ملخص
نقلت خبر ارتقاء أخيها على الهواء مباشرة، ومقتلها كان ضمن تغطية حية. إليكم قصة مصورتنا الراحلة مريم أبو دقة التي قتلت أمام العالم في بث حي.
لم أكن مؤمناً بعبارة "ما أشبه اليوم بالبارحة"، ولكن ما حدث مع زميلتي الراحلة مريم أبو دقة مصورة "اندبندنت عربية" في غزة جعلني أصدق هذا المثل الشعبي، إذ سقطت فقيدتنا على الهواء مباشرة، كما حدث مع شقيقها محمد أبو دقة الذي ارتقى هو الآخر على الهواء مباشرة، وكانت الصحافية أخته من تذيع خبر مقتله.
في عام 2018، خرج الغزيون في مسيرات شعبية ضخمة على الحدود مع إسرائيل احتجاجاً على الحصار المفروض عليهم، وتصدى لهم الجيش الإسرائيلي بالقذائف والأعيرة النارية لمنعهم من اقتحام السياج الفاصل.
على الهواء مباشرة
في ذلك الوقت، كانت زميلتنا الراحلة مريم أبو دقة تعمل مراسلة مع وسائل إعلام محلية تنقل الأحداث وتغطي الاحتجاجات والتظاهرات، وتخرج في تغطية حية ومباشرة لمتابعة مجريات المسيرات الشعبية.
وبينما كانت الراحلة على الهواء مباشرة في تغطية حية للاحتجاجات الحدودية، أطلقت دبابة إسرائيلية قذيفة على مجموعة من المشاركين في المسيرة وسقطوا ضحايا هذا الاستهداف.
أخذت مريم تنقل الخبر في تغطية حية ومباشرة "هناك قتيلان في قصف مدفعي"، ثم تقدمت بضع خطوات لتتفقد الضحايا وأعمارهم، وتفاجأت أن أحدهم كان شقيقها محمد أبو دقة، واصلت حديثها وهي تبكي "أنقل لكم على الهواء مباشرة خبر ارتقاء شقيقي ضحية هذا الاستهداف".
أذاعت خبر ارتقاء شقيقها
قالت مريم تلك العبارة وانهارت بالبكاء "طلع أخويا (كان أخي)، أذعت خبر ارتقاء شقيقي على الهواء مباشرة".
بعد ذلك الحدث، قالت مريم لوسائل إعلامية "نقلت خبر مقتل اثنين على حدود غزة، ولم أكن أعلم أن أحدهما أخي، ظهرت في تغطية حية لنقل مجريات مسيرات العودة، وأذعت خبر مقتل شابين من قطاع غزة برصاص الجيش الإسرائيلي، وأثناء حديثي على الهواء، لم أكن على علم بهوية القتيلين، لكن اكتشفت لاحقاً أن أحدهما هو شقيقي محمد أبو دقة، ودخلت في موجة بكاء وصراخ".
كثيراً ما حدثتني مريم أبو دقة في جلساتنا بعد عملنا الصحافي عن تلك اللحظة، وفي كل مرة كانت تبلغني بالعبارة نفسها "استفسرت من زملائي عن اسمي القتيلين لأكتشف أن أحدهما هو أخي، أقسى شيء أن أخي مر بجانبي ضحية ممزقة الأشلاء، ونقلت خبر ارتقائه المبدئي من دون أن أعلم ومن دون وعي مني".
شقيقها مسعف في الدفاع المدني
لمحمد أبو دقة شقيق مصورتنا الراحلة قصة حزينة، إذ كان يعمل مسعفاً في جهاز الدفاع المدني، ينقل الضحايا الذين يقتلون في مسيرات العودة، ويعالج المصابين في ميدان الاحتجاجات، ويساعد الأشخاص الذين اختنقوا نتيجة الغازات التي يلقيها الجنود.
