Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسيقى إياد الريماوي تنطلق من "الباربيكان" إلى آفاق أوسع

في الأسبوع الأول من سبتمبر المقبل يحط الفنان السوري رحاله في لندن لإحياء حفل ضمن مسارح أوروبية احتضنت فنه

قام إياد الريماوي بجولات في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة (فيسبوك)

ملخص

في لقائه مع "اندبندنت عربية" قال إياد الريماوي "ثقتنا في ثقافتنا وفي قدرتها على الوصول إلى أي جمهور في العالم تجعلنا قادرين على الانسجام مع العالم وقادرين على التواصل معهم والوصول إلى قلوبهم، بالفعل، علينا أن نحمل معنا إضافة إلى عباءة ثقافتنا عباءة إنسانيتنا التي ينبغي أن تأتي في المرتبة الأولى عند تعاملنا مع البشر".

بين أنغامه ثمة ما يشبه الذاكرة المعلّقة بين وجع الحرب ورغبة الحياة، موسيقى إياد الريماوي ليست مجرد ألحان تُعزف، بل سرديات كاملة تُحكى على وتر واحد، ثم تتفرع مثل شجرة، تتوزع بين الشرق والغرب، بين الحنين والأمل.

في الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول)، يحط الفنان السوري إياد الريماوي رحاله في لندن لإحياء حفل طال انتظاره، ضمن مسارح عالمية احتضنت موسيقاه من برلين إلى أوتريخت، وصولاً إلى قاعة الباربيكان العريقة، هناك، بعيداً من مدينته الأولى دمشق، التقيته لأفتح معه دفاتر الصوت والذاكرة.

بدأ الحديث من مكان لا يمكن تجاهله، من دمشق نفسها، المدينة التي تسكن في كل مقطوعة له كما لو كانت خيطاً سرياً يربط ماضيه بحاضره.

حين يتحدث إياد عن دمشق، كان واضحاً أن المدينة بالنسبة له ليست مجرد مكان، بل جزء لا ينفصل عن تكوينه، ويقول "دمشق بالنسبة لي هي مدينتي التي ولدت فيها وأمضيت فيها كل حياتي، ولم ولن أغادرها، هي جزء من تكويني وجزء مني، وعلاقتي بها تشبه علاقتي بأبي وأمي، وعلى المستوى الشخصي المباشر، حبي لها عضوي وفطري يشبه حب الابن لأهله، بغض النظر عن جمالها وتاريخها وعظمتها".

ومن دمشق، التي ولد فيها إياد عام 1973، انطلقت أولى خطواته الموسيقية، حيث بدأ العزف على الغيتار في سن الـ12 من عمره، وكتب أولى مقطوعاته وأغنياته الخاصة وهو في الـ14، ثم في عام 1995 أسس فرقة "كلنا سوا" التي فتحت له أبواب التجريب والإبداع وتركت بصمة في المشهد الموسيقي العربي وأسهمت في بلورة أسلوبه الفريد.

مع فرقة "كلنا سوا"، قام إياد بجولات في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، حيث نالت الفرقة جائزة السلام بعد أدائها في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

وحول البعد الأوسع لعلاقته بالمدينة، قال "هي أقدم عاصمة بالتاريخ وأقدم مدينة لا تزال مأهولة بالسكان في العالم، وإحدى أعظم مدنه، بالنسبة لمدينة مثل دمشق عمرها 10 آلاف عام، قد يصيبها التغير في مرحلة ما محدودة السنوات التي قد تشكل أعمارنا نحن، لكنه لا شيء يذكر أبداً بالنسبة لتاريخها، إذ إنها أكبر بكثير من أن تشعر أو تتأثر به، وبالتالي ستبقى دائماً متألقة وأكبر من كل ما يمر بها من أحداث ومحن وما يصيبها من كوارث".

الموسيقى وسيلة للشفاء

من هذا التعلق العاطفي العميق بالمدينة، انفتح الحوار على معنى أوسع وهو كيف يرى دور الموسيقى نفسها في مواجهة قسوة الحياة؟ هنا بدا صوته أكثر دفئاً، وقال "من المؤكد أن الموسيقى هي وسيلة حقيقية للشفاء، ولتقبل الحياة والتعامل معها ومع صعوباتها. لولا الفنون، وتحديداً الموسيقى، لكانت الحياة أصعب وأقسى بعشرات المرات".

وتابع الملحن السوري "أشعر أن الموسيقى هي من أكثر الفنون الشافية للإنسان لقدرتها على السمو بروحه وإخراجه من الهموم اليومية والضغوطات التي تحاصره في الحياة، وترفعه إلى مستوى مختلف، إذ تسمو بروحه وبأخلاقه وتجعله إنساناً أفضل".

وأوضح أن الأمر لا ينطبق على كل ما يُسمع "بالطبع، هناك أنواع من الموسيقى قادرة على القيام بذلك وليس كلها، فبعضها قد يكون هدفه الترفيه البحت أو أي غرض كان، لكنني أتحدث عن الموسيقى التي أحب صناعتها والاستماع إليها، وهذا النوع هو الذي يحسّن الإنسان ويجعل علاقته بالآخرين وبالحياة أفضل وأنقى وأكثر إيجابية".

