ملخص
بعض المدن يجري تحويلها إلى إسفنجة تمتص الأمطار الزائدة وتطلقها عند الحاجة، ففي روتردام ولدت فكرة "ساحة الماء" التي تستقبل الأمطار الغزيرة فتخزن نحو 1.7 مليون لتر، ثم تعود ملعباً وحديقة في فترات الجفاف، وفي كوبنهاغن أطلقت خطة سحب المطر عبر تحويل الشوارع والمتنزهات إلى قنوات تصريف طبيعية في حال العواصف.
خلال الشهر الماضي شهدت 12 مدينة كبرى أوروبية نحو 2300 حالة وفاة بسبب الحرارة، ففي إنجلترا وويلز سجل الباحثون نحو 570 وفاة مرتبطة بموجات الحر، وفي إسبانيا خلال يونيو (حزيران) 2025 وحده بلغ عدد الوفيات الزائدة بسبب الحرارة 380 حالة، بينما في البرتغال كانت 284 حالة.
وبالطبع فإن إبراز الوفيات في الدول الأوروبية بسبب موجات الحر الشديدة يعتبر استثناء في مناخها السنوي، ولكن قد تكون أعداد الوفيات بسبب الحرارة أكبر بكثير إذا تمكنا من تعدادها في دول العالم الثالث مثل أفريقيا أو الهند أو أميركا اللاتينية، وسيرتفع العدد بصورة أكبر لو احتسبنا عدد الوفيات بسبب ارتفاع الحراة بصورة غير مباشرة، مثل الفيضانات، وكان آخرها في باكستان قبل أيام، أو بسبب العواصف الشديدة غير المتوقعة مثل التي تحدث في الولايات المتحدة وأستراليا، وغيرها من الكوارث التي يتسبب بها ارتفاع حرارة الأرض، ولهذا يمكن استشراف الطرق والوسائل التي ستتبعها المدن العالمية الكبرى في المستقبل للحد من تأثير ارتفاع درجات حرارة كوكب الأرض.
التغير الحراري كحدث حقيقي
حسمت العلوم المعاصرة بأن تغير المناخ يضاعف شدة وتكرار كثير من الظواهر المتطرفة، ومنها ارتفاع سطح البحر عالمياً بنحو 15 إلى 23 سنتيمتراً بحلول عام 2050، بحسب أقل السيناريوهات تطرفاً، وهذا وحده كفيل بتغيير قواعد التخطيط العمراني الساحلي، وإلى تغيير في هندسة المدن القريبة من الساحل والمهددة بتمدد البحر نحوها عاماً بعد عام.
جرى استخدام الجدار الصلب أو السدود والسواتر العالية منذ مئات الأعوام على شواطئ المدن الساحلية لحمايتها من أمواج البحر العاتية، لكن ما تعلمناه في القرن الـ21 كان درسا قاسياً مفاده أنه مهما علت الجدران التي تحمي السواحل ومهما كانت الصخور التي تتكسر عليها الأمواج ضخمة، فإنها لن تصمد أمام العواصف غير المتوقعة والقوية والتي شهدت مثلها معظم سواحل العالم، كما في اليابان ومعظم ساحل شرق آسيا، وفي الساحل الغربي الأميركي خلال العام الحالي، عدا عن المدن التي يتمدد البحر صوب أحيائها الداخلية عاماً بعد عام، مثل مدينة الإسكندرية التي ابتلع عدد من أحيائها الساحلية خلال الأعوام الماضية، وفي غيرها من المدن المتوسطية، أو في الجزر الصغيرة المنتشرة في المحيطات والتي اختفى بعضها تحت الماء.
وقد تمكن الدارسون من توقع مستقبل كثير من المدن الساحلية وبعض الدول المنخفضة عن سطح البحر في حال استمر ارتفاع المياه بالنسبة الحالية نفسها، ومآلها الغرق تماماً.
