ملخص
مما لا شك فيه أن وجود مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا الكبرى يرتدون الزي العسكري له دلالة رمزية ودلالة على العصر الذي نعيشه، إذ إن الخطوط الفاصلة بين وادي السيليكون ووزارة الدفاع الأميركية تتلاشى بسرعة.
عززت الأحداث العالمية على مدار العامين الماضيين طلب وزارة الدفاع الأميركية على تقنيات وادي السيليكون، بما في ذلك نشر طائرات من دون طيار وأنظمة أسلحة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في أوكرانيا وغزة، والمخاوف من سباق تسلح عالمي بالذكاء الاصطناعي ضد الصين.
يتجه وادي السيليكون الذي يعد موطناً لكثير من أكبر شركات التكنولوجيا الرائدة في العالم أكثر فأكثر نحو تطوير التقنيات العسكرية. وقد ظهرت في الأعوام الماضية مؤشرات قوية إلى الروابط العلنية لشركات التكنولوجيا الأميركية بالمجمع الصناعي العسكري، وهذا ما سيزداد مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الداعية لاستثمار تريليون دولار بحلول عام 2026 لتحديث القوات المسلحة، التي تنطوي من وجهة نظره على إدخال الذكاء الاصطناعي في الدفاع.
وتجسد تقنيات وادي السيليكون العواقب غير المتوقعة لإطلاق العنان للأجهزة أو البرمجيات الجديدة، خصوصاً أن هذه التقنيات تستخدم في تطبيقات ذات استخدام مزدوج، إذ يمكن استخدام "غوغل إيرث" لرسم الخرائط والبحث الجغرافي، كما يمكن لفرق القوات الخاصة استخدامه لاستهداف شبكات الطاقة الكهربائية والجسور وغيرها من البنى التحتية. وسوقت "مايكروسوفت" في البداية "هولولينز" كجهاز واقع معزز للاعبين والفنانين والمهندسين المعماريين، ولكن من المرجح أن يكون المشاة هم المستهلكون الأكثر استفادة. وبينما يستخدم برنامج "أمازون" للتعرف على الوجوه لإجراء معاملات مصرفية أو صراف آلي آمنة، يمكن استخدامه في الوقت نفسه كتقنية مراقبة من قبل الجيش أو الاستخبارات أو وكالات إنفاذ القانون.
العلاقة بين "البنتاغون" ووادي السيليكون
تشهد العلاقة بين شركات التكنولوجيا العملاقة ووزارة الدفاع الأميركية نمواً مطرداً، إذ قادت شركة "ميتا" أخيراً جهوداً في هذا الاتجاه للمساعدة في بيع خدمات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي للحكومة الفيدرالية. وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن الجيش الأميركي تعيين أربعة مقدمين احتياطيين في "مفرزة 201" الجديدة، والمعروفة أيضاً باسم "فيلق الابتكار التنفيذي"، والمكلفة دمج الخبرات التكنولوجية المتطورة مع الابتكار العسكري. والمرشحون كانوا آدم بوسورث، كبير مسؤولي التكنولوجيا في "ميتا" والمقرب من مارك زوكربيرغ، وكيفن ويل مدير المنتجات في "أوبن أي آي"، وشيام سانكار كبير مسؤولي التكنولوجيا في "بالانتير".
ومما لا شك فيه أن وجود مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا الكبرى يرتدون الزي العسكري له دلالة رمزية ودلالة على العصر الذي نعيشه، إذ إن الخطوط الفاصلة بين وادي السيليكون ووزارة الدفاع الأميركية تتلاشى بسرعة.
مؤشرات جديدة
وقد أقدمت شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون في الفترة الماضية على خطوات أقل ما يقال عنها إنها تمثل البداية نحو العسكرة. ففي فبراير (شباط) الماضي أزالت "غوغل" القيود المفروضة على تطوير أسلحة أو أدوات للمراقبة الجماعية من مدونة قواعد سلوكها. وفي مايو (أيار) أقرت "مايكروسوفت" بأنها باعت، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة وخدمات حوسبة سحابية للجيش الإسرائيلي. وفي يونيو (حزيران) الماضي، فازت شركة "أوبن أي آي"، مطورة "تشات جي بي تي"، بعقد آخر بقيمة 200 مليون دولار لتزويد البنتاغون بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية الخاصة بها، كما غيرت الشركة سياسة استخدامها في 2024 لرفع الحظر عن استخدام تقنيتها في المهام العسكرية والحربية ليسمح باستخدامها في الأمن القومي.
هذا وأعلنت "غوغل" العام الماضي عن شراكة مع "أندوريل"، وهي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا العسكرية، للدخول في مناقصات الدفاع. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كشفت شركة "ميتا" عن موافقتها على إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها للمقاولين العسكريين "لوكهيد مارتن" و"بوز ألين هاميلتون". وقد اختارت وزارة الدفاع الأميركية شركة "سكيل" للذكاء الاصطناعي، الشركة التي ستستثمر فيها "ميتا" 14.3 مليار دولار، والتي عين مؤسسها ألكسندر وانغ، في قسم بحوث الذكاء الاصطناعي العام، لإجراء اختبارات وتقييم نماذج اللغات الكبيرة التي سيستخدمها الجيش الأميركي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تطبيق نهج وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة
مع وصول ترمب إلى السلطة ازداد التوجه لمناصرة تفوق الذكاء الاصطناعي في المجمع العسكري الأميركي ودعم البنية التحتية لرأس المال الاستثماري، مما يدر أرباحاً طائلة على الشركات وكبار رجال الأعمال بفضل استجابتهم لهذا التوجه السائد حالياً.
وهذا يعني أن وادي السيليكون قرر الانحياز إلى وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، وبدأت تتسرب معلومات عن النية لاستخدام نماذج "أوبن أي آي" و"أنثروبيك" قريباً داخل وزارة الدفاع الأميركية وفي مشاريع أكثر سرية. وبديهي القول إن قرار "أنثروبيك" باتباع هذا النهج يعد انتهاكاً أخلاقياً كبيراً لسياسة التوافق الخاصة بها، ويظهر الاتجاه العسكري بالاستحواذ على أفضل مختبرات بحوث الذكاء الاصطناعي.
عقود ضخمة
إلى ذلك عززت الأحداث العالمية على مدار العامين الماضيين طلب وزارة الدفاع الأميركية على تقنيات وادي السيليكون، بما في ذلك نشر طائرات من دون طيار وأنظمة أسلحة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في أوكرانيا وغزة، والمخاوف من سباق تسلح عالمي بالذكاء الاصطناعي ضد الصين. كما حفز احتمال شن روسيا حرباً إلكترونية وحملات تضليل إعلامي مسؤولي وزارة الدفاع على الاستثمار بكثافة في التقنيات الرقمية الجديدة. ونتيجة لذلك، وضع مسؤولو وزارة الدفاع خططاً لتطوير أساطيل واسعة من الطائرات من دون طيار ذاتية القيادة، لأغراض النقل والمراقبة والقتال، واكتساب قدرات الحوسبة السحابية التجارية لمشاركة البيانات وتخزينها و"الاتصال السلس" وتعزيز أنظمة الدفاع السيبراني.
تخصص مصادر الإنفاق الجديدة في وزارة الدفاع الأميركية لمزيج من شركات التكنولوجيا العملاق مثل "مايكروسوفت" و"أمازون" و"غوغل" و"أوراكل" ومئات الشركات الناشئة الأصغر حجماً التي تدعمها شركات رأس المال الاستثماري. وبين عامي 2019 و2022، منحت الوكالات العسكرية والاستخباراتية الأميركية شركات تكنولوجية كبرى عقوداً بقيمة إجمالية لا تقل عن 53 مليار دولار.
فيما منحت وكالات الاستخبارات 28 مليار دولار لشركة "مايكروسوفت" و"أمازون" و"ألفابت" (الشركة الأم لـ"غوغل") بين عامي 2018 و2022، ومن المرجح أن تكون القيمة الفعلية لعقود وزارة الدفاع ومجتمع الاستخبارات الأميركي أعلى بكثير، إذ إن عدداً من أكبر العقود المعروفة لوزارة الدفاع ومجتمع الاستخبارات مع شركات التكنولوجيا الأميركية سرية ومحجوبة عن قواعد بيانات المشتريات العامة.
مشروع "مافن"
ولعل أبرز المشاريع العسكرية التي تربط وادي السيليكون بوزارة الدفاع الأميركية تجلت بما يسمى مشروع "مافن" المعروف رسمياً باسم "فريق الحرب الخوارزمية متعدد الوظائف". أسس نائب وزير الدفاع، روبرت وورك، البرنامج في 2017، واصفاً إياه بأنه "جهد لتسريع دمج وزارة الدفاع للبيانات الضخمة والتعلم الآلي وتحويل الكم الهائل من البيانات المتاحة لوزارة الدفاع إلى معلومات استخباراتية ورؤى عملية بسرعة كبيرة".
وتمكن مشروع "مافن" بعدما أنفقت وزارة الدفاع الأميركية عشرات المليارات من الدولارات على أجهزة الاستشعار، من إنشاء خوارزميات لفرز الصور وتحليلها بكلفة بلغت 70 مليون دولار. وخلال النصف الثاني من عام 2017، أفادت التقارير بأن العاملين في مشروع "مافن" قاموا بتصنيف أكثر من 150 ألف صورة مرئية لإنشاء أولى مجموعات البيانات لتدريب الخوارزميات.
وبعد ثمانية أشهر فحسب من إطلاق وزارة الدفاع لمشروع "مافن"، كان الجيش الأميركي يستخدم خوارزميات البرنامج لدعم مهام الطائرات من دون طيار ضد "داعش" في العراق وسوريا. وفي 2018، نشرت سلسلة من التسريبات تكشف عن أن وزارة الدفاع الأميركية قد تعاقدت سراً مع "غوغل" للعمل على مشروع "مافن". ووفقاً لرسائل بريد إلكتروني داخلية من مسؤولين تنفيذيين في "غوغل"، بلغت قيمة الصفقة 15 مليون دولار في الأقل، وكان من المتوقع أن ترتفع إلى 250 مليون دولار.
بحلول فبراير 2018، انتشرت رسائل البريد الإلكتروني الداخلية حول مشروع "مافن" على نطاق واسع بين موظفي "غوغل"، وقد صدم كثير منهم واستاءوا مما فعله كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة. وفي غضون أشهر، وقع أكثر من 4 آلاف باحث في الشركة رسالة إلى الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي، تطالب بإلغاء عقد "مافن".
ومن المثير للدهشة أن الموظفين نجحوا، ولو موقتاً في جهودهم. ففي أوائل يونيو، أعلنت "غوغل" أنها ستنهي عملها في مشروع "مافن" عند انتهاء العقد. وبعد أيام، أصدرت مجموعة من المبادئ التوجيهية الأخلاقية أو "مبادئ الذكاء الاصطناعي"، مشيرة إلى أن الشركة لن تصمم أو تنشر الذكاء الاصطناعي لأنظمة الأسلحة، أو للمراقبة التي تنتهك المعايير المقبولة دولياً، أو للتقنيات المستخدمة في انتهاك القانون الدولي وحقوق الإنسان.
إثر ذلك كشفت تقارير أن وزارة الدفاع الأميركية منحت عقد مشروع "مافن" لشركة "أندوريل إندستريز"، المعروفة بتصميم نظارة الواقع الافتراضي "أوكولوس ريفت".