Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علامة صفر لمن يرسم موديلا عاريا في كلية الفنون الدمشقية

قرار من العمادة يمنع الطلاب من رسم لوحات الموديلات والطلاب والفنانون ينظمون تحركا

تمثال في باحة كلية الفنون الجميلة في دمشق (صفحة الكلية - فيسبوك)

ملخص

أثار قرار عميد كلية الفنون الجميلة في دمشق بمنع الموديل العاري في مشاريع التخرج موجة جدل وانتقادات، لاعتباره مساساً بحرية التعليم الفني وتناقضاً مع تاريخ الكلية وأعمال العميد نفسه. طلاب وأساتذة وفنانون اعتبروا القرار تضييقاً جديداً على الحريات الأكاديمية، وسط دعوات للتراجع عنه وصون استقلالية المناهج.

أثار قرار لعميد كلية الفنون الجميلة في دمشق فؤاد دحدوح عاصفة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وجاء في نص قرار دحدوح بأنه "يرجى المتابعة والإشراف على أعمال التخرج بما يتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية"، وتابع "عدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أقسام النحت والتصوير والحفر، وأي مخالفة ينال الطالب عليها علامة الصفر". القرار الذي جاء كجواب لعميد الكلية على حاشية لمعاون وزير التعليم العالي، فتح الباب مجدداً على سؤال حرية التعبير واستقلال عمل الأكاديميات الفنية، وسط مخاوف من التضييق أكثر فأكثر على كل ما يتصل بالحركة التشكيلية في البلاد.

اللافت في أمر هذا المنع  أن قرار فؤاد دحدوح جاء متناقضاً حتى مع طبيعة أعماله الفنية التي حققها هو نفسه، سواء في النحت أو التصوير منذ تخرجه عام 1981، وتناولت معظمها موضوع العري لا سيما توظيفه لجسد المرأة في تلك الأعمال، مما فاقم من ردود فعل قاسية إزاء قرار العميد حتى من زملاء له في الوسط التشكيلي، إذ كتب الفنان عبدالله صالومة، وهو مدرس أيضاً في الأكاديمية الدمشقية، ويحمل شهادة دكتوراه في اختصاص الفن من جامعة لوميير ليون الثانية في فرنسا، "يرجى السماح بتزويد كلية الفنون الجميلة بعدد من الإماء للعمل كموديل حي عاري الصدر، وذلك لكون عورة الأمة من السرة إلى الركبة، وذلك لحسن سير العملية التدريسية".

الفنان بطرس المعري، وكان عمل مدرساً أيضاً في الكلية الدمشقية، كتب هو الآخر على صفحته في "فيسبوك" ينتقد قرار زميله دحدوح، "هالتني بعض التعليقات من قبل خريجين يمارسون الفن من تصوير ورسم ونحت، وغالب هذه التعليقات تحاول التذاكي في الدفاع عن قرار العميد، وأمرها بالطبع مفضوح لأي قارئ يحمل الشهادة الابتدائية. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، نقول إن أهمية تعليم تشريح جسم الإنسان بالنسبة إلى الفنان هي كأهمية تعليم الأبجدية لطالب علم اللغة، هي أساس البناء، وهذا بديهي لمن يريد أن يعمل العقل ’بفرنكين’ في تفكيره".

وتابع المعري الذي يقيم في ألمانيا قائلاً "العدول عن القرار لن يقوض أركان الحكم، ولا أركان الدين. الأمر هو باختصار إما أن نقدم العلم كما يقتضي أو لا، أما عن حرية الطالب في ما يقدمه من عمل، فهذا يعود إلى هامش الحريات في البلد ككل، ولا علاقة له بقرار الدكتور دحدوح، أو بقرار من سبقه من قرارات وتنبيهات مشابهة. قرأت منشوراً قبل قليل لعميد الكلية، مما ذكر فيه أن أهالي الطلاب طلبوا عدم التعامل مع الموديل العاري، فكان القرار استجابة لطلباتهم. وفي الحقيقة أجد شخصياً توقيع القرار أخف وطأة علينا من هذا التبرير".

حراك طلابي

وما هي سوى ساعات على صدور القرار، حتى أصدر تجمع "حراك طلابي" بياناً بخصوص قرار كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، ومما جاء فيه "إننا في الحراك الطلابي نرى أن هذا القرار انتهاك للحرية الأكاديمية، ومساس باستقلال المناهج، وتشويه لبنية العملية التعليمية ذاتها، فمنذ أكاديميات عصر النهضة وحتى مدارس الفنون المعاصرة، كان رسم الجسد العاري حجر الأساس في تعليم الفنانين، لأنه يجمع بين الصعوبة التقنية والعمق التعبيري. إن حذف هذه الركيزة من التعليم الفني لا يعني حماية قيم، بل يعني ضرب جوهر المعرفة البصرية، وإفراغ المناهج من مضمونها العلمي والجمالي، وعزل الجامعة عن سياقها الأكاديمي، والجامعة فضاء مستقل لا وصاية عليه، والمناهج التعليمية ليست مجالاً للقرارات التعسفية، أو التهديد بالعقوبات، بل هي مسار معرفي يملكه طلابها وأساتذتها".

