ملخص
عاد ملف الاحتياطات الأجنبية ليتصدر المشهد الاقتصادي العراقي، حيث تتباين التقديرات والتحذيرات بين من يرى أن التراجع في حجم هذه الاحتياطات قد يمثل تهديداً جدياً على المدى المتوسط، ومن يعتقد أن العراق لا يزال يمتلك غطاءً نقدياً مريحاً يحمي الدينار ويضمن استقرار السوق.
في بلد يعتمد اقتصاده بصورة أساسية على العوائد النفطية، تبرز سياسات البنك المركزي العراقي كخط الدفاع الأول عن الاستقرار النقدي والمالي، فمنذ أعوام طويلة، مثّل البنك المركزي صمام الأمان للاقتصاد العراقي عبر تبني سياسات حذرة تراعي حساسية السوق المحلية وتقلّبات أسواق الطاقة العالمية، وفي ظل ما يشهده العالم من تقلبات مالية واقتصادية متسارعة، عاد ملف الاحتياطات الأجنبية ليتصدر المشهد الاقتصادي العراقي، حيث تتباين التقديرات والتحذيرات بين من يرى أن التراجع في حجم هذه الاحتياطات قد يمثل تهديداً جدياً على المدى المتوسط، ومن يعتقد أن العراق لا يزال يمتلك غطاءً نقدياً مريحاً يحمي الدينار ويضمن استقرار السوق.
لقد أظهر البنك المركزي العراقي، بقيادة إدارته الحالية، قدرة عالية على إدارة التوازن بين تثبيت سعر صرف الدينار والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطات الأجنبية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على معدلات التضخم التي بقيت دون الثلاثة في المئة، أي ضمن الحدود الطبيعية التي لا تشكل تهديداً على معيشة المواطن أو على استقرار السوق، كما أن الاستمرار في تثبيت السعر الرسمي عند 1320 ديناراً مقابل الدولار، مع التحكم الواضح في نافذة بيع العملة، أسهم في الحد من المضاربات وطمأنة الأسواق المحلية والدولية على حد سواء.
قراءة في أرقام حساسة
المتخصص الاقتصادي منار العبيدي حذّر، في تصريح حديث، من استمرار التراجع في الاحتياطات الأجنبية للعراق، مشيراً إلى أن هذا التراجع إذا ما استمر بوتيرته الحالية "قد يمثل تهديداً حقيقياً على الاستقرار النقدي". وأوضح العبيدي أن العراق كان قد بلغ مستوى احتياطياً مريحاً سجل نحو 120 مليار دولار منتصف عام 2023، لكنه تراجع إلى حدود 92 مليار دولار بحلول يونيو (حزيران) 2025، أي بخسارة تقارب المليار دولار شهرياً.
ولفت العبيدي إلى أن استمرار الكتلة النقدية عند مستوى 100 تريليون دينار مقابل تراجع الغطاء الأجنبي قد يوسع الفجوة بين النقد المصدر والاحتياطات، مما قد يقود إلى ارتفاع التضخم وزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات.
ومع ذلك، شدد العبيدي على أن الأمر لا يزال قابلاً للمعالجة، داعياً الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً عبر خفض الإنفاق العام غير المنتج وتنشيط ملف الصادرات وتقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد.
طمأنة حكومية
في مقابل هذه التحذيرات، أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، أن العراق لا يزال في وضع مريح للغاية، وأن الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي تمثل السند الرئيس للعملة الوطنية، وأشار إلى أن العراق يمتلك قدرة استثنائية على تغطية الاستيراد تصل إلى 12 شهراً، في حين أن المعيار العالمي هو ثلاثة أشهر فقط.
وأوضح صالح أن هذه الاحتياطات تدار ضمن محفظة استثمارية متنوعة وفق أعلى معايير الكفاءة المصرفية العالمية، ما يضمن سلامة إدارتها واستدامتها، مؤكداً أن البنك المركزي يسيطر بصورة كبيرة على سوق العملة الأجنبية من خلال سياسة سعر الصرف الثابت، وهو ما ساعد على إبقاء التضخم السنوي ضمن حدود ثلاثة في المئة فقط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التصنيف الائتماني.. شهادة ثقة دولية
لم يقتصر المشهد على التصريحات المحلية، بل جاء تقرير وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني ليعزز الثقة الدولية بالاقتصاد العراقي، حيث حافظ العراق على تصنيفه عند B-/B مع نظرة مستقبلية مستقرة.
التقرير اعتبر أن الاستقرار الاقتصادي يستند بالدرجة الأساس إلى الإيرادات النفطية المتنامية، لكنه أشار أيضاً إلى أن الحكومة العراقية تواصل العمل على إدارة الدين العام وتعزيز الاحتياطات الأجنبية بصورة منتظمة.
هذا التصنيف يعكس، بحسب اقتصاديين، أن المجتمع المالي الدولي لا يزال يرى في العراق اقتصاداً قادراً على الوفاء بالتزاماته، خصوصاً مع ثبات سعر الصرف وتحسن المؤشرات المالية نسبياً.
مرونة السياسة النقدية
يرى المتخصص الاقتصادي علي الجبوري أن "السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي أثبتت مرونة عالية في التعامل مع الضغوط الخارجية، حيث نجح في السيطرة على سوق الصرف بصورة واضحة، ومنع أي انهيارات في قيمة الدينار على رغم الضغوط على ميزان المدفوعات".
بينما اعتبر المحلل المالي سيف الدين العبيدي أن "الاحتياطات الأجنبية مهما شهدت من تراجع، فهي لا تزال عند مستويات آمنة، خصوصاً إذا ما قورنت بالمتطلبات الحقيقية لتغطية الواردات"، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة "إعادة النظر في السياسة المالية الحكومية من خلال تقليص الإنفاق الاستهلاكي وزيادة الاستثمارات المنتجة لتخفيف الضغط عن البنك المركزي".
من جانبه، أشار الباحث الاقتصادي محمد العزاوي إلى أن "السياسات النقدية المنضبطة هي التي منعت الاقتصاد العراقي من الدخول في دوامة تضخمية، إذ إن بقاء التضخم عند حدود ثلاثة في المئة يعد إنجازاً مهماً في ظل التحديات العالمية والإقليمية"، مؤكداً أن "العراق لا يزال يتمتع بغطاء أجنبي قوي، لكن المشكلة تكمن في بنية الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط".
جهود حكومية لتعزيز الثقة
وفي خطوة مهمة، وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتشكيل فريق وطني لتحسين التصنيف الائتماني للعراق، برئاسة محافظ البنك المركزي وعضوية ممثلين عن الوزارات والمؤسسات الاقتصادية، وسيعمل الفريق على إعداد إستراتيجية متكاملة للتواصل مع وكالات التصنيف العالمية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، بما يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية وتنويع مصادر الدخل.
على رغم تباين المواقف بين من يحذر من تراجع الاحتياطات ومن يطمئن إلى متانتها، فإن المؤكد أن البنك المركزي العراقي نجح حتى الآن في الحفاظ على الاستقرار النقدي وسط تحديات داخلية وخارجية معقدة، لكن التحدي الحقيقي لا يقتصر على السياسة النقدية وحدها، بل يكمن في الإصلاح المالي والاقتصادي الشامل الذي يقلل من الاعتماد على النفط، ويمنح العراق قاعدة إنتاجية وصادرات متنوعة، لتكون الاحتياطات الأجنبية أداة دعم إضافية وليست السند الوحيد للاقتصاد.