الزمن في الموسيقى

ومن الحديث عن الأثر الشافي للفن، بدا لافتاً أن استكشف مع إياد علاقته بالزمن داخل مؤلفاته، وكان لا بد من التوقف عند عمل موسيقي حمل أكثر من أي عمل آخر بصمته الخاصة، وهو ألبومه الثالث "دمشق الآن" الصادر عام 2018، ففيه يتبدّى الإحساس بالزمن المتشظي، وكأن اللحظة الحاضرة تحمل في طياتها ذاكرة الماضي وقلق المستقبل، وبسؤاله عن كيفية التعامل كمؤلف مع هذه الطبقات الزمنية المتداخلة في عمل واحد، فأجاب "ليس فقط في هذا الألبوم، فكل الموسيقى التي أصنعها تنبع من منطلق شخصي، وكل الأعمال التي أكتبها هي شخصية جداً بالنسبة لي، ومتعلقة بي وبأشياء بداخلي بغض النظر عن المحرض الخارجي الآني أو اللحظي الذي يدفعني لتأليفها".

 

 

وأضاف "في نهاية المطاف هي نتاج لتجارب شخصية جداً ومباشرة خاصة بي، تظهر بشكل غير محسوب، فأنا لا أعير اهتماماً لما إذا كانت الجملة الموسيقية مرتبطة بالماضي أو المستقبل أو اللحظة الراهنة، موسيقاي هي انعكاس لآلاف الأشياء التي تدور بداخلي والتجارب التي عشتها والأفكار والأسئلة التي تدور في ذهني. في كثير من الأحيان، تقدم لي الموسيقى بشكل غير مباشر الكثير من الأجوبة على الأسئلة التي لا أستطيع أن أجد لها إجابات لفظية أو محكية، وهذا ما أسعى دائماً إلى تحقيقه من موسيقاي وأشعر أنها تقدمه لي".

نحو العالمية

حديثه عن موسيقاه كحصيلة لتجربة ذاتية محضة قادني إلى محطة أخرى في مسيرته، تلك التي أخرجته من الإطار المحلي والإقليمي لتضعه على الخريطة العالمية، ففي عام 2012، أصبح إياد الريماوي أول فنان عربي يوقع عقداً مع "سوني ميوزيك" الشرق الأوسط مع ألبومه الفردي الأول "حكايات من دمشق"، الذي جمع بعضاً من أفضل أعماله الموسيقية الرئيسية وأغانيه، وحقق الألبوم المرتبة الثانية على قائمة مبيعات متاجر "فيرجن" الشرق الأوسط.

وتحدث إياد عن مواجهة تحدي الحفاظ على هويته الشرقية الأصيلة، وفي الوقت نفسه مخاطبة جمهور عالمي بمقاييس مختلفة، إذ قال "هذا المزيج بين الموسيقى الشرقية والغربية في موسيقاي، هو مزيج طبيعي موجود بداخلي، خال من أي حسابات أو تخطيط، وهو تدفق طبيعي للمكونات والثقافات المختلطة في داخلي، والثقافة الشرقية هي ثقافتي التي أعيش في كنفها منذ طفولتي وأنا متشبع بموسيقاها، وفي الوقت نفسه أنا عشت في بيئة منفتحة على الثقافة الغربية بموسيقاها وعلى الموسيقى العالمية، وبالتالي هذه الموسيقى موجودة في داخلي مما جعل النتيجة مزيجاً حقيقياً وغير مصطنع".

وأضاف "لكنني أعتقد أن هذا الجانب كان المغري بالنسبة لشركة مثل ’سوني‘ كي تقدم هذه الأعمال وتنشرها بشكل عالمي، حيث رأت أن هذه الموسيقى عابرة للحدود والثقافات وتناسب المستمع في أي مكان في العالم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى جانب أعماله الفردية، تمتد خبرة إياد الموسيقية أيضاً إلى المجال الدرامي، فمنذ عام 2001، عندما أسس استوديو التسجيل الخاص به "استوديو الريماوي"، بدأ بتأليف وتوزيع وإنتاج الموسيقى لبعض أكبر المسلسلات التلفزيونية في العالم العربي، وكتب موسيقى تصويرية لعدة عروض مثل "الندم" و"العراب: نادي الشرق" و"ضبوا الشناتي" و"لو"، وكذلك "الغفران" و"مرايا"، وهي التي أوصلت فنه إلى طيف أوسع من الجمهور في العالم العربي، وأضافت بعداً درامياً وعاطفياً لتعبيره الموسيقي، وجعلت فنه أكثر قدرة على لمس المشاعر الإنسانية.

رحلته الطويلة من بداياته الجماعية إلى أعماله الفردية تظهر تطوراً واضحاً في قدرته على مزج اللحظة الشخصية بالذاكرة الجماعية، ما جعله مؤلفاً موسيقياً متفرداً ومرموقاً في المشهد الموسيقي، وفي عام 2016، أصدر إياد ألبومه الفردي الثاني "صمت في سوريا"، الذي وصل مباشرة إلى المرتبة الأولى على قائمة مبيعات متاجر "فيرجن" الشرق الأوسط، وبقي فيها لثلاثة أشهر متتالية، في حدث غير مسبوق في المشهد الموسيقي العربي.

