ملخص
تتزايد المطالبات بإطلاق سراح "المناوئين لنظام بشار الأسد"، إلا أن عوائق قانونية وواقعية تحول دون حل مشكلة هؤلاء، خصوصاً أن القضاء قرر عقوبات مشددة في حق بعض المحكومين.
يشكل السوريون 30 في المئة من نزلاء السجناء في لبنان، يسعى لبنان إلى جلاء الحقيقة وإغلاق جرح المفقودين والمخفيين قسراً في السجون السورية.
كثيرة هي الملفات على طاولة النقاش بين لبنان وسوريا الجديدة، ويأتي في مقدمها "حل قضية 2400 موقوف من السوريين في لبنان وعشرات من المناصرين للانتفاضة السورية" من جهة، وجلاء مصير 622 لبنانياً من سجناء الرأي والمخفيين قسراً في سجون نظام الأسد، إذ يعود تاريخ اعتقال بعضهم إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وما تلاها من وجود عسكري سوري في لبنان. وتعتبر الزيارة التي قام بها وفد سوري إلى لبنان الإثنين الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري "خطوة أولى نحو بناء "العلاقات الطبيعية" بين البلدين الجارين.
زيارة مؤجلة
بعد تأجيل زيارة الوفد الرسمي السوري التي كانت مقررة سابقاً إلى بيروت (نهار الخميس الـ28 من أغسطس "آب")، وهو ما شكل إشارة واضحة إلى عدم نضوج المفاوضات والحل، وصل وفد تقني سوري من وزارة الخارجية إلى العاصمة اللبنانية، والتقى نائب رئيس الحكومة طارق متري. وتشير المعلومات إلى أن البحث تطرق إلى المعتقلين والمفقودين السوريين في لبنان، والمفقودين اللبنانيين في سوريا. وأشار بيان رسمي لبناني إلى أنه جرى بحث في مسألة التعاون لضبط الحدود ومنع التهريب، وقضية النازحين السوريين وعودتهم إلى بلادهم، إضافة إلى مراجعة الاتفاقات اللبنانية - السورية وتحسينها.
واتفق الطرفان على "تأليف لجنتين متخصصتين لإعداد النصوص التحضيرية لاتفاق قضائي وآخر يتعلق بالحدود تمهيداً لزيارة وزارية سورية إلى بيروت في فترة قريبة".
وتلفت أوساط الاجتماع عن أجواء إيجابية سادت اللقاء اللبناني - السوري، ورداً عن سؤال حول "المخاوف من أن تتحول اللجان الجديدة كسابقاتها في تنظيم العلاقة بين البلدين"، يأتي الرد بالنفي، لأن "العمل سيكون جدياً".
يشكل ملف "السجناء والموقوفين السوريين" عائقاً كبيراً أمام العلاقات الطبيعية بين لبنان و"سوريا الجديدة". وتضغط الحكومة الجديدة في دمشق من أجل حل الملف بوصفه مدخلاً لإعادة العلاقات مع لبنان إلى طبيعتها. ويصف أهالي السجناء السوريين في لبنان أبناءهم بـ"الأسرى"، فهم "اعتقلوا في لبنان بسبب مواقفهم المناهضة للنظام السوري وحلفائه في مقدمهم ‘حزب الله‘ اللبناني الذي شارك في المعارك ضد المعارضة السورية". ويلفت عبدالمؤمن عنقور إلى أن "الأهالي ينتظرون جهود الوفد السوري إلى لبنان، الذي تأخر بسبب بعض الإجراءات"، و"علم الأهالي أن سبب التأخير هو الطرف اللبناني ووجود معارضة من قبل بعض الأحزاب". ويتحدث عنقور العائد حديثاً إلى حمص، عن صعوبات إضافية يعانيها الأهالي بعد عودة عدد كبير منهم إلى سوريا، و"باتت الزيارة تحصل مرة واحدة كل شهرين".
خطوة مقابل خطوة
من نتائج سقوط نظام الأسد في سوريا أن أكثر من 2400 سجين سوري في السجون اللبنانية باتوا بحاجة إلى معالجة ملفاتهم والنقاش الجدي فيها مع الحكم الجديد. ويشكل السوريون 30 في المئة من نزلاء السجناء في لبنان، ومن ثم فإن أية خطوة نحو الحل من شأنها تخفيف وطأة الملف على لبنان، حيث تعاني السجون مشكلة اكتظاظ كبيرة وصل إلى مستوى 300 في المئة، وترد في الخدمات والتأخير في بت الملفات القضائية، ومشكلة عدم سوق السجناء بفعل الانهيار المالي والاقتصادي. في المقابل، يسعى لبنان إلى جلاء الحقيقة وإغلاق جرح المفقودين والمخفيين قسراً في السجون السورية، ويؤكد علي أبو دهن المعتقل السابق في السجون السورية، أن "هناك 622 موجودين أو مخفيين قسراً في السجون السورية، وتمتلك السلطات اللبنانية ملفات خاصة بهم"، لافتاً إلى القيام بمحاولة جادة مع السلطة الجديدة لمعرفة مصيرهم وتحديد أماكن اعتقالهم أو حتى مواقع دفنهم. ويتابع أبو دهن "هناك تواصل جدي مع الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نواف سلام، التي لا تضم وزراء يتبعون لجهات سلمت أبناءنا للنظام السابق، وهناك تعويل على جهد وزير العدل عادل نصار لملاحقة الملف مع الجانب السوري".