وبينما كان الشقيق محمد في عمله مسعفاً يحاول إنقاذ الإصابات، أطلقت عليه دبابة إسرائيلية قذيفة أدت إلى مقتله وقطعت جسده أشلاء، وكانت مصورتنا وقتها تشاهد الحدث في تغطيتها الحية وسلطت الكاميرا على ذلك الاستهداف.
حمل المسعفون جثة محمد أبو دقة، ومروا بها من جانب مريم، وعندما رأته نقلت خبر ارتقائه وذكرت اسمه، وبعد ثوان معدودة تداركت أنها أذاعت نبأ سقوط شقيقها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعافت من الصدمة بسرعة
بعدما بثت مريم أبو دقة خبر ارتقاء شقيقها محمد أصيبت بصدمة نفسية، ودخلت مرحلة صعبة من البكاء والانهيار العصبي، لكن هذه الحالة لم تستمر معها طويلاً، وسرعان ما تمالكت نفسها وامتصت الصدمة، وعادت لعملها الصحافي. واصلت مريم رسالتها الصحافية على رغم الألم الشخصي، مؤمنة بأن واجبها هو نقل قصص الغزيين، فلم تكن الصحافة بالنسبة إليها مهنة، بل قدر، فهي كانت تعرف أن العدسة تستطيع أن تفضح الجرائم. وكثيراً ما عرفت مريم أبو دقة بشجاعتها في تغطية الأحداث الميدانية في غزة، ولكن ما حدث معها عام 2018 عندما أذاعت خبر ارتقاء شقيقها كان ذروة تضحياتها، التي واصلتها في الحرب الدائرة حالياً في القطاع، حتى ارتقت هي الأخرى بقصف إسرائيلي على الهواء مباشرة أيضاً.
مقتلها كان في بث مباشر
مرت السنوات سريعاً، وفي الـ25 من أغسطس (آب) 2025، كانت كاميرات نقل التغطية الحية موجهة على مبنى الطوارئ في مجمع "ناصر" الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة عندما اعتلت زميلتنا الراحلة المرفق الطبي لتوثق لحظة وصول إصابات للمستشفى.
وبينما كانت مريم أبو دقة تلتقط الصور، كانت كاميرات الصحافيين تنقل مباشرة الحدث لوسائل إعلام عربية ودولية، وفي تلك اللحظات شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارة استهدفت مبنى مستشفى "ناصر" وسقطت فقيدتنا ضحية ذلك القصف.
نقلت وسائل الإعلام في تغطية حية ومباشرة لحظة سقوط مريم أبو دقة ووثقت عدسات الصحافيين الحدث بأكمله، وارتقت زميلتنا الراحلة أمام الكاميرات التي تبث الأحداث مباشرة للمشاهدين من المجتمع العربي والدولي.
الصورة أقوى من الصاروخ
شاهد العالم لحظة مقتلها، كما شاهد عام 2018 زميلتنا في تغطية حية وهي تذيع خبر ارتقاء شقيقها، كلا الضحيتان سقط على يد الجيش الإسرائيلي من دون أن تحمي الأعراف الدولية المسعف ولا الصحافي، وأسكتت قنابل تل أبيب صوت مريم وأخيها.
لم يكن أخو مريم الشخص الوحيد الذي فقدته في الصراعات المتتالية التي تعيشها غزة، وإنما فقدت أيضاً جدتها التي قتلت على يد الجيش الإسرائيلي، ووالدتها التي ماتت نتيجة منع تل أبيب دخول الأدوية للقطاع.
لم تكن زميلتنا مجرد صحافية عادية، ولا مجرد رقم يضاف إلى حصيلة الضحايا، بل كانت صوتاً للحقيقة، تعلق الكاميرا على كتفها، وتخرج إلى الشوارع المدمرة تلتقط صورها، من دون أن تعير اهتماماً لتحذيرات الجيش الإسرائيلي للصحافيين، إنها كانت تؤمن بأن الصورة أقوى من الصاروخ الذي قتلها.