تغييرات في هندسة المدن
مدينة فينيسيا أو البندقية الإيطالية لا تزال تواجه خطر الغرق منذ عقود، وقد أقامت حكومتها المحلية مشروع (MOSE) والذي دخل الخدمة عام 2020، منعاً أو تأخيراً لهذا الغرق، ويقوم على رفع حواجز متحركة عند ارتفاع المد لتغلق البحيرة المحيطة بها موقتاً وتحمي المدينة من الغرق، وقد جعلت الهندسة الحديثة المتقدمة هذه الحواجز غير ثابتة ومرنة وتستجيب لتبدل الطقس، وتتحرك بحسب شدة المواسم الماطرة.
والأمر نفسه دفع القائمين على إدارة مدينة نيويورك بعد "إعصار ساندي" في عام 2012 إلى الإقرار بأن الجدران الحامية لن تكفي وحدها، لذلك أطلقت مشروع بناء متنزهات ومساحات فارغة وشوارع واسعة على طول الساحل تتحول أثناء العواصف إلى خزانات ماء ضخمة، ثم بعد مرور العاصفة وجفاف الماء تعود لوظيفتها العادية.
وبعض الدول لجأت إلى حلول جذرية للفيضانات الساحلية للتقليل من أضرارها في المدن التي تقع في مسار الفيضانات الموسمية، وكان الحل إعادة توطين السكان والأنشطة، فمثلاً بدأت الولايات المتحدة في برامج شراء منازل وأراض في مناطق الفيضانات مع تعويض السكان وتحويل الأرض إلى مناطق طبيعية، وهذا الخيار الذي يبدو مكلفاً وغير منطقي سيكون من بين الخيارات الشائعة مع ارتفاع سطح البحر، أما بعض المدن فيجري تحويلها إلى إسفنجة تمتص الأمطار الزائدة وتطلقها عند الحاجة، ففي روتردام وُلدت فكرة "ساحة الماء" التي تستقبل الأمطار الغزيرة فتخزن نحو 1.7 مليون لتر، ثم تعود ملعباً وحديقة خلال فترات الجفاف، وفي كوبنهاغن أطلقت خطة سحب المطر عبر تحويل الشوارع والمتنزهات إلى قنوات تصريف طبيعية في حال العواصف.
وفي الصين ظهرت مدن الإسفنج عبر برنامج وطني يهدف إلى تخزين 70 في المئة من مياه الأمطار عبر الأسطح الخضراء والأرصفة النفاذة والبحيرات المنتشرة في المناطق الحضرية أو السكنية، وتتلخص الفكرة بأن يعاد تدوير المطر والاحتفاظ به وإعادة استعماله عند الحاجة بدلاً من تركه يذهب مباشرة إلى مجاري الصرف الصحي، والتي قد لا تتمكن من استيعابه كله خلال العواصف العاتية، مما يؤدي إلى وقع الطوفانات غير المتوقعة.
أما الهولنديون فقد استبدلوا فلسفة رفع السدود وتمتينها إلى فلسفة إفساح المكان لمرور المياه، فأزالوا بعض السدود أو حولوا مجرى الأنهار لتصب في سهول فيضية طبيعية واسعة، تقلل الخطر على المدن وتعيد للحياة البيئية توازنها.
ومع موجات الحر القاتلة برزت معركة التبريد الحضري حيث تقع الكثافة العمرانية، ومنها تجربة لوس أنجلس التي أجبرت المهندسين على استخدام الطلاء العاكس على السطوح وفي الملاعب ومواقف السيارات والحدائق العامة والمساحات العامة ذات السقوف، وسميت هذه الطريقة بالأسطح الباردة، مما أدى إلى خفض حرارة الهواء بمقدار اثنين و3.5 درجات، وحرارة السطح بنحو 10 درجات وعلى نطاق أوسع، وتشير نماذج بحثية إلى أن تعميم الأسقف الباردة قادر على خفض حرارة الهواء في المدن بمتوسط 1.2 مئوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما برزت طرق المظلات والتظليل واستخدام النبات للتبريد، وفي دراسة منشورة في مجلة "لانست" وُجد أن رفع مساحة الغطاء النباتي وزيادة عدد الأشجار في المناطق السكنية 30 في المئة يمكن أن يقلل وفيات موجات الحر بنحو الثلث، ولذلك بات على المدن أن تتعامل مع مزيج متناقض من الأخطار البيئية الناتجة من ارتفاع الحرارة، وهي الفيضانات والحرائق وموجات الحر، لهذا قامت مدينة ميامي برفع الطرقات متراً كاملاً، وزرعت مضخات ضخمة لضخ مياه البحر في مواسم العواصف، ولمحاربة الحرائق الطبيعية فرضت ولاية كاليفورنيا قوانين لإجبار المهندسين على استخدام مواد مقاومة للنار في المباني، ولترك مساحة معينة حول البيت خالية من أية مواد قابلة للاشتعال.