العلاقات الصريحة
تمهد "المصارحة" بين البلدين إلى بناء العلاقة على معايير الثقة والاحترام المتبادل، والعمل المشترك لحل الملفات العالقة. ويعتبر "ملف السجناء" عقبة حقيقية، فمن ناحية، تعتبر معاناة السوريين جزءاً من معاناة أكبر تشمل كل السجناء ونزلاء السجون في لبنان، حيث يوجد مئات الموقوفين من دون صدور قرارات قضائية في حقهم، وتراكم الملفات بسبب الضغط الكبير أمام القضاء، كذلك فإنه لا بد من دراسة الملفات بصورة معمقة لمعرفة الجرم المنسوب إلى كل مشتبه فيه. ويعتبر تصنيف الملفات خطوة أساسية أمام حل المشكلة، إذ يوجد سجناء ارتكبوا جرائم تمس مباشرة لبنان ومواطنيه، في المقابل هناك شريحة من "المتعاطفين" والمساهمين في أعمال المعارضة السورية، التي تطالب السلطة الجديدة بتسليمها إياهم.
يعتقد النائب هادي أبو الحسن ممثل "اللقاء الديمقراطي" أن ثمة حاجة للوصول إلى حل في موضوع الموقوفين السوريين، ويمكن العمل على شريحة غير المحكومين وتسليمهم لسلطات بلادهم لمحاكمتهم وتحمل مسؤوليتهم. ويعتقد أن "هناك اكتظاظاً كبيراً في السجون اللبنانية، ووجود نسبة كبيرة من النزلاء السوريين، ومن ثم فإن من شأن معالجة الملف تخفيف الأعباء عن السلطة اللبنانية"، معترفاً بالمقابل بوجود عقبات تحيط بقانون العفو العام بفعل وجود خلافات عميقة بين الكتل السياسية اللبنانية. من جهة أخرى، ترفض أوساط "حركة أمل" الخوض حالياً في ملف العفو العام، معتبرةً أنه "ليس وقته الآن، لأن الأولوية حالياً لبحث مصير البلد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ماذا عن اللبنانيين؟
مع سقوط نظام الأسد، استبشر كثير من أهالي السجناء اللبنانيين خيراً وتحديداً "مناصري الانتفاضة السورية". والأربعاء الـ27 من أغسطس الماضي، تظاهر مئات من أهالي الموقوفين الإسلاميين أمام سجن رومية، وجددوا المطالبة بـ"عفو عام شامل" و"إطلاق سراح كل الموقوفين المظلومين حسب عمر أبو عيد المتحدث بأسماء الأهالي. ورفع هؤلاء صور المعتقلين في مقدمهم الشيخ أحمد الأسير المعارض لنظام الأسد والمحور الإيراني، والمحكوم في أحداث عبرا جنوب لبنان، مشككين بقرارات المحكمة العسكرية من خلال رفع صورة كبيرة لأحد قضاة المحكمة العسكرية السابقين في السفارة الإيرانية. وحملت إحدى السيدات لافتة عليها عبارة "لا يستقيم أن تتصالحوا مع الرئيس أحمد الشرع والإدارة الجديدة في سوريا، وتبقون على من ناصرهم في السجون"، فيما رفعت أخرى لافتة تقول إن هناك مساجين يقبعون في السجون منذ 10 أعوام لم يمثلوا مرة أمام القاضي.
من هذا المنطلق يطالب مدير مركز "سيدار" لحقوق الإنسان المحامي محمد صبلوح بتطبيق معايير "العدالة الانتقالية" في سوريا ولبنان التي تنتهجها الدول في أعقاب الأزمات والحروب، والاعتراف بوجود انتهاكات وأخطاء وصولاً للتعويض على المتضررين، مؤكداً أن "العدالة لا تتجزأ، ولا يجوز معالجة ملف السوريين من دون اللبنانيين في ظل الاكتظاظ في السجون وفشل السلطة في تلبية الحاجات الأساسية سواء على مستوى المأكل والمشرب والاستشفاء، إذ شهدنا وفيات عدة بسبب نقص العناية".
يشدد صبلوح على "ضرورة التغيير في النظرة، والتعامل مع نزلاء السجون على أنهم بشر، وهم ليسوا مجرد أرقام تفاوض السلطة بهم الخارج من أجل الحصول على مساعدات وهبات أوروبية وأميركية".
يعلم صبلوح أن ثمة عقبات كثيرة تواجه قانون العفو العام بفعل المعارضة ومحاولات بعض الكتل المفاوضة وزج بعض الإعفاءات ضمن القانون. من هنا، يقترح "إعداد مشروع قانون لمعالجة اكتظاظ السجون وخفض السنة السجنية وتحديد المؤبد والإعدام عن بعض الجرائم وترحيل السجناء الأجانب"، و"هو ما يسهم في حل مشكلة كبيرة في لبنان قابلة للانفجار، والعمل في المقابل على ترميم السجون لتحقيق أهدافها في الإصلاح والتأهيل وليس صناعة مزيد من المجرمين"، كاشفاً عن "وجود قناعة لدى وزارة الداخلية اللبنانية بضرورة إقرار قانون لحل ملف السجون الخطر".
ويتطرق المحامي صبلوح إلى ملف "سجناء الإرهاب" في لبنان، متحدثاً عن "لعب بعض الأجهزة التي كانت تتبع لنظام بشار الأسد وقوى الأمر الواقع، دوراً في اختلاق وفبركة الملفات التي ما لبث أن تثبت براءة المتهمين، كما هي الحال في حادثة إرهابي الكوستا حيث أطلق سراح الشاب بعد 10 أعوام من توقيفه أو حتى فبركة معلومات عن مخطط تفجير مطعم الساحة على طريق المطار"، مشيراً إلى "إحياء الخطر الداعشي في كل مرة تبرز مطالبات بالعمل المؤسساتي والمعايير القانونية".