ملخص
قال محللون ماليون لـ"اندبندنت عربية" إن تراجع السوق السعودية يعود لعوامل متعددة، أبرزها ضعف السيولة، وتأثير التوترات الجيوسياسية، والضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية
شهدت السوق المالية السعودية، التي تعد الأكبر والأكثر سيولة في منطقة الشرق الأوسط، أداء مفاجئاً ومخيباً للآمال منذ بداية العام الحالي، إذ تصدر مؤشرها الرئيس "تاسي" قائمة أسوأ الأسواق أداء بين دول مجموعة الـ20.
وهذا التراجع الحاد أثار تساؤلات جوهرية حول العوامل الكامنة وراء هذه الخسائر، وعلاقة ذلك بربط الريال السعودي بالدولار الأميركي، ودفع المستثمرين إلى التساؤل عما إذا كان هذا التراجع مجرد تصحيح فني موقت يمهد لفرص استثمارية واعدة، أم أنه يكشف عن تحديات هيكلية أعمق؟
قائمة المتراجعين عالمياً
وفقاً لإحصاء أعدته "اندبندنت عربية" استناداً إلى بيانات البورصات العالمية والخليجية، تصدرت السوق المالية السعودية قائمة "أسوأ الأسواق أداء" ضمن دول مجموعة الـ20 في عام 2025، وهذا الأداء غير المسبوق يتزامن مع انخفاض قيمة الريال المرتبط بالدولار الأميركي بنسبة 9.88 في المئة، ويأتي في وقت شهدت خلاله عدد من الأسواق العالمية، بخاصة الأسواق الناشئة، تعافياً تدريجياً.
وتصدر مؤشر البورصة السعودية الرئيس قائمة التراجعات عالمياً بنسبة 10.84 في المئة منذ بداية 2025 وحتى نهاية تعاملات أغسطس (آب) من العام الحالي، يليه مؤشر بورصة البحرين العام الذي هبط أيضاً بنسبة 2.84 في المئة.
في المقابل، حل مؤشر "هانغ سينغ" في المرتبة الأولى عالمياً بقائمة الارتفاعات بنسبة 27.79 في المئة، وجاء "داكس" الألماني في المرتبة الثانية محققاً مكاسب 19.36 في المئة منذ بداية العام، تلاه في المرتبة الثالثة مؤشر "سي أس آي 300" الصيني الذي ارتفع بنسبة 17.70 في المئة.
واحتل مؤشر سوق دبي المالي المرتبة الرابعة عالمياً من حيث المكاسب منذ بداية العام، متفوقاً على الأسهم الأميركية، إذ ارتفع 17.70 في المئة.
وحل في المرتبة الخامسة مؤشر بورصة الكويت الذي ارتفع 16.04 في المئة، ثم مؤشر "توبكس" سادساً الذي ارتفع بنسبة 11.57 في المئة.
وجاء سابعاً مؤشر "فوتسي 100" البريطاني مرتفعاً 11.23 في المئة، تلاه ثامناً مؤشر "ناسداك" الذي صعد 11.11 في المئة، يليه مؤشر "أس أند بي" في المرتبة التاسعة مرتفعاً بنسبة 9.84 في المئة.
وجاء في المرتبة الأخيرة، مؤشر "نيكاي" الياباني مرتفعاً بنسبة 8.68 في المئة، وصعد مؤشر "ستوكس 600" الأوروبي بنسبة 7.73 في المئة.
وارتفع مؤشر سوق أبوظبي بنسبة 7.17 في المئة، ومؤشر "داو جونز" بنسبة 7.05 في المئة، فيما صعد مؤشر بورصة قطر 6.20 في المئة، وارتفع مؤشر "كاك 40" الفرنسي بنسبة 4.19 في المئة.
هذا التباين يثير تساؤلات حول طبيعة العوامل التي أثرت في السوق السعودية، وهل كانت مرتبطة بعوامل داخلية أم خارجية أم مزيج من الأمرين؟
ما هي العوامل التي أسهمت في هذا التراجع؟
قال محللون ماليون لـ"اندبندنت عربية" إن تراجع السوق السعودية يعود لعوامل متعددة، أبرزها ضعف السيولة، وتأثير التوترات الجيوسياسية، والضغوط الناتجة من ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، إضافة إلى ربط الريال بالدولار الذي حرم السوق من ميزة تنافسية. وأوضحوا أن هذا التراجع قد يكون تصحيحاً فنياً، لكنه لا يخلو من وجود تحديات هيكلية، وأشاروا إلى أن هناك فرصاً استثمارية واعدة في بعض القطاعات، وأن التفاؤل بالمستقبل لا يزال قائماً.
ولفتوا إلى أن سيناريو التعافي الأكثر ترجيحاً قد يكون مزيجاً من الدعم الحكومي والتحسن التدريجي في الثقة.
وأوضح عضو الاتحاد السعودي والدولي للمحللين الفنيين عبدالله الجبلي، أن الضعف الواضح في السيولة والتوترات الجيوسياسية الممتدة في المنطقة من أهم العوامل التي أدت إلى تراجع السوق.
وأضاف الجبلي أن استمرار ارتفاع الفوائد يضغط على أداء الاقتصاديات العالمية بصورة عامة، وعلى السوق السعودية بصورة خاصة.
