Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل الفاضل الجزيري أحد رواد المسرح التونسي الحديث

انطلق من التجربة الجماعية الاختبارية وتفرد بمشهدية الحضرة الموسيقية الصوفية

المسرحي التونسي الرائد فاضل الجزيري (ا ف ب)

ملخص

فقدت الساحة الثقافية والفنية التونسية أحد أعمدتها الكبار، برحيل المخرج والمسرحي الفاضل الجزيري، الذي توفي عن 77 سنة، بعد صراع مرير مع المرض. وقد خلف إرثاً إبداعياً مهماً قل نظيره في المسرح والسينما والموسيقى، وكان عنواناً لفنان جسد الالتزام الفني والبحث المستمر عن الدهشة والجمال.

 

لم يكن الفاضل الجزيري مجرد مخرج أو كاتب، بل كان أحد صناع اللحظة المسرحية، ممن جعلوا الفن التونسي معبراً عن الذات والجماعة، ومسرحاً فنياً لاكتشاف المعنى والتاريخ والهوية. ومن "العرس" إلى "الحضرة"، ومن "ثلاثون" إلى "غرانتي العزيزة"، كتب الرجل سيرة فنية مليئة بالتجريب المسرحي والإخلاص والانتماء.

ولد الفاضل الجزيري عام 1948 في العاصمة التونسية، في أسرة مثقفة، كان والده صاحب مكتبة في باب سويقة ومديراً لمقهى رمسيس ونزل الزيتونة، حيث كان يلتقي الأدباء والمسرحيون والفنانون. تلك البيئة الثقافية الثرية كانت أول مسرح صامت يراقب منه الفاضل تشكل الأفكار والجماليات، ويستنشق أول أنفاس الفن.

التحق بالمدرسة الصادقية، وانتظم مبكراً في الفرقة المسرحية المدرسية، إلى جانب زملاء أصبحوا لاحقاً رموزاً في المشهد الثقافي، وتتلمذ على الفنان زبير التركي في الرسم، وعلى أساتذة كبار في اللغة والأدب كمحسن بن عبدالله وأحمد العربي.

في 1968 انتظم في الحركة الطلابية، وشارك في الاحتجاجات والإضرابات التي هزت الساحة الجامعية، قبل أن يسافر إلى لندن لمواصلة تكوينه الفني، متأثراً بالمسرح البريطاني الطليعي، وبالأفق العالمي للفن كأداة نقد ومقاومة.

"مسرح الجنوب" و"المسرح الجديد"

عند عودته إلى تونس كانت انطلاقته من دار الثقافة ابن خلدون، قبل أن يسهم عام 1972 في تأسيس "مسرح الجنوب" في قفصة، مع نخبة من المبدعين مثل فاضل الجعايبي وجليلة بكار ورجاء فرحات ومحمد إدريس. لم يكن مشروعاً مسرحياً فحسب، بل تجربة ثقافية في العمق التونسي.ثم كانت المحطة الأهم في 1976، حين شارك في تأسيس فرقة "المسرح الجديد"، مع الجعايبي والحبيب المسروقي وجليلة بكار، ليقدم مع هذه الفرقة مجموعة من أبرز الأعمال التي أحدثت ثورة في المسرح التونسي والعربي مثل: العرس" و"غسالة النوادر" و"عرب" و"الكريطة".

 
هذه الأعمال لم تكن عروضاً مسرحية، بل نصوصاً مركبة، تجمع بين البعد السياسي والاجتماعي، وبين الطرح الفلسفي والنقدي. وقد أسست لغة مسرحية جديدة تماماً وحديثة، إخراجاً وتمثيلاً.

"الحضرة" و"النوبة"

بداية التسعينيات، خاض الفاضل الجزيري تجربة جديدة من نوعها في تونس من خلال المسرح الموسيقي الصوفي، فكان عرض "النوبة "(1991) ثم "الحضرة "(1992)، العمل الذي سيظل مقروناً باسمه، والذي جمع فيه بين التراث الروحي التونسي والغناء الجماعي والأداء الحي والصورة المسرحية، في مزيج جعل من هذه العروض أيقونات في الذاكرة الجماعية.