بين الثقافة والإنسانية

ومع انتقال الحديث عن حفلاته العالمية في برلين وأوتريخت ولندن، أشار إلى أهمية دوره كموسيقي يمثل ثقافته بقوله "عندما يريد الفنان الانطلاق إلى العالم ومخاطبة الجمهور العالمي، من دون شك هو يحمل ثقافته معه وهي جزء منه لا يمكنه أن ينفصل عنها، لكن ينبغي عليه احترام ثقافة الآخرين والتماهي والانسجام والاندماج معها بشكل حقيقي".

وتابع إياد "بمعنى آخر، عليه الشعور بالانتماء للبشرية والإنسانية حتى يحس بواجبه تجاهها، وبالتالي حين نقدم حفلاً في أوروبا أو أي مدينة أخرى في العالم، يكون توجهنا هو الوصول إلى قلوب كل الجمهور بمختلف جنسياته وليس فقط من ثقافة أو جنسية معينة"، مضيفاً "ثقتنا في ثقافتنا وفي قدرتها على الوصول إلى أي جمهور في العالم تجعلنا قادرين على الانسجام مع العالم وقادرين على التواصل معهم والوصول إلى قلوبهم، بالفعل، علينا أن نحمل معنا إضافة إلى عباءة ثقافتنا عباءة إنسانيتنا التي ينبغي أن تأتي في المرتبة الأولى عند تعاملنا مع البشر".

الموسيقى كأداة مقاومة

عند سؤاله عن دور الموسيقى أثناء الحرب، وما إذا كان يعتبرها أداة للمقاومة أم وسيلة للهروب، أجاب إياد "الموسيقى بالتأكيد هي أداة مقاومة شخصية، إذ إنها تساعد الإنسان على القدرة على الاستمرار في حياته وخوض حروبه الشخصية وليس فقط الخارجية، حتى على المستوى اليومي وتفاصيل الحياة الصعبة التي قد تكون مضنية بالنسبة لأشخاص لا يواجهون حروباً حقيقية، والموسيقى قادرة على مساعدتهم وأن تكون منجاة لهم، وبالتالي هي أداة مقاومة بلا شك، لا يمكنني اعتبارها وسيلة هروب، لكنها بالطبع ملجأ، فالإنسان الذي يمتلك ملجأ أو بيتاً يحتمي فيه، لا يمكنني وصفه بالهارب، فهو ببساطة يلتجئ إلى مكانه الآمن".

 

 

وأوضح إياد رؤيته بالقول "تستطيع الموسيقى خلق مكان آمن يلتجئ إليه المرء ويقاوم من داخله صعوبات الحياة وخوض معاركه اليومية وتحمّل حتى حجم المشكلات والصراعات التي تحاوطه على جميع الصعد حتى السياسية والاقتصادية".

تحت أضواء الباربيكان

وعن وقوفه على مسرح الباربيكان في لندن قال: "هذه هي المرة الأولى التي أحيي فيها حفلاً في لندن، وهذا حدث هام ومناسبة خاصة بالنسبة لي، لأن لندن هي المكان الذي انطلق منه الكثير من الفنانين والموسيقيين والفرق الذين أحبهم من طفولتي وأثرت موسيقاهم في العالم بأكمله، مثل ’ذا بيتلز‘ و’بينك فلويد‘ والعديد من الأسماء المعروفة، وبالتأكيد وجودي في لندن ووقوفي على أحد أهم مسارح إنجلترا هو لحظة استحقاق بالنسبة لي".

وتابع "أطمح أن يستمتع الجمهور بالحفل، وقد حضرنا مفاجآت له، بما فيها حلول أسماء مهمة في عالم الموسيقى ضيوفاً على الأمسية وسنقدم تعاوناً فنياً للمرة الأولى على المسرح".

الأفق المفتوح

وفي نهاية الحوار، سألته عن رحلته الفنية وما إذا كان يعتبر أنه بلغ ذروة نتاجه أم أن الأفضل لم يأت بعد، فأجاب ببساطة "في المسيرة أو الرحلة الفنية، ليست هناك نقطة ذروة أو أوج، والقادم دائماً هو الأجمل والأفضل، هذا هو المسعى الذي يجب أن يكون عند أي فنان أو موسيقي صادق بطموحاته ومسيرته، وهذا هو شعوري الدائم وما أتمنى أن تكون الحال عليه".

هكذا بدا واضحاً أن إياد الريماوي ينظر إلى الموسيقى بوصفها رفيقة درب أكثر منها محطة وصول، وهي فضاؤه الرحب الذي لا تحده الجغرافيا، ولا يقف عند إنجاز بعينه، بل يظل مفتوحاً على ما لم يُكتَب بعد، بين ما تحقق حتى الآن وما ينتظره في القادم.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون