ملخص
بدا روبنز وكأنه تجاوز نفسه فنياً عبر نحو 20 لوحة أنجزها لحساب القصر الملكي الفرنسي مصوراً فيها فصولاً من حياة ماريا دي مديتشي لتعلق في قصر لوكسمبورغ.
في تلك المرحلة من حياته، بين عامي 1615 – 1616 لم يكن الرسام بيتر بول روبنز قد جاوز بعد الـ35 سنة من عمره، ولم يكن لا هو ولا الغالبية الساحقة من الأوروبيين قد زاروا الشرق الآسيوي أو الجنوب الأفريقي أو رأوا مقاتلاً عربياً أو حظوا بالتفرج على واحد من تلك الحيوانات المفترسة التي باتت زيارتها اليوم لعبة أطفال.
كان كل ذلك بالنسبة إليهم مجرد اعتماد على الخيال وقراءة لنصوص رحالة نادرين كان غالب ما يكتبون عنه، على أية حال، من إبداع خيالهم الخصيب. ومع ذلك طلب الأمير الناخب الألماني ماكسيميليان أوف بافاريا من الفنان الشاب الذي كان التحق للعمل رساماً في قصور تلك البلاد، أن يرسم له أربع لوحات تمثل مشاهد صيد غرائبية رغم "واقعيتها"، لتزين واحداً من قصوره.
وبالطبع لم يكن أمام روبنز إلا أن يشغل خياله بأقصى طاقاته ولكن معتمداً في ذلك، على جولات يقوم بها في حدائق الحيوان الأميرية حيث كانت هناك نماذج من حيوانات ضارية حقيقية، راح يراقب تصرفاتها يوماً بعد يوم وفي حالات لها متعددة ويحقق إسكتشات عديدة تصور مختلف تلك الحالات، وكانت النتيجة مجموعة من لوحات أقل ما يمكن أن نقول عنها اليوم إنها مدهشة وغارقة في واقعية بالكاد تصدق، إلى درجة أنها أحدثت ثورة حقيقية في نوع من رسم رحلات الصيد، بدلت جذرياً من هذا الفن الذي رغم أنه كان ذا وجود في السابق، فإن اللوحات المعبرة عنه كانت تعد خطية تزيينية إما تعظم الإنسان كمصارع، أو تبالغ في تصوير عظمة الحيوان وجبروته. مع بيتر بول روبنز (1577 – 1640) تغير النوع جذرياً كما سنرى.
كأننا أمام فيلم رعب
ولعله يكفينا هنا أن نتوقف عند واحدة من تلك اللوحة، وهي الأشهر على أية حال، وربما الأكثر إثارة لاهتمام القارئ العربي من منظور أن المشهد الذي تقدمه، وفي بعد أساسي من أبعاده كما سنرى، يبدو مشهداً عربياً. أما هنا فلا بد من التمهيد للحديث عن هذه اللوحة وعنوانها المتعارف عليه هو "صيد الخرتيت والتمساح" بذكر أنها الوحيدة التي ستبقى للقصر البافاري الذي رسمت أصلاً لتعلق فيه، قصر "شليخهايم" في ميونيخ حيث هي معلقة اليوم يفتخر متحف المدينة بكونها واحدة من تحفه الكبرى بمقياسها الذي يصل إلى أكثر من 320 سم عرضاً ونحو 250 سم ارتفاعاً.
والحقيقة أن اللوحة لا تحدث صدمة لمن ينظر إليها من منطلق ذلك الحجم الذي يجعل الشخصيات، وكأننا أمام فيلم سينمائي، بالحجم الطبيعي، بل من مظهرها الذي يبديها وكأنها لقطة سينمائية عامة على شاشة عريضة. أما بالنسبة إلى العربي الناظر إليها، فإن الدهشة تنبع من إدراكه على الفور أن ثلاثاً من الشخصيات البشرية الخمس التي تشغلها، شخصيات عربية الملامح والملابس من دون أدنى ريب إضافة إلى كون الشخصيتين الأخريين عربيتين أيضاً على الأرجح.
وليس هذا فحسب، بل إن خلفية المكان الذي يحدث فيه القتال بين البشر والحيوانات شرقية السمات تماماً ما يقترح علينا أن الصيد الذي هو موضوع اللوحة قد يكون الشمال الأفريقي مسرحه حتى وإن كنا نعرف أن روبنز لم يزر الشمال الأفريقي في حياته، أو حتى ذلك الزمن على أية حال. بل رغم أن التماسيح والخراتيت لا عهد لتلك المنطقة العربية الأفريقية بها (فماذا عن مصر؟). غير أن ما لا بد من قوله هنا هو أن الفنان حين رسم لوحته كجزء من رباعية متكاملة، لم يبد عليه أنه كان واسع الاهتمام بذلك النوع من الحقائق التاريخية الجغرافية. فبم كان مهتماً يا ترى؟
ذلك الصراع الأبدي
يقيناً أن هم روبنز كان منصباً على موضوع أكثر وجودية بكثير: موضوع الصراع التاريخي الأبدي بين شتى الكائنات التي تتقاسم العيش على وجه البسيطة. وكان المحور الأساس لهذا الاهتمام هنا صراع الإنسان والحيوان في ما بينهما وإن كان لا يتقصد أن يكون جوهر موضوعته ومنطلقها هنا، الصراع من أجل البقاء.
فبما أن المشهد المطلوب رسمه على تلك الأمتار المربعة هو مشهد صيد، فمن البديهي أن الإنسان هو هنا العدائي المبادر بينما الحيوان لا يفعل أكثر من الدفاع عن نفسه. بل إن هذا المنظور الذي يكاد تحت قلمنا يبدو أخلاقياً بافتراضه أن الكائن البشري هو المفتري بينما الكائن الحيواني هو الضحية، سيتنافى سريعاً مع المنطق الأخلاقي وذلك لأن ثمة في المشهد نفسه، مقابل الكائنات البشرية الخمسة، سبعة حيوانات منها اثنتان تتعرضان للعدوان بينما ثمة ثلاثة حيوانات تشارك فيه منضمة إلى صف الرجال المعتدين ناهيك بكلبين سنشير إليهما لاحقاً.
إذن القسمة في نهاية الأمر ليست عادلة. بل إن وجود تضافر بين الجياد الثلاثة والرجال الخمسة في المشهد ضد حيوانين ضاريين، لا يعني عدوانية مقصودة من قبل الفريق الأكثر عدداً إذ إن ذلك التضافر نفسه سرعان ما يحيلنا إلى واقع يفيدنا هنا بأن الرجال الأفارقة العرب وغيرهم من "المعتدين" لا يقومون بذلك بمحض إرادتهم بل كعبيد مأمورين مثلهم في هذا مثل الجياد الثلاثة التي بدورها لا تتورع عن القتال الضاري والشرس ضد ابني جلدتها من دون أن تدري طبعاً لماذا هي هنا. فهي بدورها مستعبدة تقوم بما عليها القيام به وتنفذ مشيئة تعلو عليها وعلى إرادتها مثلها في هذا مثل الصيادين الذي تقوم لعبتهم بدورهم على مبدأ يحكم المشهد كله: إنك إما أن تقتل وإما أن تقتل. ولا خيارات أخرى أمامك. هي لعبة الصراع الأبدي التي سيكون من الخطل الافتراض أن في ثنايا لوحة روبنز ما يدينها، من الموقع الأخلاقي كما أشرنا.
هم فني مطلق
من هنا نعود إلى نقطة البداية. إلى الفنان روبنز. الفنان الذي سيعود بعد ذلك بأعوام قليلة ليبدو وكأنه تجاوز نفسه فنياً عبر نحو الـ20 لوحة التي أنجزها لحساب القصر الملكي الفرنسي مصوراً فيها فصولاً من حياة ماريا دي مديتشي لتعلق في قصر لوكسمبورغ فيبرع في رسم مشاهد تتجاوز قبح الملكة وتصور تلك الحياة بأبدع ما يكون.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالتالي يمكننا القول إن الفنان كان قد لعب اللعبة نفسها في رباعية "الصيد" حيث باتت اللعبة الفنية هي المحك. ويتجلى هذا خصوصاً في اللوحة التي نحن في صددها هنا، والتي يكمن الشرط الأول لتلمس عظمتها وفرادتها، بالتعامل معها في فنيتها المطلقة، في كونها مشهداً يبدو أن أهم ما فيه هو وجه الخرتيت المتوسط اللوحة تماماً، الذي تنصب عليه كل الهجمات من بقية العناصر البشرية والحيوانية التي تتكالب عليه من كل الزوايا لكي تلحق به هزيمة لن يمكنه الفرار منها. هزيمة لا يعود موضوعها صيده وحمله في خاتمة مظفرة لا مهرب منها، بل النجاة من جبروته بعدما فقد، كما يبدو، قدرة "حليفه" التمساح الذي اكتفى بضحيتين ها هما مرميتان في أسفل اللوحة والثانية تتنفس ولكن تسعى إلى الإفلات من الموت والتراجع.
ومن الواضح هنا أن كل ما في المشهد يمهد للحتمية التي لا مفر منها. حتمية يقترحها توسط وجه الخرتيت اللوحة تماماً وفتحه شدقيه غضباً ورعباً ويأساً وربما وعداً أيضاً. والحقيقة أن هذه اللعبة الفنية التي تجعل من لوحة روبنز فريدة وفريدة في فنيتها على أية حال، قبل أن تكون فريدة في معانيها، تصل إلى أسمى تجلياتها من خلال ذلك الكلب الأبيض الذي يحمل كل دلالته تدخله الذي يبدو متأخراً إنما فاعلاً، في نهاية الأمر، في هجوم يقوم به بدوره لاقتطاع حصته من المجد، وربما من لحم الضحية أيضاً، وقد أيقن أن الخرتيت لا محالة قد انتهى وسيحل بعد دقائق أوان تقاسم ما يجاد به من جثته. وهو أمر لن يفوتنا تطلع الكلب الأسود الأكثر تردداً والآتي من طرف يمين اللوحة ليمارس بدوره حصة يستحقها في اللعبة برمتها.
ومن المؤكد أن إدخال روبنز كل هذه التفاصيل الصغيرة ببراعة مخرج سينمائي في لوحة سينمائية الطابع حققت قبل مئات الأعوام من ولادة السينما، يضعنا أمام واحد آخر من دلائل عظمة الفن الإنساني، تمدنا به هنا لوحة لا تزال ومنذ أربعة قرون تثير ليس فقط إعجاب مشاهديها، بل أسئلتهم الوجودية كذلك.