وطالب البيان الطلابي عمادة كلية الفنون الجميلة بالتراجع الفوري عن قرارها، وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي وكلية الفنون، تأكيداً على ضمان الحرية الأكاديمية والاستقلال التعليمي، وعلى أن العلاقة بين الطالب والأستاذ تقوم على الشراكة لا على التهديد، وأكد البيان أن الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها طلاب الكلية داخل ممر الإدارة، الإثنين الماضي، هي حق مشروع وممارسة مدنية سلمية، تعكس وعي الطلاب بمكانتهم، وتعبر عن رفضهم أي مساس بالحرية الأكاديمية، فصون هذه الحق وحمايته هو واجب على كل إدارة جامعية، وهو الطريق الوحيد للحفاظ على فضاء جامعي حر، إن الجامعة التي تدار بالعقوبات والوصاية تفقد معناها، وموقفنا اليوم ليس مجرد اعتراض على قرار، بل هو تثبيت لمبدأ أساسي، لا جامعة بلا حرية، ولا تعليم بلا استقلال أكاديمي".

ولا يعد إلغاء الموديل العاري من كلية الفنون الجميلة في دمشق بجديد، إذ إن النظام البعثي كان قد وجه عبر توصيات شفهية بإلغائه منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك نزولاً عند رغبة المشايخ ووزارة الأوقاف، وقد كان كثير من السيدات حتى نهاية الثمانينيات يعملن موديلات حية مأجورة لفنانين وطلاب كلية الفنون، ومن أشهر من عمل في هذا المجال الممثلة نبيلة النابلسي (1949-2010)، ومع بداية التسعينيات استعيض عن الموديل الحي برسم الطلاب تماثيل عارية لفينوس ورامي القرص ونيرون، ولم يكن ممنوعاً على طلاب التصوير والنحت والحفر آنذاك أن يختاروا مشروع تخرجهم كما يشاؤون، وأن يرسموا ما يشاؤون، لكن كان ممنوعاً على الطالب أن يستخدم الموديل العاري الحي بجميع الأقسام داخل الكلية.

وقد درجت كلية الفنون الجميلة في دمشق منذ تأسيسها عام 1960 بتعليم الطلاب الرسم والتصوير والنحت استناداً إلى موديلات عارية، وقد أشرف كثير من الأساتذة المصريين والأجانب زمن الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961) على دراسة الموديل الحي للرجال والنساء، ومنهم الإيطاليان جنتليني وغيدو لاريجينا، وقد تأثر كثير من الفنانين السوريين بهذا الأسلوب ومنهم محمود حماد ولؤي كيالي، ويتحدث أحد أساتذة كلية الفنون لـ"اندبندنت عربية" (طلب عدم ذكر اسمه ويقول: "اختفى الموديل العاري تباعاً من كليات الفنون العربية من السودان فمصر، وبعدها سوريا بفعل نمو الحركات الأصولية في المنطقة، واستناداً إلى نصوص تحرم التشخيص، ومع أن ظهور التشخيص العاري يعد من المواضيع النادرة في التصوير الإسلامي في القرون الأولى لمجيء الإسلام، إلا أن ذلك يناقض ما عثرت عليه البعثات الأثرية الأجنبية في حمامات قصير عمرة الأموية (الأردن حالياً)، التي اشتملت على لوحات تمثل تشخيصات لنساء وأطفال عراة أو شبه عراة نفذت بأسلوب واقعي مليء بالحركة والحياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أسلوب النحت

ويتابع أستاذ التصوير حديثه بالقول، "ويقدم أسلوب النحت الذي حفلت به قصور الخلفاء الأمويين، وبخاصة في قصر الحير الغربي وخربة المفجر فكرة واضحة عن مبادئ الفن العربي التي ظهرت في عهود سابقة للإسلام، والتي تحيل برؤية ذاتية ونوع من النمطية، ويمكن تقسيم المنحوتات التي امتاز بها قصر الحير الغربي إلى نوعين: نحت زخرفي بارز أو مفرغ بصور نباتية وهندسية مجردة تعد البداية لما سمي النقش العربي (الأرابيسك)، والنوع الثاني هو النحت التشخيصي التشبيهي، ومن أهم اللقى النحتية التشبيهية تمثال شخص يعتقد أنه للخليفة هشام بن عبدالملك، وتمثالان أحدهما رجل مضطجع تجلس إلى جانبه امرأة في وضع يشبه أوضاع التماثيل النذرية الجنائزية في تدمر".

ولا يعد التشخيص والنحت التجسيدي غريباً عن سوريا، فلقد قدمت مواقع أثرية منها أوغاريت ودورا أوروبوس وتدمر عشرات اللقى الأثرية لتماثيل ومنحوتات وجداريات تعكس خبرة الفنان السوري عبر الأزمنة في مجال التشخيص، وهناك كثير من هذه المنحوتات اليوم موجودة في كل من المتحف الوطني في دمشق وحلب، ومنها نحت جداري من الجص وبالحجم الطبيعي للخليفة عبدالملك بن مروان راكباً على فرسه، وهذا يدل على أن الخلفاء الأمويين لم يمنعوا التشخيص إذا كان بداعي التجميل لا التقديس والعبادة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة