ملخص
الدقائق الأولى من النهار أو الأخيرة من المساء، حين يلامس ضوء الشمس الخفيف العين والجسم فإنه يؤثر في توازننا الداخلي بصورة مدهشة
لم تعد الشمس مجرد خلفية صباحية يستقبلها الإنسان دون اكتراث، بل تحولت في الأعوام الأخيرة إلى محور اهتمام كثير من الأبحاث العلمية التي تؤكد أن ضوءها الطبيعي، في لحظات الشروق أو الغروب تحديداً، يحمل فوائد صحية تتجاوز المتعارف عليه.
الحديث هنا ليس عن شمس الظهيرة الحارقة ولا عن التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية، بل عن الدقائق الأولى من النهار أو الأخيرة من المساء، حيث يلامس الضوء الخفيف العين والجسم ويؤثر في توازننا الداخلي بصورة مدهشة.
عالم الأعصاب الأميركي أندرو هوبيرمان، الباحث في جامعة ستانفورد وله أبحاث مرموقة في مجال علم الدماغ والسلوك، كان من أبرز من سلطوا الضوء على هذه الفكرة، إذ يؤكد هوبيرمان أن التعرّض اليومي للشمس عند الشروق، حتى لدقائق معدودة، يعمل كمنبّه بيولوجي طبيعي يعيد ضبط «الساعة الداخلية» للجسم، تلك الساعة، أو ما يُعرف بالساعة البيولوجية، هي التي تحدد مواعيد النوم والاستيقاظ، وتتحكم في إيقاع الهرمونات الأساسية التي تمنحنا النشاط نهاراً والراحة ليلاً.
أبحاث عدة دعمت هذا الطرح، ففي دراسة حديثة نُشرت في مجلة "نيتشر للصحة النفسية" (Nature Mental Health) عام 2023، وشملت أكثر من 85 ألف شخص، تبيّن أن الذين يتعرضون لضوء النهار بانتظام يتمتعون بصحة نفسية أفضل، ونوم أعمق، ومستويات أقل من التوتر مقارنة بغيرهم.
الضوء الصباحي يحفّز إفراز الكورتيزول في وقته الطبيعي، وهو الهرمون المسؤول عن اليقظة وتنشيط جهاز المناعة، كما يعزز إفراز السيروتونين الذي يلعب دوراً محورياً في تحسين المزاج، وهذا يفسر شعور كثيرين بمزيد من الهدوء والتفاؤل بعد قضاء بضع دقائق في الهواء الطلق مع أول خيوط النهار.
النوم يتحسن مع شمس الصباح
لا تقتصر الفوائد على الصحة النفسية وحسب، إذ يساعد ضوء الشمس في الساعات الأولى الجسم على إنتاج فيتامين (د) الضروري لصحة العظام والمناعة، كما يحفّز إطلاق مركبات مثل أكسيد النيتريك توسّع الأوعية الدموية وتدعم صحة القلب، وأشارت دراسات إلى أن أشعة الصباح، بخلاف أشعة الظهيرة القاسية، تحفّز إفراز الإندورفينات، وهي مواد كيماوية طبيعية تشبه في تأثيرها المسكّنات، مما يسهم في تخفيف الألم وتعزيز الشعور بالراحة.
أما عند الغروب، فللأمر وجه آخر لا يقل أهمية، إذ إن التعرض للضوء الخافت في تلك اللحظات يمهّد الجسم للانتقال نحو الليل، هذه الإشارة البصرية تنبه الدماغ إلى أن وقت الراحة قد حان، وتساعد على مواجهة الآثار السلبية للضوء الصناعي الناتج من الشاشات والإنارة المنزلية، ويشير هوبيرمان إلى أن مشاهدة الغروب لبضع دقائق قادرة على تثبيت إيقاع الساعة البيولوجية ومنع اضطرابات النوم التي أصبحت شائعة في عالمنا المكتظ بالأجهزة الإلكترونية.
واللافت أن هذه التوصيات لا تتطلب جهداً كبيراً، فخمس إلى 10 دقائق من التعرض للشمس في صباحٍ مشرق تكفي لتفعيل هذه الآليات الحيوية، بينما قد يحتاج المرء إلى نحو 20 دقيقة في الأيام الغائمة، ولا يشترط أن يكون التعرض مباشراً للحرارة أو للأشعة فوق البنفسجية القوية، إذ يكفي قضاء بضع دقائق في الهواء الطلق مشياً أو وقوفاً دون حواجز زجاجية أو نظارات قاتمة تمنع وصول الضوء الطبيعي إلى العين، وتشير تقارير طبية، من بينها ما نشرته كليفلاند كلينك، إلى أن التعرض القصير والمنظم للشمس في الصباح لا يقتصر على تحسين النوم والمزاج فقط، بل يسهم كذلك في تعزيز المناعة وتنظيم الساعة البيولوجية.
اعتدال لا إفراط
يحذّر الباحثون مع ذلك من الخلط بين الفوائد والإفراط، فالتعرض المباشر والمطوّل لأشعة الشمس في منتصف النهار قد يزيد خطر الإصابة بسرطان الجلد أو الشيخوخة المبكرة للبشرة، لكن التوازن هو المفتاح، إذ إن التعرض القصير والمنظم عند الفجر أو الغروب يتيح جني الفوائد دون التعرض للأخطار، وحتى النساء الحوامل والأطفال يستطيعون الاستفادة من هذه العادة، شرط الالتزام بالاعتدال ومراعاة التعليمات الصحية.
النتائج العملية لهذه الممارسة تتجاوز تحسين النوم والمزاج، فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الطلاب الذين يحرصون على قضاء وقت قصير في ضوء النهار المبكر يحققون نتائج أكاديمية أفضل بفضل تحسّن التركيز واليقظة، وأظهرت أبحاث في علم الأعصاب أن الضوء الصباحي يعزّز قدرات الدماغ على التعلم والتكيف، مما يعني أن ممارسة هذه العادة قد تكون أداة بسيطة لتحسين الأداء العقلي والإنتاجية.
بكل بساطة، يمكن القول إن دقائق قليلة من شروق الشمس أو غروبها تكفي لإعادة التوازن إلى أجسامنا وعقولنا، في زمن طغى فيه الضوء الصناعي وغيّب عنا الإيقاع الطبيعي للحياة، إنها عادة بسيطة لا تتطلب سوى الخروج يومياً لبضع دقائق والنظر إلى الأفق، لكنها وصفة طبيعية ومجانية تعيد للشمس دورها كعلاج قديم بلمسة عصرية.