ملخص
اتخذت الأزياء أشكالاً تعكس الصراع الطبقي والهوية السياسية. فالأثواب المزخرفة والطربوش في الدولة العثمانية لم يكونا مجرد زينة، بل أداة لتأكيد النفوذ والهوية الوطنية.
الأزياء ليست مجرد قماش يغطي الجسد، بل هي لغة بصرية تحمل دلالات ثقافية وسياسية عميقة، تعكس الهوية، والسلطة، والمقاومة، وحالات الحزن والفرح، بل هي جزء من "الرموز" المؤثرة في الحشد وإثارة الحماسة والضغائن.
لهذا لم يكن السجال حول بدلة زيلينسكي في البيت الأبيض في نسختيها الأولى الخضراء والثانية السوداء، نقاشاً من دون معنى، إذ ظلت للأزياء دلالاتها في السلم والحرب، في الثقافة العربية والعالمية.
فعلى مر العصور، كان اللباس وسيلة للتعبير عن الانتماء، وترسيخ السلطة، أو حتى إشعال المقاومة. من عصابة أبي دجانة الحمراء في غزوات النبي إلى عمامة الحجاج التي توعد بها أهل العراق يوم أصبح حاكماً لها، إلى بدلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي العسكرية التي فجّرت جدلاً عالمياً في 2025.
الأزياء كرمز سياسي عبر التاريخ
في العصور الوسطى، اتخذت الأزياء أشكالاً تعكس الصراع الطبقي والهوية السياسية. فالأثواب المزخرفة والطربوش في الدولة العثمانية لم يكونا مجرد زينة، بل أداة لتأكيد النفوذ والهوية الوطنية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، كما تروي الباحثة سارة شيلدز في كتابها "الطرابيش في النهر"، أصبح الطربوش في قضاء الإسكندرون مثلاً رمزاً للصراع السياسي بين القوميات السورية والتركية، حتى أن اختيار غطاء الرأس بات يعكس الموقف السياسي.
أما الثورة الفرنسية (1789-1799)، فقد جعلت من السراويل الطويلة شعاراً للثوار في مواجهة الأرستقراطية ذات السراويل القصيرة. واللباس هنا لم يكن تفصيلاً شكلياً، بل رمزاً لصراع اجتماعي جذري. وفي فرنسا الحديثة، كما توضح كريستين بارد في كتابها "تاريخ سياسي للبنطلون"، خاضت النساء معارك طويلة لكسر احتكار الرجل للبنطلون بوصفه رمزاً للسلطة، إذ لم يُعترف بحق المرأة في ارتدائه بحرية إلا بعد عقود طويلة.
الأزياء والاحتجاجات الشعبية
في الأزمنة المعاصرة، تكررت رمزية اللباس في ساحات الاحتجاجات. من "قناع فانديتا" المستلهم من فيلم V for Vendetta إلى "السترات الصفراء" في فرنسا، وتحولت الأزياء العفوية إلى أيقونات عالمية للمقاومة، لا تقل قوة عن البيانات السياسية. الملابس هنا لم تكن مجرد تعبير جمالي، بل علامة سياسية فورية يفهمها العالم.
ولئن ضُرب في المنطقة العربية مثلاً لأشهر الأزياء السياسية وأكثرها غرابة، فإن أحداً لا ينافس معمر القذافي في زيه المثير للجدل، بما جعل منه مادة صحافية تستهويه في كل إطلالة عبر الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وعلى منبر الأمم المتحدة.
ومع تعدد "الرموز" التي تحملها الأزياء بين الشعوب، إلا أن الأكاديمية السعودية ثريا نصر، ترجح في كتابها "تاريخ أزياء الشعوب" أن اتخاذها لغة إبهار وتعبير رمزي ظل سمة مشتركة، مثل الزخرفة، والبهرجة التي حاول زيلينسكي الاقتصاد فيها على هيئة الحداد، والقذافي أن يسرف فيها، لتظل كل إطلالة له مناسبة احتفال قائمة بذاتها.
وتضيف "مهما اختلفت الأجناس والأقطار فهناك ظاهرة تجمع بين مظاهر هذا الذوق الفطري للشعوب كلها... وكأن هناك لغة موحدة يتحدث بها جميع البشر، هي لغة الزخارف المشحونة التي تتداخل تارة وتفترق أخرى في سذاجة".
بدلة زيلينسكي: بين المقاومة والبروتوكول
وسط الحرب الروسية- الأوكرانية، برز الرئيس فولوديمير زيلينسكي كأحد أبرز الأمثلة على توظيف الأزياء سياسياً. منذ بداية الغزو، تبنّى زياً شبه عسكري، بسيطاً وموحداً، أصبح علامة للمقاومة الأوكرانية. لكن زيارته إلى البيت الأبيض في 2025 فجرت جدلاً واسعاً، حين رفض ارتداء بدلة رسمية على رغم طلب الجانب الأميركي، كذلك ظهر بملابس شبه عسكرية من دون ربطة عنق خلال لقائه الرئيس دونالد ترمب مع الزعماء الأوروبيين أخيراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الاختيار لم يكن مجرد تعنت شخصي، بل استراتيجية مدروسة لتكريس صورته كقائد ميداني يعيش مع شعبه في قلب المعركة. وعلى رغم الانتقادات التي وصفت اللقاء بأنه "كارثة دبلوماسية"، فإن زيلينسكي واصل تمسكه بالزي العسكري، مؤكداً أنه لن يغيّره حتى تتحرر أوكرانيا. هكذا تحولت قطعة قماش إلى سلاح رمزي في معركة سياسية ونفسية مع روسيا، بل ومع المجتمع الدولي.
عمامة الحجاج بن يوسف وإحرام الحج
وفي التاريخ العربي القديم، اشتهرت "عمامة الحجاج" القائد الشهير في العهد الأموي، علامة فارقة لاتخاذ الزي وسيلة تعبير لإرهاب الخصوم وبعث الرسائل السياسية الصارمة للمتمردين، فلم يشتهر في خطبته إلى أهل العراق يومئذ (في القرن السابع الميلادي) غير التهديد بقوله "متى أضع العمامة تعرفوني"، أي أنه حين يلبس بدلة الحرب سيعرفون من هو حاكمهم الجديد، وهو ما حدث حقاً، إذ كان بطشه مضرب المثل.
في المقابل، يمثل "لباس الإحرام" في الحج نموذجاً مختلفاً للقوة الرمزية للأزياء، ببساطة الإحرام الأبيض البسيط، الذي يلغي كل الفوارق الطبقية والاجتماعية، ويرمز إلى وحدة البشر ومساواتهم أمام الله. لكن الرسالة ليست دينية فقط، بل أيضاً سياسية، إذ جسدت فكرة أن المجتمع قادر على تجاوز طبقاته وحدوده القومية ليلتقي في لحظة روحانية موحدة، وقد وضع كل الخلافات جانباً وجنح إلى السلم.
إذ ربما التقى الأوكراني والروسي في مكة فلا يجد أي منها حرجاً في ذلك. بل كان العرب قبل الإسلام من تعظيم الكعبة يلتقي الرجل بقاتل أبيه فلا يرى ذلك فرصة لأخذ الثأر.
التاريخ السعودي الحديث يحتفظ بمثال آخر، إذ توثق "الشرق الأوسط" اللندنية أن الملك عبد العزيز آل سعود كان يستخدم رمزية اللباس سياسياً، حين رفض مثلاً ارتداء "العقال المقصب" الذي كان يلبسه في بدايات حكمه حتى يؤدب أحد خصوم بلاده، في إشارة إلى وعي القادة بأن اللباس يمكن أن يكون أداة تفاوضية لا تقل أهمية عن الكلمة، فلما نال من غريمه "نادى: نادى: ائتوني بعقال مقصب. فلما أحضروه وضعه على رأسه فيما صدحت الهتافات والأهازيج".
الأزياء والسياسة في أميركا
الولايات المتحدة أيضاً لم تكن بمنأى عن هذا الترميز، ففي القرن التاسع عشر، عكست الأزياء الأميركية صراعاً بين الحداثة والتقاليد في ظل الثورة الصناعية. وفي القرن العشرين، صارت نيويورك مركزاً عالمياً للموضة بعد الحرب العالمية الثانية، مؤثرة في صناعة الأزياء العالمية بما يحمله ذلك من إسقاط سياسي للقوة الناعمة الأميركية.
وفي السنوات الأخيرة، ارتبطت الأزياء بمفهوم الاستدامة، لتصبح جزءاً من النقاش السياسي البيئي. دخول شركات أميركية كبرى في شراكات لتطوير أقمشة صديقة للبيئة يعكس كيف أن صناعة الأزياء لم تعد محايدة، بل جزء من السجالات الكبرى حول المناخ والسياسة الاقتصادية.
المثل العربي "الخيل من خيالها" يختصر العلاقة بين الأزياء والسياسة. فما يرتديه القائد أو الشعب يعكس هويتهم ورسالتهم للآخرين، وربما حالتهم المزاجية في تلك اللحظة. الطربوش، وعمامة الحجاج، وسراويل الثوار، وبدلة زيلينسكي والقذافي وغيرها... كلها ليست مجرد أزياء، بل شيفرات سياسية مكثفة تحمل معاني المقاومة، والوحدة، والهوية أو حتى التمرد على الأعراف.