وفنياً أكد الجبلي أن المؤشر العام للسوق المالية السعودية لم يتمكن من الاستقرار فوق مستوى 11 ألف نقطة، وهو مرشح للبقاء في حال تذبذب بين 10500 و11 ألف نقطة، مع إمكان استمرار الضغط حتى مشارف 10 آلاف نقطة، وهو سيناريو لا تدعمه النتائج المجمعة للشركات.
ويرى أن اختراق مستوى 11 ألف نقطة قد يحدث إذا بدأ "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي بخفض الفوائد، وأوضح أن قطاع المواد الأساسية بدأ يظهر أخباراً إيجابية، وأن وصول أسعار بعض الشركات إلى مستويات مغرية بدأ يحفز من ارتفاع السيولة بصورة طفيفة، وهو ما يدل على أن السوق قد تكون قابلة لتغيير مسارها نحو الصعود.
عائد العملة
بدوره أوضح مستشار الأخطار لدى "سوسيتيه جنرال" نادر حداد أن أداء "تاسي" الأسوأ يعود لضعف أسعار النفط، وتشديد السيولة المحلية، وتباطؤ التداولات.
وأكد أن ربط الريال بالدولار حرم السوق من ميزة "عائد العملة" التي استفادت منها الأسواق الناشئة الأخرى، بينما أبقى على التشدد النقدي الذي يضغط على السيولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى حداد أن التراجع يمثل تصحيحاً دورياً نتيجة صدمة النفط والطروحات الكبيرة، مع وجود شبهات هيكلية تتعلق بتركيبة السوق، وبين أن السيولة في السوق السعودية أضعف من الأسواق الناشئة الكبرى، وأن السيناريو الأكثر ترجيحاً للتعافي هو تدخلات وسياسات حكومية داعمة.
زخم الاكتتابات
أكد رئيس إدارة الخدمات المصرفية الاستثمارية في "الأهلي المالية" زيد الغول أن زخم الاكتتابات الأولية ليس هو السبب وراء هبوط السوق، بل هو مجرد "تنقل للأصول" بين الأدوات الاستثمارية المختلفة.
وأشار إلى أن ضعف السيولة أخيراً يعود لعوامل خارجية أبرزها حال عدم اليقين الناتجة من تقلب أسعار النفط، والاضطرابات الجيوسياسية، وتوقعات أسعار الفائدة، والقلق من فرض رسوم جمركية جديدة. وأضاف أن نسبة مديري الصناديق الذين يعتقدون أن السوق مقومة بأقل من قيمتها ارتفعت بصورة ملاحظة، مما يعكس نظرة إيجابية متزايدة للمستقبل.
فرص ثمينة
ويرى المحلل المالي محمود عطا أن تصدر السوق السعودية قائمة الأسوأ لا يعني أن الاستثمار فيه غير مجز، بل قد يكون إشارة لفرص ثمينة في قطاعات عدة.
وأشار إلى أن ما يحدث قد يكون تهيئة لهيكلة تطويرية كبرى، أو إجراء استباقياً لتصحيح عالمي قادم، أو خروج لجهات محلية لأسباب مالية خاصة.
وأكد أن الاستثمار طويل الأجل هو الوسيلة الأنجع لتجاوز الأخطاء وتحقيق عوائد مجزية، معبراً عن تفاؤله بالمستقبل بفضل السعي الحكومي إلى نجاح مشاريع "رؤية 2030".
أكثر ترجيحاً
وأكد نائب رئيس مجلس إدارة "مباشر هولدنغ" للاستثمارات المالية إيهاب رشاد أن أداء السوق تأثرت بتقلب أسعار النفط، وسياسات النقد وتدفقات الاستثمار الأجنبي، وتباطؤ بعض القطاعات غير النفطية.
وأشار إلى أن ارتباط الريال بالدولار زاد من الضغوط، وحرم السوق من ميزة تقوية العملة التي استفادت منها أسواق ناشئة أخرى.
وأوضح أن التراجع يجمع بين التصحيح الفني والخلل الهيكلي المحتمل، وأن السيولة في السوق قوية، لكنها حساسة لأسعار النفط وتدفقات الاستثمار الخارجي. ويعتقد أن السيناريو الأكثر ترجيحاً للتعافي هو مزيج من الدعم الحكومي والتحسن التدريجي في الثقة، مما يعيد تدفقات الاستثمار للسوق.
انكشاف أسعار النفط
قالت المتخصصة المعتمدة لدى أكاديمية "كي ويلث" في الرياض مها سعيد إن السوق السعودية تتعرض لضغوط منذ بداية العام بسبب انكشافها على أسعار النفط العالمية، مما يؤثر في أسهم شركات الطاقة والبتروكيماويات ويقلص السيولة.
وأضافت أن السوق السعودية هي الأكثر انفتاحاً في المنطقة على الأسواق العالمية، والأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية، بالتالي فإن استمرار حرب الرسوم الجمركية دفع بعض المؤسسات الأجنبية إلى التزام الحذر والابتعاد، وهو ما ضغط على السوق.
ولفتت إلى أنه بينما قد تعوض السوق بعض خسائرها خلال الفترة المتبقية من العام الحالي، فمن الصعب أن تحقق أرباحاً ما لم تتحسن أسعار النفط لتتجاوز 70 دولاراً للبرميل، مشيرة إلى أن أسعار النفط منخفضة بنحو 11 في المئة منذ بداية العام، وأغلق خام "برنت" بنهاية الأسبوع الماضي عند 68 دولاراً للبرميل.