ملخص
القيمة الفكرية والسجالية لمسرحية ألبير كامو "الغالبون" كانت دائماً أكبر من قيمتها الفنية، خصوصاً أن كامو كتبها بُعيد الحرب العالمية الثانية، وطرح فيها إشكاليات كانت أصلاً في صميم ممارسات المقاومة الفرنسية خلال تلك الحرب
في هذا الزمن الذي يعم فيه الإرهاب والإرهاب المضاد في أنحاء عديدة من العالم. الزمن الذي يتحول القتل فيه إلى مجرد فعل عشوائي مجاني، لا تبرره أي أهداف سياسية أو خطط استراتيجية، من الواضح أن معظم العمليات التي تسمى، في العادة، عمليات إرهابية، يطاول الأبرياء والضعفاء، والذين لا يمكن لأحد حمايتهم، أكثر بكثير مما يطاول أولئك الذين يمكن أن يكونوا هم المقصودين به أصلاً.
ومن المؤكد أن مثل هذه العمليات تشكل اليوم الهاجس الأساس، ليس للسياسيين والمخططين فحسب، بل كذلك للناس العاديين، الأبرياء بشكل عام.
وللتيقن من هذا قد يجدر بنا أن ننظر إلى ما يحدث في أماكن كثيرة من حولنا، لنكتشف مرعوبين بفصول القتل المجاني، تلك الفصول التي تذكر إلى حد بعيد بسوابق تاريخية، بعضها كان للفن والأدب منه موقف واضح - أحياناً - وملتبس في أحيان أخرى.
وفي هذا المجال، إذا كان لنا أن نتذكر عملاً فنياً معيناً دنا من مثل هذا الموضوع، فلا شك في أن هذا العمل يمكن أن يكون مسرحية "العادلون" للكاتب والمفكر الفرنسي ألبير كامو.
ما من مبرر لقتل الأطفال
صحيح أن كامو لم يشتهر أصلاً ككاتب مسرحي، بل كفيلسوف تتسم أفكاره بأبعاد تراوح ما بين الأخلاقية والعبثية، وكروائي، هو الذي لا تزال أعماله الروائية حاضرة بيننا تقرأ، وأحياناً كنصوص فكرية فلسفية، كما حال نصيه الأشهر، "الطاعون" أو "الغريب"، لكنه كتب مع ذلك مسرحيات عدة، وحول نصوصاً أدبية، له ولغيره، إلى مسرحيات، بحيث إن ثمة الآن ما لا يقل عن تسعة أعمال مسرحية تقدم وتحمل توقيع ألبير كامو.
وإذا كان من الصعب علينا أن نعتبر "العادلون" - التي يترجم عنوانها إلى العربية أحياناً بـ"البررة"- عملاً فنياً كبيراً، فإن في وسعنا في الوقت نفسه أن نعتبرها عملاً فكرياً مهماً يثير سجالات حادة، من اللافت أنها سجالات زماننا الذي نعيشه الآن، كما سيتبين لنا.
ولعل من المفيد هنا أن نذكر أن السينمائي جان لوك غودار الذي جعل من معظم سينماه نضالا ضد ضروب الظلم والقمع في هذا العالم، لم ينسَ أن يقتبس من كامو حين قال عبارته الشهيرة: "ما من قضية عادلة يمكنها أن تبرر قتل ولو طفل واحد".. وهي عبارة تمت بصلة مباشرة إلى جملة حوارية تأتي ولو تضميناً في مسرحية "العادلون" نفسها، كما سنرى بعد سطور.
الإرهاب بديل لليأس
شخصيات مسرحية كامو "العادلون" الأساسية ثلاث، هم من إرهابيي منظمة تطلق على نفسها اسم "الاشتراكي الثوري". وهم: إيفان كالياليف وستيبان فيدوروف ودورا دولبوف. والأشخاص الثلاثة روس، ومنظمتهم هي واحدة من تلك المنظمات الثورية الإرهابية الروسية التي تكاثرت عند المنعطف الزمني بين القرنين الـ19 والـ20.
ونعرف، تاريخياً، أن تلك المنظمات كانت لا تجد أمامها إلا الإرهاب وسيلة لمحاولتها الاستيلاء على الحكم والوصول إلى ما تعتبره في أدبياتها "عدالة اجتماعية". وهي، في ذلك، وجدت نفسها بين مطرقة البوليس السياسي وسندان الأحزاب "الأكثر عقلانية"، فلم تجد أمامها إلا أن تمعن في الإرهاب، لعل وعسى.
وحين تبدأ هذه المسرحية، التي كتبها كامو في خمسة فصول، نجدنا أمام الإرهابيين الثلاثة المذكورين وقد كُلِّفوا عملية إرهابية فحواها اغتيال الدوق الأكبر سيرج، في عام ما عند بداية القرن الـ20، في روسيا.
وفي حوار أولي، يروح كل واحد من الثلاثة مفسراً لنا سبب إقدامه على المشاركة في العملية، في خليط من التذرع بالأسباب السياسية والشخصية. فها هو إيفان يقول إنه انضم إلى الثورة "لأنني أحب الحياة"، أما ستيبان، فيقول: "إنني لا أحب الحياة، بل أحب العدالة، التي هي في نظري أسمى من الحياة بكثير"... هذا فيما تقول دورا بكل بساطة: "إننا في نهاية الأمر قوم عادلون، ومن هنا، فإننا محكومون بأن نكون أكبر من ذواتنا...".
التأرجح بين الذات والموضوع
وهكذا، انطلاقاً من هذه القناعات المتأرجحة بين الذات والموضوع، يقبل الثلاثة تنفيذ المهمة، ويتوجهون إلى حيث سيمر موكب الدوق الكبير لكي يرموه بالقنابل التي ستقتله وتقتل من معه. يكون إيفان هو المكلف إلقاء القنابل، أما الآخران فللحماية. وفي اللحظة المعينة حين يمر الموكب، يتراجع إيفان عن رمي القنبلة... لماذا؟ لأنه وجد أن الدوق الكبير يصطحب معه في عربته أطفالاً هم أولاد أخيه. بالنسبة إلى إيفان كالياليف، ليس ثمة قضية في هذا الكون يمكنها أن تبرر قتل الأطفال. وهو، إن كان مستعداً لقتل الدوق ورفاقه، فإنه ليس مستعداً لرمي قنبلته على الأطفال. وهكذا يقرر إيفان تأجيل الإقدام على العملية، أمام احتجاجات ستيبان، في حوار شائك بين الاثنين محوره فكرة الإرهاب وضرورات العدالة والتبريرات الثورية... وما إلى ذلك وهو الحوار الأقوى في هذه المسرحية.
المهم في الأمر أن إيفان يعاود الكرَّة بعد يومين ويتمكن من قتل الدوق الكبير، لكنه سرعان ما يجد نفسه وقد أطبق عليه رجال السلطة واعتقلوه ليوضع في السجن. وهناك وهو في سجنه تزوره الدوقة أرملة الدوق الكبير، التي يبدو أنها علمت بما كان فعله خلال المحاولة الأولى، وترى الآن أن في إمكانها أن تنقذ حياته... لكنه يرفض عرضها، لأنه إنما يريد في حقيقة أمره أن يدفع حياته ثمناً لمعتقداته - ذلك هو فعل إيمانه ومبرر عمله - يقول للدوقة: "إذا لم أمت جراء ما فعلت، فإنني أتحول من ثائر إلى قاتل"، ويشرح إيفان للدوقة نظريته هذه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استشراء الشكوك
في اليوم التالي ينشر البوليس السري خبر زيارة الدوقة إلى الإرهابي في سجنه، وذلك في محاولة من هذا البوليس للإيحاء بأن إيفان كالياليف أعلن توبته. وهنا على الفور، تساور رفاقه شتى أنواع الشكوك، وينتظرون ما ستأتي به الأيام المقبلة من أخبار، فإذا لم يعدم إيفان سيكون معنى ذلك أن تقارير البوليس السري صحيحة، وأنه ندم واستغفر، وربما وشى برفاقه أيضاً. أما إذا أعدم، فإن معنى هذا أنه صمد في موقفه و"مات كثوري شريف"، كما يقول واحد من رفاقه.
وبسرعة يأتي الخبر اليقين: لقد أعدم إيفان، ويمكن الآن رفاقه أن يتنفسوا الصعداء، ليس فقط لأن موته يعني أمنهم الشخصي، بل أيضاً لأن معناه أنه كان واثقاً من كل ما فعل، من دون تردد أو ندم... إنه لم يهن ولم يخن... وهذا الأمر مهم في مثل هذا النمط من العمل الثوري. يجب أن يموت الثائر لكي يثبت جدارته... بالحياة. ويا للمفارقة!
وإزاء هذا النبأ، تطلب دورا أن تكلف هي إلقاء القنبلة التالية في عملية اغتيال جديدة، لأن إيفان، الذي كان صديقها "قدم المثل الصالح"، وهي الآن توَّاقة لأن تصل إلى حيث وصل: توَّاقة إلى أن تقتل وتعتقل وتموت، لتلتقي بإيفان "في بحر العدالة والبراءة والموت".
والحال أن موقف دورا هذا، هو الذي يطرح الإشكالية الأساسية في هذه المسرحية: هل يمكن للثوري أن يقتل ويبقى عادلاً باراً في الوقت نفسه؟ هل يمكن للمرء أن يحب الحياة ويختار الموت في الوقت نفسه؟ وتأتي الأجوبة فقرات فقرات، من خلال الحوارات، أي من خلال التباسات كامو: لكي يكون المرء عادلاً وباراً يجب أن يحب الحياة ويقتل من دون كراهية، يجب عليه ألا يقتل من أجل فكرة مجردة... بل إن الشيء الوحيد الذي يبرر القتل هو أن يكون قتلاً غايته وضع نهاية لكل قتل... هذه هي إذاً، المحاكمة التي ترد في هذه المسرحية، التي - وكما أشرنا - كانت قيمتها الفكرية والسجالية دائماً أكبر من قيمتها الفنية، خصوصاً أن كامو كتبها بُعيد الحرب العالمية الثانية، لتقدم للمرة الأولى عام 1949، طارحة إشكاليات كانت أصلاً في صميم ممارسات المقاومة الفرنسية خلال تلك الحرب. ومن هنا اعتبرت المسرحية مساهمة منه في السجالات السياسية والأخلاقية، لا في الحياة المسرحية.
وألبير كامو (1913 - 1960) المولود في الجزائر، والذي قضى شاباً في حادثة سيارة، هو صاحب بعض المؤلفات الفرنسية الأكثر شهرة عند أواسط القرن الـ20 التي أوصلته شهرتها لأن يكون واحداً من أبرز حائزي جائزة نوبل الأدبية من الفرنسيين. وهو خاض الكتابة الروائية والفلسفية والمسرحية والقصصية، وحُوِّل كثير من أعماله إلى أفلام أشهرها "الغريب" من إخراج لوكينو فسكونتي، وترجمت أعماله إلى لغات كثيرة، إضافة إلى أنه أثار سجالات حادة، ولا سيما من خلال مواقفه الملتبسة من القضية والثورة الجزائريتين.