في الاستعداد وكانت لديها القدرات القتالية والعسكرية والتنظيمية، وكلها أشياء غير متوافرة حالياً لدى الحركة".
الخطر على الإسرائيليين
جانب آخر لخطر استمرار هذه الحرب، هو أن تبقي الجبهات الأخرى مفتوحة وتعرض إسرائيل لخطر الصواريخ، خصوصاً من اليمن. وهذا ما حذر منه أمنيون، خصوصاً بعد ما كشفه تقرير مراقب الدولة من إخفاقات في كل ما يتعلق بالتعامل مع الإسرائيليين في مختلف المجالات.
مراقب الدولية أشار بصورة خطرة إلى الجانب المدني خلال عامين من حرب "طوفان الأقصى"، حيث شاب الدفاع المدني النقص الكبير في التنظيم والكفاءة. وكما خلال العامين الأخيرين، اليوم أيضاً لا توجد تجهيزات، ليس فقط بالنسبة إلى تدريب الجنود، خصوصاً الذي يدخلون للمرة الأولى إلى غزة للقتال أو الاحتياط غير المتدربين على عمليات احتلال.
وبحسب التقرير، فإن نتنياهو وسموتريتش يتحملان مسؤولية "عدم إنشاء هيئة مركزية، إذ تتعدد مراكز الاتصال غير المنسقة، ومن ثم عدم توفر صورة كاملة للوضع المدني".
الإخفاقات والفجوات مستمرة منذ حرب لبنان الثانية، بحسب التقرير الذي قال إنه "منذ عام 2006 وحتى اليوم، لم تستخلص حكومات إسرائيل التي وقف على رأسها نتنياهو معظم الوقت العبر، ولم تطبق التوصيات لمعالجة الجبهة الداخلية. وعلى رغم الوضع في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر فإنه لم يتم تعيين "هيئة واحدة تتمتع بصلاحيات كاملة لإدارة المجال المدني في أوقات الطوارئ، وعدم اتخاذ إجراءات عمل واضحة وقرارات جوهرية".
مراقب الدولة دعا الجهات السياسية إلى التحرك الفوري لمعالجة هذه الإخفاقات، مؤكداً أن "الدولة في خضم حرب شاملة ومستمرة". وأضاف التقرير أن محاولات إنشاء آليات لإدارة الدفاع المدني بعد السابع من أكتوبر فشلت. لم يبحث المجلس الاقتصادي- الاجتماعي الحاجات الملحة مثل التعويضات للأعمال التجارية، ومشكلات التوظيف، والخدمات النفسية.
هذه الجوانب وغيرها مما طرحه مراقب الدولة تسيطر على الأجندة الإسرائيلية بعد 700 يوم من حرب "طوفان الأقصى"، إذ التوقعات أن تستمر عملية احتلال غزة عاماً، وفي المقابل فإن الأوضاع الاقتصادية في تدهور، وغلاء المعيشة في ارتفاع مقابل عدم شعور الإسرائيليين بالأمن والأمان، وسط وضعية تشير إلى أن إسرائيل مقبلة على أخطر وأسوأ مرحلة خلال العامين الأخيرين.