Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس تفتش عن علاقة آمنة بين الأطفال ومواقع التواصل

أكثر من 90% من الصغار والمراهقين في البلاد لديهم إمكان استخدام الهواتف الذكية

لا يعير عدد من العائلات التونسية اهتماماً كبيراً بخطر الفضاء الرقمي على الأطفال (مواقع التواصل)

ملخص

سارعت دول عدة في العالم إلى وضع إجراءات قانونية حمائية لهذه الفئة على غرار فرنسا وأستراليا والنرويج والمملكة المتحدة، بينما قيدت دول أخرى استخدام منصات "السوشيال ميديا" على الأطفال والمراهقين في الفضاء المدرسي.

لم يعد استخدام الإنترنت والولوج إلى منصات التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين داخل تونس ترفاً يهم فئات بعينها، بل أصبح ظاهرة عامة إذ تفيد الإحصاءات الرسمية بأن أكثر من 90 في المئة من الأطفال والمراهقين في البلاد لديهم إمكان استخدام الهواتف الذكية، والولوج إلى مختلف منصات "السوشيال ميديا".

وأمام خطورة الاستخدام المفرط للإنترنت، مما يجعل الأطفال فريسة للإدمان المرضي، تعالت الأصوات داخل تونس بضرورة سن قانون يمنع استخدام الهواتف الذكية والولوج إلى "السوشيال ميديا" على من سنهم دون 15 سنة.

وسارعت دول عدة في العالم إلى وضع إجراءات قانونية حمائية لهذه الفئة على غرار فرنسا وأستراليا والنرويج والمملكة المتحدة، بينما قيدت دول أخرى استخدام منصات "السوشيال ميديا" على الأطفال والمراهقين داخل الفضاء المدرسي.

قانون للحظر

المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط نبهت منذ أعوام إلى خطر الفضاء الرقمي على الأطفال، بينما لا يعير عدد من العائلات التونسية اهتماماً كبيراً بهذا الموضوع، وتسهم أحياناً من دون قصد في تسهيل ولوج الأطفال والمراهقين إلى الهواتف الذكية، ومنصات "السوشيال ميديا" عبر تمكين أبنائها من تلك الهواتف.

وأصدرت المنظمة في فبراير (شباط) الجاري، بياناً هو عبارة عن دق ناقوس الخطر للمجتمع بـ"ضرورة سن قانون يحظر منصات التواصل الاجتماعي عمن سنهم أقل من 15 سنة".

وترى رئيسة المنظمة ريم بالخذيري أن "هذا المطلب وجد تفاعلاً إعلامياً وشعبياً مهماً، والمنظمة بصدد بلورة مشروع كامل لهذا الحظر قانونياً وتقنياً واجتماعياً على أن يجري تقديمه لاحقاً إلى السلطات المتخصصة لاعتماده كقانون ملزم"، وتقول "إننا بصدد التواصل مع ممثلي هذه المنصات داخل تونس وشمال أفريقيا لمطالبتهم بتوفير أقصى معايير السلامة في التعامل مع محتويات الأطفال وتتبع اشتراكاتهم وحساباتهم وإخضاعها للغلق الآلي"، مضيفة أن "المشكل لا يكمن في الهاتف الذكي في حد ذاته، ولا في الإنترنت لأنها ضرورية للتلميذ، إنما في الولوج إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت مصدراً للتنمر وفضاء مهيأ للعنف، كذلك فإنه مجال متاح للمتحرشين بالأطفال والمبتزين لهم، وهو كذلك فضاء للاتجار بالأطفال".

 

وتشير الأرقام المعلنة إلى أن نحو 40 في المئة من الأطفال بين ثماني و12 سنة صادفوا محتوى غير مناسب (عنيف أو جنسي) من دون قصد، وتزداد هذه النسبة، إذ إن خوارزميات منصات مثل "تيك توك" و"فيسبوك" و"إنستغرام" تقترح محتوى حساساً خلال دقائق من التصفح إذا أظهر المستخدم اهتماماً أولياً به، ومن ثم تفرض هذه المحتويات نفسها على الطفل من دون مراعاة لسنه، ومن هنا يتحول الأمر إلى إدمان، وهو ما تؤكده الدراسات التي تشير إلى أن واحداً من كل 10 مراهقين يظهر سلوكاً إدمانياً مرتبطاً بوسائل التواصل الاجتماعي، ثم يتحول الطفل إلى مرحلة التجربة وحب الاطلاع وهي المرحلة الأخطر في هذه الحلقة.

الاستخدام الآمن للإنترنت

في المقابل، يعد رئيس الجمعية التونسية لحقوق الطفل، معز الشريف، في تصريح خاص أن "الولوج للإنترنت هو حق من الحقوق ولا يمكن منع الأطفال من هذا الحق"، مشدداً على "ضرورة التوفيق بين حق الأطفال في الولوج إلى الشبكة، واستخدامها في الدراسة، وتوفير أدوات حماية معطياتهم الشخصية من أخطار الإنترنت".

ورأى أن "التشريعات وحدها غير كافية"، لافتاً إلى "أهمية تربية الناشئة على وسائل الإعلام والاستخدام الآمن للإنترنت ومنصات ’السوشيال ميديا‘، من خلال القدرة على التمييز بين المواقع التي تنشر أخباراً زائفة، والمواقع ذات الصدقية، ليتسلحوا بأدوات الحماية من الأخبار المضللة، حتى يكون الطفل عنصراً فاعلاً في الفضاء الافتراضي، وليس فريسة سهلة للاستقطاب والاستغلال بمختلف صوره".