في "الحضرة" لم يكتف الجزيري بإحياء الأناشيد، بل منحها لغة مشهدية، جعلت التراث يرقص على إيقاع الضوء، والموسيقى تنطق بالحضور، والمقدس يلتقي بالفني. ثم عاد إلى هذا المشروع لاحقاً في "الحضرة 2"، واستمر في تجديده حتى الأعوام الأخيرة، مستعرضاً قدرة نادرة على المزاوجة بين التاريخ والراهن، بين الإنشاد والاستعراض، من دون أن يفرط في الجوهر الصوفي ولا في جمالية المسرح.

في السينما

في السينما خاض الفاضل الجزيري تجربة ناضجة، على رغم قلة عدد أفلامه. فقدم عام 2007 فيلمه الروائي الطويل "ثلاثون"، الذي تناول فيه سيرة رموز من النضال الوطني والثقافي، منهم فرحات حشاد وعلي البلهوان والطاهر الحداد، في عمل كتب بلغة شاعر يرى ما وراء النصوص. وفي عام 2016 قدم فيلمه الثاني "خسوف"، وهو عمل تأملي، رمزي، يحمل كثيراً من الاشتغال الفلسفي والتجريبي، يعكس هوسه بأسئلة الهوية والذاكرة والانكسار، وشارك كممثل في عدد من الأفلام التونسية والعالمية، مثل "سجنان" و"ترافيرسي" و"الميسيا" للمخرج العالمي روبرتو روسيليني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية الفاضل الجزيري، مؤكدة أن رحيله يعد خسارة فادحة للساحة الثقافية الوطنية والعربية. وجاء في بيانها أن الراحل "شكل علامة فارقة في تاريخ المسرح والسينما في تونس، بعد مسيرة تجاوزت خمسة عقود من الإبداع والتجديد". وتواصلت ردود الفعل من مثقفين وفنانين ومؤسسات ثقافية، تداولوا صوراً وكلمات وداع مؤثرة، توجهت في مجملها إلى استحضار أثر الفاضل الجزيري العميق في أجيال من المبدعين، وعلى جمهور ظل وفياً لأعماله، من المسرح إلى السينما إلى الموسيقى.

وبقدر ما جاء النبأ صادماً، لم يكن مفاجئاً تماماً، إذ كان الراحل يصارع المرض في صمت خلال الأعوام الأخيرة، لكنه أصر على مواصلة الكتابة والعمل، وكان آخر أعماله عرض "جرانتي العزيزة" الذي قدم مساء نهار الاحد، على مسرح مهرجان الحمامات الدولي، في مفارقة مؤثرة ختمت مسيرته برمزية لافتة.

لم يعلن الفاضل الجزيري انسحابه من المسرح، بل تركه وهو في موقع الفعل. لم يتوقف عن التجريب والبحث، وظل حتى أيامه الأخيرة مشغولاً بالمشهد، وبالإنتاج، وبمشروع مركز الفنون في جزيرة جربة، الذي أسسه وكان يتابعه من كثب على رغم تراجع حالته الصحية.

فقدت تونس وجهاً إبداعياً استثنائياً، ظل طوال حياته وفياً لرؤية فنية واضحة، قائمة على التجديد من دون قطيعة، وعلى الاحتفاء بالهوية بلا انغلاق، وعلى تحرير اللغة المسرحية من التنميط والوظيفة. ومع أن الستارة قد أسدلت عن حياة امتدت أكثر من سبعة عقود، فإن إرث الفاضل الجزيري لا يزال ينبض بالحياة في كل ما ألف من نص مسرحي، وفي كل نغمة موسيقية، وفي كل مشهد سينمائي. ترك الفاضل الجزيري وراءه مدرسة فنية خاصة به، جعل فيها الإبداع حواراً بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، بين الفرد والمجتمع. ورحلته الإبداعية هذه ستظل مصدر إلهام لأجيال قادمة من الفنانين والمثقفين في تونس والعالم العربي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة