ملخص
صدرت حديثاً ترجمة عربية لكتاب ساري حنفي "ضد الليبرالية الرمزية، دعوة إلى علم اجتماع تحاوري"، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت، وقد أنجزها عن الإنجليزية ياسر الزيات (2025). في هذا الكتاب يوجه حنفي سهام النقد نحو "أيديولوجيا العصر" التي يطلق عليها تسمية "الليبرالية الرمزية"، أي تلك الليبرالية الكلاسيكية من حيث المبادئ، لكنها غير ليبرالية سياسياً في الممارسة.
يشهر أتباع هذه الليبيرالية مبادئ" لا يلتزمون بها" ويسعون إلى فرض تصور واحد للخير والعدالة على حساب التعددية، "من خلال دراسات حالة تمثل الجزء الأكبر والأدسم من الكتاب"، على ما يكتب عالم الاجتماع البريطاني ورئيس الجمعية الدولية لعلم الاجتماع ومؤلف "علم الاجتماع العمومي: اليوتوبيا ومناهضة اليوتوبيا"، مايكل بوراووي في تمهيده الرصين للكتاب، الذي وضعه قبل وفاته المؤسفة بحادثة سيارة بالقرب من بيركلي عن عمر يناهز 78 سنة.
ومصطلح "الليبرالية الرمزية" يشير عند حنفي، وهو أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، ومدير مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية، ورئيس برنامج الدراسات الإسلامية فيها إلى واحد من "أمراض الحداثة المتأخرة" أو "الحداثة الفائقة"، بحسب تعبير جيل ليبوفتسكي، أو "ما بعد الحداثة" التي تدعي الليبرالية لكنها تتصرف على عكسها. كأن يدافع مثلاً أنصار هذه الليبرالية عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنهم يكتبون عن أهمية الاستعمار، أو يتحدثون عن ضرورة الحرية الأكاديمية، لكنهم يرفضونها عندما يتعلق الأمر بتعبير زملاء لهم عن رأيهم المخالف والمدافع على سبيل المثال لا الحصر عن القضية الفلسطينية وشجبهم للإبادة الجماعية والمجاعة التي تحصل اليوم في غزة.
وهذا ما نشهده في عدد من كبريات الجامعات ومراكز الأبحاث والصحف الأوروبية والأميركية، أو أولئك الذي يتشدقون بالعلمانية وحقوق الإنسان ومفهوم الخير العام، لكنهم يشجبون حرية المعتقد إن عبر أحد الطلاب عن إيمانه الإسلامي في المدارس الفرنسية، ناهيك بالمسائل المرتبطة بمفهوم العدل الاجتماعي والمساواة والجندرية والعنصرية والتعصب، التي بدأت تجد لها مكاناً في مجتمعات عدة، بما فيها الجامعات والمعاهد ووسائل الإعلام والمجالس السياسية، التي يفترض أن تكون المكان الذي يتسع لجميع الآراء والنقاشات الفكرية وتطوير المعرفة النقدية بعيداً من الدغمائية، لكنها أمست في الواقع المكان المفضل لعدم تطابق المبادئ المعلنة مع الممارسة التي تتجاهل مثلاً إمكان التوصل إلى مفهوم موحد للعدالة أو للخير بدل فرض مفهوم مهيمن ومشوه ومنزوع الثقافة.
ويرى حنفي أن هذا النمط من الليبرالية يغذي الانقسامات المجتمعية وثقافة الإلغاء، مما يؤدي إلى كمّ الأصوات المختلفة وخلق مناخ من الخوف، فيتأمل في الكيفية التي يعيد فيها علماء الاجتماع إنتاج المظالم نفسها التي يسعون إلى مواجهتها، من خلال تبني مواقف متصلبة وتهميش وجهات النظر البديلة.
بينن المبدأ والممارسة
يتساءل الكتاب عن سبب هذه الفجوة والتناقض بين المبدأ والممارسة، أو ما يمكن وصفه بالالتزام الشعاراتي بقيم الديمقراطية والحرية والمساواة والأخوة بينما يحكم المدعون الدفاع عن هذه القيم سيطرتهم على مواطنيهم أو زملائهم، منكرين عليهم حق التعبير عن فكرهم ومصالحهم، مظهراً أن هذا التناقض قد فاقم من أمراض الحداثة المتأخرة، بحيث زاد الاستبداد والتدمير البيئي وتعمقت الهشاشة الاقتصادية في مناخ أصبح فيه النقاش العقلاني شبه مستحيل.
بغية التفكر في هذه المسألة، لا يتردد حنفي في استلهام أعمال فلاسفة كبار من أمثال الأميركي جون رولز منظر ومؤسس الليبرالية الاجتماعية ومفهوم "العدل كإنصاف"، والألماني يورغن هابرماس ونظريته في "الفعل التواصلي" التي تستبدل نموذج معرفة الأشياء بنموذج الوفاق بين الذوات القادرة على الكلام والعمل معاً، والفرنسي إميل دركهايم ونظريته في التضامن الاجتماعي وغيرهم من المفكرين في مجال الفلسفة الأخلاقية وعلم الاجتماع، داعياً إلى التزام ليبرالية حقيقية، منتقداً كيف تضخم الليبرالية الرمزية من كونية الحقوق بينما تضيق في الوقت نفسه مساحة الحوار، مقترحاً عوضاً عن هذا الموقف الأيديولوجي الجامد خلق مجال عام تتفاعل فيه "مختلف الفئات الثقافية والسياسية من خلال دفع تصوراتها المختلفة في شأن مفاهيم العدل والخير المشترك إلى طاولة الحوار" التي تفتح أفقاً لتبادل الآراء، إذ تتواجه التصورات المتعددة عن "الخير المشترك" في محاورة حقيقية.
ولكن كيف يكون هذا الحوار؟ هذا ما سيكتشفه القارئ في هذا الكتاب الذي تتأصل أطروحته في الواقع المعيش الذي اختبره المؤلف في المجتمع العربي الذي ولد ونشأ فيه، والذي اتسم "بانكفاء الليبرالية الحقيقية وغياب النقاش العام وتهميش العلوم الاجتماعية بوصفها وريثة حقبة الاستعمار"، فضلاً عن دراساته ومشاريعه البحثية التي كثيراً ما دعت إلى علم اجتماع عالمي تحاوري مرتبط بالفلسفة الأخلاقية، ومتابعته ما يجري في العالم على مستوى ظاهرة الاستقطاب المجتمعي المتزايدة ليس فقط في دول الشمال، بل في كل المجتمعات، وما تخلفه من انعكاسات مباشرة على الحريات الإنسانية. والاستقطاب المجتمعي يعني انقسام المجتمع إلى فئات أو جماعات متعارضة بصورة حادة، بحيث يصبح كل طرف متمسكاً بموقفه أو هويته أو مصالحه إلى درجة تمنع إيجاد أرضية مشتركة للحوار أو التفاهم.
التفاعل الديناميكي
يتميز هذا الكتاب باستناده إلى مجموعة من المصادر والمراجع العلمية الدقيقة العربية والأجنبية، وبثبت المصطلحات المترجمة عن الإنجليزية، وقد شاءه المؤلف في قسمين مهد لهما بمقدمة استعرضت، إلى جانب المنهجية المتبعة في الدراسة التي تبنت مقاربة السوسيولوجي السلوفيني الأمبيريقية بوروت رونتشيفيتش القائمة على التفاعل الديناميكي بين الثقافة والسياسة والاقتصاد، دراسة "ثلاثة أمراض صارخة للحداثة المتأخرة" وعلى رأسها "السلطوية والشعبوية وصعود اليمين" و"اللامساواة والهشاشة المهنية والتهميش"، و"التخريب البيئي" الذي تتفاقم بحسبه "وسط مناخ سياسي" مسؤول عن هذه الأمراض"، تتنازعه، من جهة الفردانية النيوليبرالية واتساع دور المال والاقتصاد ومنطق السوق في قيادة الدول، ومن جهة أخرى الرأسمالية العاطفية، أي "اختراق العلاقات الرأسمالية لمجال الأفراد الخاص الذي تحدثت عنه عالمة الاجتماع إيڤا إيللوز.
في الفصول الثلاثة الأولى التي تؤلف متن القسم الأول من الكتاب يتأمل حنفي في مفهوم الليبرالية الكلاسيكية القائم على الإيمان بالنزعة الفردية وحرية الفكر والمعتقد والتعبير والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقه بالحياة والمساواة أمام القانون، ثم يتناول الأقنعة المختلفة التي ارتدتها هذه الليبرالية في مسارها التاريخي حتى الوصول إلى التشوهات التي أصابتها اليوم "نتيجة تقلص مفهوم العدل الاجتماعي وتضخيم مفهوم الحقوق الكونية والسعي إلى فرض تصور وحيد لمفهوم الخير"، متناولاً مشروع الليبرالية التحاورية الذي يفنده في الفصل الثالث من هذا القسم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما القسم الثاني الواقع في سبعة فصول، فيعالج أربعة مواضيع أساسية قوامها دراسة تناول الليبراليين الرمزيين لهذه المواضيع وطرقهم العوجاء في مقاربتها، وهي على التوالي "التعصب المجتمعي" وعلاقته بالحريات الأكاديمية، انطلاقاً من القضية الفلسطينية والعلمانية والدين في فرنسا وإيران ومسألة الهوية الجندرية والمناهج الدراسية وتقويض مرجعية الأسرة وتدخل الدولة في الحياة الأسرية وانتزاع الأطفال من ذويهم باسم مبادئ وأفكار، إلخ.، شارحاً كيفية تقويمها.
هذه المواضيع العالمية الراهنة والمثيرة للجدل يقاربها المؤلف بتمكن ودقة علمية واضحة متكئاً على الإحصاءات، عارضاً أمثلة من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والسويد توضح مدى انتشار هذه الظواهر داخل أنظمة تفاخر بالحريات المجتمعية والسياسية والأكاديمية، لكنها تعمل فعلياً على انقسام المجتمع. ففي الجامعات الأميركية مثلاً، شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في حملات الضغط لإقالة أساتذة أو منع محاضرين من إلقاء كلماتهم أو نشر كتبهم، فقط لتعبيرهم عن آراء لا يتفق معها الليبراليون الرمزيون. وفي فرنسا، يتجسد الاستقطاب في السجال بين الداعين إلى تفكيك الإرث الكولونيالي وبين خصومهم الذين يصنفون هذه الدراسات باعتبارها "علوماً زائفة". يبلغ الكتاب ذروته عند تناوله الحرب على غزة، إذ يكشف حنفي كيف فضحت هذه الحرب حدود الحرية الأكاديمية في الغرب، وأظهرت تحيزاً صارخاً في الخطاب الإعلامي والسياسي والأكاديمي المؤيد لإسرائيل، مرجعاً ذلك إلى أربعة عوامل رئيسة: استغلال ذكرى المحرقة ومعاداة السامية، والصورة المزيفة لإسرائيل كدولة علمانية ديمقراطية، والإسلاموفوبيا وما تخلفه من تشويه لصورة المقاومة الفلسطينية، وأخيراً الإرث الاستعماري الغربي.
الحرية والحوار
الليبرالية الرمزية واستقطابها المجتمعي ليسا إذاً مجرد خلاف فكري، بل هما "مشكلة فائقة" ومعقدة "تقوض" المجتمعات وتعوق "نشوء مجال للخير المشترك والثقافة المشتركة". ولعل الحفاظ على الحرية الأكاديمية مثلاً يتطلب إعادة الاعتبار للحوار، والانفتاح على تعددية المفاهيم الأخلاقية والسياسية، بدل الانجرار إلى ثقافة الإقصاء أو الخضوع لرقابة إدارية أو أيديولوجية أو الاصطفاف في مجموعات تضعف التضامن وتزيد من احتمالات النزاع أو تعطيل العمل المشترك ومعاداة النقاش بسبب اضمحلال الاستقلال الذاتي، فضلاً عما يسميه حنفي "عقيدة الإفراط في السلامة".
بالمقابل، يدافع ساري حنفي عن القيم السوسيولوجية المتصلة بالحياة اليومية في بعدها الثقافي، مشدداً على أن "الناس مشدودون بصورة كبيرة إلى الدين والأسرة والمجتمع، وكذلك إلى الحرية الفردية والمساواة". غير أنه يعترف أن هذه القيم لا يمكن أن تتعايش من غير تسويات وتآزر الجميع والقبول بتصورات متعددة للخير وللعدل الاجتماعي، وعدم استبعاد كل من لا يتفق مع الرؤية الاجتماعية الحوارية التي يدافع عنها، انطلاقاً من ’أخلاق دنيا‘، تلك التي تحدث عنها السوسيولوجي البلجيكي المقيم في البرازيل فردريك فاندنبيرغ، تشكل قاعدة انطلاق أخلاقية "تحدد المبادئ الأساسية (الديمقراطية، التحاور، النقاش)، بما يسمح بصوغ القواعد الأكثر أهمية لمجتمع منظم بصورة معقولة [وليس "عقلانية"]، بما يجعل الحياة الاجتماعية ممكنة".
يمتاز كتاب ساري حنفي بكونه لا يكتفي بحدود التنظير وتشخيص أزمات العصر، وعلى رأسها الليبرالية الرمزية والاستقطاب المجتمعي والنقد السوسيولوجي، بل يتقدم خطوة أبعد عبر اقتراح آليات وأفكار عملية تسهم في مقاربة هذه الإشكالات المعقدة. ومن خلال معالجة رصينة، يقدم هذا العمل إضافة واضحة إلى حقل الدراسات السوسيولوجية الممهورة بتوقيع باحث وأكاديمي عربي، إذ يفتح أمام القارئ فضاء رحباً للتفكير، ويعرفه على شبكة واسعة من المفكرين وعلماء الاجتماع الذين يشكلون مراجع أساسية في النقاش الراهن.
تكمن قيمة كتاب "ضد الليبرالية الرمزية، دعوة إلى علم اجتماع تحاوري"، في عمقه وغناه المعرفي ورسمه مساراً للمضي قدماً في زمن أصبحت فيه الحاجة إلى التبادل الفكري أشد إلحاحاً من ذي قبل، مما يجعله مرجعاً ضرورياً للباحثين والمهتمين بالقضايا الاجتماعية المعاصرة. وتزداد أهميته بفضل ترجمته العربية التي أنجزها الصحافي واللغوي السوري ياسر الزيات، إذ نجح في الجمع بين الدقة العلمية والسبك الأدبي المتين، مانحاً نص ساري حنفي حياة جديدة في لغة الضاد من دون أن يفقد صدى نبرته الأصلية الإنجليزية الصادرة عن منشورات ليفربول الجامعية في المملكة المتحدة.