وفرضت مدن كثيرة حول لعالم في العمارة الجديدة رفع الأسقف وزيادة التهوية المتقاطعة عبر هندسة النوافذ والأبواب وتواصلها ببعضها، مما يسمح بمرور الهواء الذي يمكن المنازل من الحفاظ على برودتها، وفرضت مدن أخرى بناء غرفة في البيوت تكون مهيأة للتبريد بطرق خاصة يستخدمها السكان في الظروف الخاصة، أي كأنها غرف مصنوعة لحالات ارتفاع حرارة الجو الطارئة وغير المتوقعة، وقد باتت هذه الغرف إجبارية في مدن كثيرة في الصين والولايات المتحدة وأستراليا، وبعد "إعصار ماريا" عام 2017 في بورتوريكو، انتشرت شبكات الطاقة المحلية المدعومة بألواح شمسية وبطاريات لتأمين الكهرباء للمستشفيات والأحياء الحرجة أثناء الانقطاعات المفاجئة للكهرباء بسبب الجوائح الطبيعية.
الكلفة الفلكية للكوارث
كلفت الكوارث المناخية الاقتصاد العالمي نحو 313 مليار دولار عام 2022، وهذه أرقام تساوي الناتج المحلي لمجموعة دول، والأخطر أن شركات التأمين بدأت بالانسحاب من هذ الأسواق العالية الأخطار تاركة الناس بلا حماية مالية، وتوقع البنك الدولي نزوح 216 مليون شخص داخلياً بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ، مما سيؤدي إلى ضغوط هائلة على المدن وتضخم أسعار السكن، ومنافسة على الوظائف وتغير ديموغرافي سريع قد يولد توترات اجتماعية وسياسية، ولهذا يتوقع الباحثون في مستقبل المدن التي ترتفع فيها حرارة الجو بصورة ملاحظة بأنها ستشهد تغييرات في الإيقاع اليومي لحياة سكانها ونمط علاقاتهم الاجتماعية، إذ ستضطر المؤسسات إلى اعتماد ساعات عمل مرنة في الصيف وربما انتقال إلى "اقتصاد ليلي" لتجنب ساعات الذروة الحرارية، وقد تضطر إلى إنشاء مراكز تبريد عامة إلزامية في كل حي، كما في المستشفيات والمدارس والملاعب الرياضية المقفلة والأسواق الضخمة، وقد تضطر إلى إيجاد معايير جديدة للبناء وإعادة تصميم البنية التحتية لوسائل النقل، مثل محطات الباص والقطارات الواقعة تحت الأرض.
وفي المستقبل الحار قد نبدأ بقياس أيامنا بحسب ارتفاع وانخفاض الحرارة كما نقيسها الآن بالوقت، وسنخطط لمشاويرنا بناء على موجات الحر أو التحذيرات من العواصف المطرية والثلجية، وستكون البيوت حصوناً مناخية والشوارع ممرات مظللة أو مسقوفة، وسيكون إيقاع ساعات العمل مرناً سواء في النهار أو بتحويل دوامات العمل كلها إلى الليل في المدن الحارة جداً خلال النهار، وقد صارت العاصمة اليونانية أثينا أول مدينة في أوروبا والعالم تعين مسؤولاً عن الطقس الحار، يكون دوره التحذير من موجات الحرارة المتكررة وتنسيق الإنذارات الباكرة وتوعية السكان وتطوير مساحات تبريد حضري، أما مدينة سفيلية في إسبانيا فكانت أول مدينة في العالم تسمي موجات الحر كما تسمى الأعاصير، وأثبتت هذه الخطوة فعاليتها لأن الناس صاروا يتعاملون مع موجة الحر كخطر محدد وواضح، لا مجرد طقس حار.