وقال إن "المؤشرات العالية لنسبة ولوج الأطفال إلى الإنترنت ومنصات ’السوشيال ميديا‘ تبعث على القلق، ومن الإجحاف تحميل المسؤولية للأولياء وحدهم، لأن القدرات التقنية للأطفال (الجيل الرقمي) تفوق قدرات الأولياء، وعليه فالمسؤولية مشتركة بين مزودي الإنترنت والمشرفين على منصات التواصل الاجتماعي والدولة والمجتمع المدني، من أجل بلورة مقاربة تشريعية ومجتمعية تحمي الأطفال من تهديدات الإنترنت و’السوشيال ميديا‘، ولا تحرمهم من حقهم في المعرفة والإبحار الآمن في الفضاء السيبراني".

 

ويستحضر معز الشريف "مفهوم المواطنة الرقمية في كثير من الدول، إذ يمكن للجميع الولوج إلى الإنترنت الآمن من دون المساس بمعطياتهم الشخصية وبعيداً من أخطار التنمر أو الاستغلال".

مكافحة العنف الرقمي

يذكر أن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن وضعت خطة وطنية شاملة لمكافحة العنف الرقمي، وأخطار مواقع التواصل الاجتماعي، بخاصة لمن هم دون سن الـ15 سنة، وتهدف الخطة إلى حماية الأطفال من جميع أشكال العنف، سواء كان في الأسرة أو المدرسة أو الفضاء الرقمي.

وجاء في مضمون هذه الخطة أن "حماية الأطفال في الفضاء الرقمي مسؤولية وطنية مشتركة بين الدولة والأسرة ومزودي الإنترنت والمجتمع المدني، ومزودو خدمات الإنترنت ملزمون توفير آليات حماية الأطفال لضمان تصفح آمن، ويجري توحيد هذه الآليات على مستوى وطني لتكون موحدة ومجانية تحت إشراف وزارة تكنولوجيا الاتصال"، ويجري "تنظيم برامج توعوية للأطفال واليافعين عبر ألعاب تربوية ومحاكاة مواقف رقمية لتعزيز وعيهم بالسلامة الرقمية وتحويلهم من مستهلكين سلبيين إلى مستخدمين فاعلين وواعين".

يشار إلى أن أكثر من 78 في المئة من الأطفال دون سن 13 سنة في تونس يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي، و40 في المئة من الأطفال بين (11 و15 سنة) يقضون وقتاً منتظماً مع أصدقائهم عبر الإنترنت يصل أحياناً إلى أربع ساعات يومياً أمام الشاشة خلال أيام الدراسة، وست ساعات يومياً خلال العطل المدرسية ونهاية الأسبوع، ولدى اليافعين فوق 15 سنة قدرة أكبر على الولوج للأجهزة الرقمية بنسبة قد تصل إلى 96 في المئة، وفق ما أظهرته نتائج التقرير الوطني حول وضع الطفولة بتونس لعام 2024.

فراغ تشريعي

في الأثناء، وفي خضم هذا الجدل لم يتوصل البرلمان داخل تونس إلى أي مقترح قانون في مجال حماية الأطفال في الفضاء الرقمي. ويؤكد رئيس لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، سامي الرايس، في تصريح خاص "أهمية سن قانون في هذا المجال، للحيلولة دون استعمال الأطفال والمراهقين للهواتف الذكية، والولوج إلى منصات التواصل الاجتماعي، لما يسببه إدمان الإنترنت و’السوشيال ميديا‘ من أخطار ذهنية على الطفل والمراهق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ودعا إلى "التعجيل بوضع قانون يحمي صحة الطفل ويحصنه من السلوكيات المحفوفة بالأخطار في الفضاء الرقمي، كالتنمر والابتزاز والاستغلال الجنسي وتعاطي المخدرات والتحطيم النفسي للمراهق"، لافتاً إلى "مزيد من إحكام المراقبة على عدد من المنصات والمواقع التي يدخلها الأطفال والتي تتيح لهم ألعاباً قد تدفعهم إلى الهلوسة وأحياناً إلى الانتحار".

تحجير الهواتف الذكية

من جهة أخرى بات موضوع منع استخدام الهواتف الذكية داخل المؤسسات التربوية مطلباً ملحاً من قبل مختلف المتدخلين في الشأن التربوي بين داعٍ إلى منعه ورافض لذلك.

وينص منشور وزير التربية الذي يعود إلى سبتمبر (أيلول) عام 2019 على دعوة مديري المؤسسات التربوية إلى إعلام التلاميذ بتحجير اصطحاب الهواتف الجوالة للمؤسسة التربوية لأي سبب من الأسباب.

ويؤكد رئيس المنظمة التونسية للأولياء والتلاميذ، رضا الزهروني "ضرورة وضع تراتيب وآليات واضحة لتنفيذ مذكرة وزير التربية لمنع استخدام الهواتف الذكية في الفضاء التربوي"، لافتاً إلى أن "استخدام الهواتف الذكية داخل الفضاء المدرسي يؤثر في السير العادي للدروس والنتائج المدرسية".

تعد نسبة إدمان المراهقين الإنترنت في تونس مرتفعة مقارنة بالأرقام العالمية، وتحتاج الظاهرة إلى ترسانة قانونية، ومقاربة توعوية، لضمان حق الطفل في الاستخدام الآمن للإنترنت، وحمايته من مختلف صور الاستغلال أو التهديدات، وهي مسؤولية مجتمعية مشتركة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات